قبل أن تصدر الدولة قرار إنشاء مدينة العلمين الجديدة عام 2018، كانت أرضها جزءاً من أكبر حقول الألغام في مصر. تركت هذه الألغام معركةُ العلمين عام 1942، وظلت تقتل وتصيب أهالي مطروح لعقود، إلى أن طهّرت القوات المسلحة مساحات واسعة منها بدعم دولي محدود. واليوم تقول الحكومة إن المدينة نفسها استقبلت مليون سائح في 2026.
الرقمان معاً قالهما رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في جلسة «التنمية الحضرية والعمرانية»، في اليوم الثاني من منتدى مصر 2026، ونُشر الخبر أمس الثلاثاء 20 أكتوبر 2026. حكى مدبولي أن المنطقة كانت من أكبر حقول الألغام في البلاد، وأن الألغام كانت تسبب حوادث ووفيات بين أهالي مطروح، ثم تحولت بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى منطقة تنمية تجمع السياحة والاقتصاد والصناعة.
فالمكان الذي يقضي فيه المصطافون الآن لياليهم في الفنادق والمقاهي هو المكان الذي كان الرعاة يتجنبون السير فيه قبل جيل واحد فقط. وبعد أيام قليلة، في أواخر أكتوبر الجاري، يعود أحفاد الجنود الألمان والإيطاليين وجنود الكومنولث إلى مقابر العلمين لإحياء ذكرى المعركة التي زرعت هذه الأرض بالموت.
لماذا امتلأ الساحل الشمالي بالألغام؟
السبب معركة العلمين في الحرب العالمية الثانية. دارت المعركة عام 1942 بين قوات المحور بقيادة الجنرال الألماني إرفين رومل وقوات الحلفاء بقيادة البريطاني برنارد مونتغمري، وتركت وراءها آلاف القتلى وحقولاً واسعة جداً من الألغام.
الجيشان استخدما الألغام لصد التقدم وحماية المواقع وقطع الطرق على الدبابات. وكانت الصحراء المفتوحة بين البحر والمنخفضات الداخلية ممراً ضيقاً نسبياً، فزرع الطرفان الألغام بكثافة على امتداده. انتهت الحرب ورحلت الجيوش، لكن الألغام بقيت في الرمال بلا خرائط دقيقة في أغلب الأحوال.
وللمكان اسم أقدم من الحرب. فكلمة «العَلَم» في العربية تعني الجبل، والاسم جاء من جبلين في المنطقة هما جبل الملح وجبل الطير. ومع ذلك لا يتذكر العالم العلمين بجبليها، بل بالمعركة التي حسمت مصير الحرب في شمال أفريقيا. ولهذا تضم المنطقة مقابر لضحايا الدول المتحاربة ومتحف العلمين العسكري.

كم عدد الألغام في مصر وكم ضحية سقطت بسببها؟
في التسعينيات رصدت مصر وجهات دولية، منها الأمم المتحدة، نحو 23 مليون لغم منتشرة في مساحة تعادل قرابة 22% من مساحة البلاد، وأغلبها في الساحل الشمالي وحول العلمين. ووفق تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الصادر في فبراير 2023، انخفض العدد إلى نحو 21.8 مليون لغم، وما زالت مصر تضم قرابة خُمس ألغام العالم.
الثمن البشري كان فادحاً. فحسب التقديرات، بلغ عدد حوادث الألغام حتى عام 2006 نحو 8,313 حادثة، قُتل فيها 697 شخصاً وأصيب 7,616، وكان 5,015 من الضحايا مدنيين. أغلبهم رعاة وبدو ومزارعون يعيشون من الأرض، لا جنود في ميدان قتال.
ولم تتوقف الحوادث بعد ذلك. قبل عام 2016 كانت الإحصاءات تسجل في العادة ما بين 4 و6 وفيات و15 إلى 25 إصابة كل سنة. ثم جاء عام 2016 كأول سنة لم تُسجَّل فيها أي ضحية. الرقم صغير، لكنه دليل على أن جهود التطهير بدأت تؤتي نتيجة ملموسة في حياة الناس.

من يتحمل ثمن إزالة ألغام حرب لم تكن مصر طرفاً فيها؟
عملياً، تحملت مصر الثمن وحدها تقريباً. فألمانيا وبريطانيا، وهما طرفان رئيسيان في المعركة، رفضتا تحمّل مسؤولية إزالة الألغام. قالت ألمانيا إن المدة طالت وإن المطالبات سقطت بمرور الزمن، وقالت بريطانيا إنها كانت تحمي مصر بموجب معاهدة 1936.
أما المساعدة المالية فكانت رمزية. بين عامي 2007 و2018 حصلت مصر على مليون دولار فقط من ألمانيا ونصف مليون دولار من بريطانيا، وهي مبالغ بعيدة جداً عن حجم المشكلة إذا قورنت بملايين الألغام المنتشرة على مساحات شاسعة.
