محمد خان (1942-2016) من أبرز مخرجي تيار الواقعية في السينما المصرية. وفي ندوة «رجال محمد خان: أبطال خارج المألوف» التي أقامها مهرجان الجونة السينمائي يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، روى الفنان حسين فهمي أن أحمد زكي أحضر مسدسًا من سيارته وطارد خان داخل موقع تصوير «موعد على العشاء»، بعدما انتظر ساعات بسبب خلاف بين المخرج وسعاد حسني على رغيف خبز. وفي الندوة نفسها حكى أحمد داود أن المطر الصناعي تعطّل أثناء تصوير «قبل زحمة الصيف»، ثم هطل المطر الحقيقي فجلس خان تحته سعيدًا يردد: «ثانكس جاد».
استمرت الندوة ساعة ونصفًا، من الواحدة ظهرًا إلى الثانية والنصف عصرًا، على مسرح «سيني جونة» ضمن الدورة التاسعة للمهرجان التي تمتد من 15 إلى 23 أكتوبر 2026. جلس على المنصة حسين فهمي وأحمد داود والمخرجة نادين خان، ابنة المخرج الراحل، والناقد أحمد شوقي، وأدار الحوار الناقد رامي عبد الرازق. وفي اليوم نفسه، وفي مكان آخر من المهرجان، روت إلهام شاهين حكاية من نوع مختلف: مخرج قال لها صراحة إنه لا يطيق العمل معها.
ما قيل في الجونة يرسم صورة لمخرج يجمع بين الصبر والعناد، وبين الدقة في التفاصيل والاستعداد لترك المشهد يمضي. وتأتي هذه الحكايات قبل أسبوع واحد من ذكرى ميلاده، فقد وُلد محمد خان في القاهرة يوم 26 أكتوبر 1942، ويوافق الاثنين المقبل 26 أكتوبر 2026 مرور 84 عامًا على مولده.
من هو محمد خان؟
محمد خان مخرج مصري وُلد في القاهرة يوم 26 أكتوبر 1942 لأب باكستاني وأم مصرية، وتوفي في القاهرة يوم 26 يوليو 2016 عن 73 عامًا. يعدّه النقاد من أبرز أسماء تيار السينما الواقعية الذي انتشر بين أبناء جيله في أواخر السبعينيات وطوال الثمانينيات.
أول أفلامه الروائية الطويلة «ضربة شمس» عام 1978، وآخرها «قبل زحمة الصيف» عام 2015. بين الفيلمين قرابة أربعة عقود، قدّم فيها أعمالًا يحفظ الجمهور أسماءها، منها «طائر على الطريق» و«موعد على العشاء» و«الحريف» و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا» و«أيام السادات» و«في شقة مصر الجديدة».
ومن المفارقات المعروفة في سيرته أنه صنع أفلامًا عن القاهرة وناسها أكثر مما صنعها كثير من المخرجين المصريين، وظل مع ذلك سنوات طويلة بلا الجنسية المصرية. تذكر ويكيبيديا أنه حصل عليها بقرار جمهوري في مارس 2014، أي قبل وفاته بنحو عامين.
ما حكاية أزمة «موعد على العشاء» ومسدس أحمد زكي؟
الأزمة بدأت بخلاف بين محمد خان وسعاد حسني على رغيف خبز، وانتهت بأحمد زكي يطارد المخرج بمسدس داخل موقع التصوير. هذه رواية حسين فهمي، الذي شارك في بطولة الفيلم، كما رواها في ندوة الجونة.
بحسب فهمي، أصرت سعاد حسني في أحد المشاهد على أن تخرج من المطبخ وهي تحمل رغيف خبز. رفض خان. واستمر النقاش ساعات، وفي النهاية وافق المخرج على رأيها. طوال هذه الساعات كان أحمد زكي ينتظر دوره. وحين نفد صبره ذهب إلى سيارته وعاد بمسدس، وطارد خان في موقع التصوير، بينما حاول فهمي أن يهدئه ويمنعه من الوصول إليه.