وجاء بقية الدعم من مؤسسات دولية وعربية. ففي 2017 وافق مجلس النواب على خطاب تفاهم مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بقيمة 300 ألف دينار كويتي لتمويل المرحلة الثانية من إزالة الألغام. وفي 2019 وقّعت مصر مذكرة تفاهم مع مركز جنيف الدولي لإزالة الألغام للأغراض الإنسانية.

كيف طُهّرت أرض العلمين من الألغام؟
قامت القوات المسلحة المصرية بالجزء الأكبر من التطهير، بمساندة برامج تعاون مع الأمم المتحدة. وتشير التقديرات إلى إزالة نحو 1.2 مليون لغم منذ عام 1995، وإلى أن القوات المسلحة أزالت في السنوات الأولى من الألفية الجديدة أكثر من مليون لغم لتجهيز العلمين للتنمية.
العمل لم يبدأ في يوم واحد. ففي 3 ديسمبر 1997 تأسس مركز مكافحة الألغام في مصر، وكان الأول من نوعه في مصر والشرق الأوسط. وفي 2007 انطلق مشروع إزالة الألغام بالتعاون مع الأمم المتحدة، تحت إشراف الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي. ثم وقّعت مصر في فبراير 2016 اتفاقاً مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يربط إزالة الألغام بتنمية الساحل الشمالي الغربي.
النتيجة تظهر في المساحات. بين عامي 2009 و2020 طُهّر 2,182 كيلومتراً مربعاً من أصل نحو 5,100 كيلومتر مربع من أراضي الألغام. أي أن أقل من نصف الأرض الملوثة صار آمناً خلال تلك الفترة، وهذا يفسر لماذا تتركز المشروعات الكبرى في الأجزاء التي انتهى تطهيرها أولاً.
لماذا اختارت الدولة العلمين لبناء مدينة جديدة؟
اختارت الدولة العلمين لأنها أرض مطهّرة على البحر مباشرة، وقريبة من الإسكندرية، وتصلح نقطة انطلاق لتنمية الساحل الشمالي الغربي كله، وهو مشروع يمتد من العلمين إلى السلوم بطول نحو 500 كيلومتر وبعمق صحراوي يتجاوز 280 كيلومتراً.
وهناك سبب ثانٍ ذكره مدبولي صراحة: تغيير نموذج الساحل. فقد انتقد رئيس الوزراء نموذج القرى السياحية الصيفية الذي ظهر في الثمانينيات، لأنه جعل الساحل مصايف تعمل شهرين فقط في السنة ثم تُغلق. والرؤية الجديدة، كما عرضها، سلسلة مدن على الساحل الشمالي ترفع فترة التشغيل من 4 أشهر إلى 6 أشهر، تمهيداً لتشغيل المنطقة طوال العام.
ولم تقتصر فائدة التطهير على العلمين. فقد مهّد الطريق لمشروعات كبرى أخرى في الساحل، منها أرض الضبعة التي اختيرت لأول محطة نووية في مصر، وامتداد ترعة الحمام. ويرى بعض المحللين أن المدينة صُممت لتكون مركزاً حضرياً حقيقياً يجذب السكان والوظائف ويعمل طوال السنة، لا منتجعاً جديداً على الشاطئ فقط. أما هل ستنجح في ذلك فما زال سؤالاً مفتوحاً.
ماذا تغيّر في العلمين بعد التطهير؟
كل شيء تقريباً. صدر القرار الجمهوري رقم 108 لسنة 2018 بإنشاء مدينة العلمين الجديدة على مساحة إجمالية 48 ألف فدان، منها 15 ألف فدان جاهزة للتنمية الفورية، ويُستهدف أن تستوعب المدينة أكثر من 3 ملايين نسمة. وتُصنَّف العلمين الجديدة أول مدينة من مدن الجيل الرابع في مصر، وتعتمد على الطاقة المتجددة.
وبدأت الأبراج ترتفع سريعاً. ففي أغسطس 2018 انطلقت المرحلة الأولى من أبراج العلمين الجديدة، وتضم 15 برجاً من أصل 33، في كل برج 40 طابقاً و230 وحدة سكنية. وإلى جانبها تضم المدينة جامعة العلمين الدولية بكلياتها الثلاث عشرة، وجامعة أهلية، ومقرين للرئاسة ومجلس الوزراء، و10 آلاف وحدة إسكان اجتماعي، ومشروعات مثل داون تاون العلمين والحي اللاتيني على مساحة 404 أفدنة.
أما السياحة فلها حصة كبيرة في المخطط. تمتد منطقة الفنادق على 296 فداناً بطاقة 15,500 غرفة فندقية، وتضم المدينة مركزاً طبياً عالمياً للاستشفاء على 45 فداناً، ومحطة لتحلية مياه البحر تعمل بالطاقة الشمسية. وهذه المكونات هي التي تبني عليها الحكومة رقم المليون سائح في 2026، ورهانها على مد الموسم إلى ما بعد الصيف.
أهم النقاط
- قال مدبولي في منتدى مصر 2026، في خبر نُشر الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، إن العلمين كانت من أكبر حقول الألغام في مصر، وإن مدينتها الجديدة استقبلت مليون سائح هذا العام.
- مصدر الألغام معركة العلمين عام 1942 بين رومل ومونتغمري.
- رصدت التسعينيات نحو 23 مليون لغم في قرابة 22% من مساحة مصر، وانخفض العدد إلى نحو 21.8 مليون حسب تقرير فبراير 2023.
- حتى 2006 وقعت 8,313 حادثة ألغام قُتل فيها 697 شخصاً وأصيب 7,616، وكان 2016 أول عام بلا ضحايا مسجلين.
- رفضت ألمانيا وبريطانيا تحمّل مسؤولية الإزالة، واكتفتا بمليون ونصف مليون دولار على التوالي بين 2007 و2018.
- بين 2009 و2020 طُهّر 2,182 كم² من أصل نحو 5,100 كم² من أراضي الألغام.
- تأسست المدينة بالقرار الجمهوري 108 لسنة 2018 على 48 ألف فدان، وتستهدف أكثر من 3 ملايين نسمة.
- تريد الحكومة رفع فترة تشغيل الساحل من 4 أشهر إلى 6 أشهر، ثم تشغيله طوال العام.
أسئلة شائعة
ما معنى اسم العلمين؟
كلمة «العَلَم» في العربية تعني الجبل، والاسم مأخوذ من جبلين في المنطقة هما جبل الملح وجبل الطير. أي أن الاسم أقدم من المعركة التي جعلته مشهوراً في العالم.
هل ما زالت هناك ألغام في الساحل الشمالي؟
نعم. فحسب تقرير مركز المعلومات بمجلس الوزراء في فبراير 2023، ما زالت مصر تضم نحو 21.8 مليون لغم، أغلبها في الساحل الشمالي والصحراء الغربية. أما المناطق التي قامت عليها المدن والمشروعات، ومنها العلمين الجديدة، فقد طُهّرت قبل البناء.
متى تُحيا ذكرى معركة العلمين؟
تُحيا الذكرى كل عام في أواخر أكتوبر، أي خلال الأيام المقبلة من أكتوبر 2026. يزور فيها أحفاد القتلى ووفود الدول المشاركة في المعركة المقابر الألمانية والإيطالية ومقابر الكومنولث في العلمين.
ماذا أفعل إذا وجدت جسماً معدنياً غريباً في صحراء الساحل؟
لا تلمسه ولا تحاول تحريكه أو تصويره من مسافة قريبة، وابتعد عنه من نفس الطريق الذي جئت منه. حدّد المكان بعلامة واضحة من بعيد، ثم أبلغ أقرب نقطة شرطة أو وحدة عسكرية فوراً، فبعض مخلفات الحرب ما زال قابلاً للانفجار بعد أكثر من ثمانين عاماً.
هل تعمل العلمين الجديدة طوال السنة أم في الصيف فقط؟
الإقبال ما زال أعلى في الصيف، لكن الحكومة تعلن أنها تستهدف رفع فترة التشغيل من 4 أشهر إلى 6 أشهر ثم إلى العام كله. ووجود الجامعات والمقرات الحكومية والإسكان الدائم يهدف إلى إبقاء المدينة مأهولة خارج الموسم.
كم تبلغ مساحة مدينة العلمين الجديدة؟
تبلغ المساحة الإجمالية 48 ألف فدان وفق القرار الجمهوري رقم 108 لسنة 2018، منها 15 ألف فدان كانت جاهزة للتنمية الفورية. ويُستهدف أن تستوعب المدينة أكثر من 3 ملايين نسمة.
الخلاصة
رقم المليون سائح يقيس نجاح العلمين كمصيف. أما الاختبار الأصعب فسيبدأ مع نهاية الصيف: هل تبقى أنوار الأبراج والجامعات والفنادق مضاءة في يناير وفبراير؟ هذا ما سيحدد هل تحولت المدينة إلى مكان يعيش فيه الناس، أم ظلت نسخة أكبر وأحدث من قرى الثمانينيات التي انتقدها رئيس الوزراء نفسه. وتبقى خلف الواجهة البحرية ملايين الألغام في الصحراء الغربية، ويرتبط كل توسع جديد في مشروع العلمين حتى السلوم بسرعة تطهيرها وبمن يدفع تكلفته. ومن يزور الساحل هذا الخريف، في أيام ذكرى المعركة، يستطيع أن يرى الوجهين معاً: الفنادق على الشاطئ، وعلى بعد كيلومترات منها مقابر من ماتوا في الحرب التي زرعت هذه الألغام.