لم تكن هذه المرة الوحيدة التي توقف فيها التصوير. يروي فهمي أن سعاد حسني أصرت أيضًا على أن يعود أحمد زكي بنفسه لتسجيل صوت خطواته وهو يغادر الشقة. استدعاه مدير الإنتاج، فجاء زكي وارتدى ملابس الشخصية، ثم اكتشف أن المطلوب منه أن يمشي فقط حتى يسجلوا الصوت. وفي مشهد خارجي على كورنيش الإسكندرية كانت الرياح تطيّر شعر سعاد حسني، فتعود إلى الفندق لتصفيفه. تكرر ذلك ثلاث مرات، وتوقف التصوير في كل مرة فترات طويلة.
النتيجة أن تصوير الفيلم امتد أربعة أشهر، وكان مقررًا له أربعة أسابيع. ومع ذلك يقول فهمي إن خان تعامل مع هذه الأزمات بهدوء وروح مرحة. وأضاف أن شخصية «عزت أبو الروس» التي أداها بعيدة تمامًا عن شخصيته، فهي لرجل ضعيف من الداخل يدّعي القوة. ويرى فهمي أن الشخصيات الرئيسية الثلاث في الفيلم ضعيفة إنسانيًا، وهو ما يفسّر جزءًا من رؤية خان كما سيتضح لاحقًا.

لماذا جلس محمد خان تحت المطر في «قبل زحمة الصيف»؟
جلس خان تحت المطر لأن السماء أعطته في لحظة ما عجز فريقه عن صنعه. يحكي أحمد داود أن الفريق واجه صعوبة في تشغيل المطر الصناعي لأحد المشاهد، ثم هطل المطر الطبيعي، فتأثر خان وجلس تحته سعيدًا وهو يردد: «ثانكس جاد».
نشر موقع القاهرة 24 الواقعة نفسها تحت عنوان «معرفش يعمل مطرة صناعية فنزلت بجد». وذكر أن المطر هطل أثناء تصوير المشهد، وأن اللحظة شهدت تأثرًا وبكاءً من الفرح وترديدًا لعبارة «الحمد لله». لكن صياغة الموقع لا تحدد صراحة من الذي بكى. الثابت في الروايتين أن المخرج استقبل المطر بفرح ظاهر.
يكتسب المشهد معناه من توقيته. «قبل زحمة الصيف» آخر أفلام خان، صوّره وهو في السبعينيات من عمره، بعد قرابة أربعين عامًا من فيلمه الأول. ومخرج في هذه المرحلة يجلس تحت المطر فرحًا كطفل يدل على علاقته بالتصوير: لم يتعامل معه كعمل روتيني حتى في آخر أفلامه.

لماذا قال محمد خان لإلهام شاهين: «لو اشتغلت معاكي هقتلك»؟
لأنه، بحسب روايتها، كان يقدّر موهبتها ولا يحتمل طباعها. ويعود الخلاف إلى فيلم «أحلام هند وكاميليا»، الذي كان مقررًا أن تشارك فيه ثم خرجت منه قبل التصوير.
قالت إلهام شاهين في الجونة إنها أجرت مع خان بروفات استمرت نحو شهر ونصف، وجُهّزت ملابس الشخصية. ثم أخبرته أنها ستسافر وتعود للتصوير. رد خان بأن الممثلة «ممنوع تسافر وتبقى تحت أمري». قرر التصوير بدونها، وألقى السيناريو في وجهها ومضى، وظل بعد ذلك ينظر إليها باشمئزاز كما تقول.
الجزء الثاني من الحكاية جاء بعد سنوات. فازت إلهام شاهين بجائزة أفضل ممثلة عن فيلم «يا دنيا يا غرامي» في مهرجان كان خان رئيس لجنة تحكيمه. وعندما سألته عن ذلك قال إنها «ممثلة قوية»، لكنه لا يحب طباعها، وأضاف: «لو اشتغلت معاكي هقتلك».
تكشف الواقعة طريقة خان في الفصل بين الحكم الفني والعلاقة الشخصية. فهو لم يمنعه خلافه معها من منحها جائزة يرى أنها تستحقها، ولم يمنعه تقديره لموهبتها من رفض العمل معها. وكان يطلب من الممثل أن يتفرغ لفيلمه تمامًا، وتعامل مع خطط السفر في منتصف التحضير على أنها إخلال بهذا الشرط.
كيف كان محمد خان يتعامل مع النجوم؟
الشهادات تكشف عن جانبين في تعامله مع النجوم: صبر يصل إلى حد التنازل، كما حدث مع سعاد حسني، وحزم لا يقبل الجدل، كما حدث مع إلهام شاهين وأحمد داود. وما يجمع الجانبين أن خان كان يحسب كل قرار بما يخدم الفيلم.
أحمد زكي مثال واضح على ذلك. فرغم مطاردة المسدس قام زكي ببطولة ستة من أفلام خان، منها «طائر على الطريق» و«موعد على العشاء» و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا» و«أيام السادات» عام 2001. ونال زكي جائزة أفضل ممثل عن «زوجة رجل مهم» من مهرجان دمشق السينمائي الدولي. وقليل من الثنائيات في السينما المصرية استمر بهذا الشكل بين مخرج ونجم.
ومن جيل أحدث تأتي شهادة أحمد داود. كان داود قبل «قبل زحمة الصيف» في مرحلة نجاح كبيرة بعد مسلسل «سجن النساء». وفي أحد المشاهد ابتكر حركة بالسيجارة والمبسم، فلاحظها خان من بعيد وأسرع إلى التقاطها بالكاميرا. معنى ذلك أن خان كان يراقب ما يرتجله الممثل ويستفيد منه، ولا يكتفي بما خطط له.
لكن هذا الانفتاح كان له حد. طلب داود إعادة تصوير مشهد ليغيّر الأغنية التي يؤديها فيه، فرفض خان وقال له: «اللي بعده». يرى داود في هذه العبارة فلسفة كاملة: لا تتعلق بما انتهى، ولا تتوقف طويلًا عند نجاح أو فشل. كان خان يقبل من الممثل ما يضيفه في لحظة التصوير، ولا يقبل العودة إلى مشهد انتهى.
ما بصمة محمد خان على الواقعية المصرية؟
بصمته الأساسية أنه جعل الإنسان العادي بطلًا، وقدّم القاهرة مدينة حية لا صورة سياحية. وتتفق شهادات الجونة والتغطيات النقدية على أن أبطاله ناس عاديون، لا خارقون ولا أصحاب سلطة.
روى حسين فهمي أنه تعرّف على خان عن طريق نور الشريف أثناء العمل على «ضربة شمس»، وأن خان كان يرى أن الحياة لا تحتوي على أبطال، فيركز على الإنسان العادي بضعفه وتناقضاته. أما نادين خان فقدّمت الفكرة من زاوية أخرى: والدها كان يعامل شخصياته كأبطال داخل بيئاتها، ويحرص على إظهار البطل الكامن في كل إنسان. والقولان لا يتعارضان. فخان لم يقدّم بطلًا بالمعنى التقليدي، لكنه رأى في الإنسان العادي ما يستحق أن يُروى.
وأضاف الناقد أحمد شوقي ملاحظة لافتة: كثير من أبطال خان يحملون اسم «فارس». وقال إن شخصياته تتحركها الشغف والرغبة في تحقيق الأحلام، وإنه كان يضعها أمام اختبارات حاسمة تجبرها على الاختيار بين طريقين، واستشهد بفيلمي «طائر على الطريق» و«زوجة رجل مهم».
المكان هو العنصر الثاني في هذه البصمة. تقدّم أفلام مثل «الحريف» و«في شقة مصر الجديدة» القاهرة بشوارعها ومقاهيها وأحيائها الشعبية، والمدينة فيها جزء من الحكاية وليست خلفية لها. ومن يريد أن يتعرف على سينما خان قد يبدأ بـ«ضربة شمس» ثم «الحريف» ليرى هذه المدينة، ثم «زوجة رجل مهم» ليرى اختبارات أبطاله، ثم «قبل زحمة الصيف» ليرى كيف بدت رؤيته في آخر أعماله.

أهم النقاط
- أقام مهرجان الجونة ندوة «رجال محمد خان: أبطال خارج المألوف» يوم الأحد 18 أكتوبر 2026 على مسرح «سيني جونة»، بمشاركة حسين فهمي وأحمد داود ونادين خان وأحمد شوقي، وأدارها رامي عبد الرازق.
- بحسب حسين فهمي، طارد أحمد زكي محمد خان بمسدس في موقع «موعد على العشاء» بعد انتظار ساعات سببه خلاف مع سعاد حسني على رغيف خبز.
- امتد تصوير «موعد على العشاء» أربعة أشهر، وكان مقررًا له أربعة أسابيع.
- تعطّل المطر الصناعي في «قبل زحمة الصيف» ثم هطل مطر حقيقي، فجلس خان تحته يردد «ثانكس جاد».
- روت إلهام شاهين أن خان استبعدها من «أحلام هند وكاميليا» بعد بروفات استمرت شهرًا ونصفًا، ثم منحها جائزة أفضل ممثلة لاحقًا وقال لها: «لو اشتغلت معاكي هقتلك».
- قام أحمد زكي ببطولة ستة من أفلام خان، ونال جائزة أفضل ممثل من مهرجان دمشق عن «زوجة رجل مهم».
- واقعية خان: أبطال من الناس العاديين، وقاهرة حقيقية بشوارعها ومقاهيها، وشخصيات كثيرًا ما تحمل اسم «فارس».
أسئلة شائعة
متى توفي محمد خان وكم كان عمره؟
توفي محمد خان في القاهرة يوم 26 يوليو 2016 عن 73 عامًا. وُلد في القاهرة يوم 26 أكتوبر 1942.
هل كان محمد خان مصريًا؟
وُلد في القاهرة لأب باكستاني وأم مصرية، وعاش وعمل في مصر طوال مسيرته. وتذكر ويكيبيديا أنه حصل على الجنسية المصرية بقرار جمهوري في مارس 2014.
ما أول فيلم وآخر فيلم أخرجهما محمد خان؟
أول أفلامه الروائية الطويلة «ضربة شمس» عام 1978، وآخرها «قبل زحمة الصيف» عام 2015 من بطولة أحمد داود وآخرين.
ما الأفلام التي جمعت محمد خان وأحمد زكي؟
قام أحمد زكي ببطولة ستة من أفلام خان، منها «طائر على الطريق» و«موعد على العشاء» و«زوجة رجل مهم» و«أحلام هند وكاميليا» و«أيام السادات». ونال زكي عن «زوجة رجل مهم» جائزة أفضل ممثل من مهرجان دمشق السينمائي الدولي.
هل المخرجة نادين خان ابنة محمد خان؟
نعم، نادين خان ابنة المخرج الراحل، وشاركت في ندوة الجونة عن أفلامه. وقالت إن والدها كان يحرص على إظهار البطل الكامن في كل إنسان.
متى تنتهي الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي؟
بدأت الدورة التاسعة يوم 15 أكتوبر 2026 وتنتهي يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026. وأُقيمت ندوة محمد خان يوم الأحد 18 أكتوبر.
الخلاصة
تقدّم حكايات الجونة خان كما عرفه من عملوا معه: مخرج ترك سعاد حسني تكسب نقاش رغيف الخبز، ولم يقبل أن تؤجل إلهام شاهين التزامها بفيلمه بسبب السفر، ورفض أن يعيد مشهدًا لأحمد داود لكنه التقط بالكاميرا حركة ارتجلها. والمعيار في الحالات الثلاث واحد: ما الذي يحتاجه الفيلم؟ ولمن يريد أن يرى هذا المعيار على الشاشة، تتيح ذكرى ميلاده يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 فرصة لمشاهدة «موعد على العشاء» من جديد. يمكن متابعة رغيف الخبز في يد سعاد حسني، وصوت خطوات أحمد زكي وهو يغادر الشقة، ومشهد الكورنيش في الإسكندرية. التفاصيل التي أخّرت التصوير ثلاثة أشهر إضافية موجودة كلها في الفيلم.