«ليدي بي جود» قاذفة أمريكية من طراز B-24D ليبريتور. اختفت ليلة 4 أبريل 1943 وهي عائدة من غارة على نابولي إلى قاعدتها في سولوخ قرب بنغازي. أدى خطأ في الملاحة إلى أن تتجاوز الطائرة القاعدة دون أن يلاحظ طاقمها، فواصلت الطيران جنوباً فوق الصحراء الكبرى حتى قارب الوقود على النفاد، فقفز الرجال بالمظلات. مات الطاقم كله عطشاً أو متأثراً بالسقوط، وبقي مصيرهم مجهولاً إلى أن عثر عاملون في التنقيب عن النفط على الحطام عام 1959، ثم على رفات الطاقم ويومياته عام 1960.

في جيب مساعد الطيار روبرت تونر كانت هناك مفكرة صغيرة. كتب فيها يوم 11 أبريل 1943: «ما زلنا ننتظر النجدة، ما زلنا نصلي». وكتب في اليوم التالي آخر سطر فيها: «لا نجدة حتى الآن، ليلة شديدة البرودة». قرأ الأمريكيون هذه الكلمات بعد 17 عاماً، حين انتهى الغموض الذي أحاط بطائرة ظنّت قيادتها أنها سقطت في البحر المتوسط.

والمفارقة التي جعلت القصة من أشهر ألغاز الحرب العالمية الثانية أن الطائرة نفسها نجت تقريباً. هبطت على بطنها في بحر رمال كلانشو، وحين وصل إليها المنقّبون عن النفط وجدوا رشاشاتها تعمل وجهاز اللاسلكي فيها صالحاً. لكن الرجال الذين كان يمكن أن يحتموا بها كانوا يسيرون في الاتجاه المعاكس.

ما هي «ليدي بي جود» ومن كان على متنها؟

كانت «ليدي بي جود» قاذفة ثقيلة من طراز B-24D ليبريتور تحمل الرقم التسلسلي 41-24301، وتتبع السرب 514 في مجموعة القصف 376 التابعة للقوات الجوية الأمريكية. تسلّمتها المجموعة يوم 25 مارس 1943، وكانت تعمل من مطار سولوخ في ليبيا، وهو مطار يقع قرب بنغازي.

الطاقم جديد مثل الطائرة. وصل الرجال التسعة إلى ليبيا يوم 18 مارس 1943، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من اختفائهم، ولم يطيروا معاً في أي مهمة قتالية قبل غارة نابولي. في مقعد القيادة الملازم ويليام هاتون، وإلى جانبه مساعده روبرت تونر، ومعهما الملاح دي بي هايز والقاذف جون ووراكا، ثم خمسة رقباء: هارولد ريبسلينغر، وروبرت لاموت، وغاي شيلي، وفيرنون مور، وصامويل آدامز.

تفسّر قلة الخبرة جزءاً من القصة، لكنها لا تفسّرها كلها. فالطاقم كان يطير ليلاً فوق بحر مفتوح ثم فوق صحراء لا علامات فيها، ويعتمد على أجهزة ملاحة لاسلكية بدائية بمقاييس اليوم، وأي خلل صغير في قراءة الإشارة كان يعني الابتعاد عشرات الكيلومترات في دقائق.

قاذفة B-24D ليبريتور من طراز الطائرة ليدي بي جود تحلق فوق ساحل ليبيا
قاذفة ليبريتور من الطراز نفسه الذي انتمت إليه «ليدي بي جود»

ماذا حدث في مهمة نابولي يوم 4 أبريل 1943؟

أقلعت يوم 4 أبريل 1943 خمس وعشرون قاذفة B-24D من مجموعة القصف 376 من سولوخ لضرب منشآت ميناء نابولي في إيطاليا، وعادت كلها بسلام تلك الليلة باستثناء «ليدي بي جود». هذه هي الرواية التي يثبتها المتحف الوطني للقوات الجوية الأمريكية.

بدأت المهمة متعثرة. أقلعت «ليدي بي جود» الساعة 2:15 ظهراً، وبسبب ظروف عاصفة رملية عادت ثماني قاذفات من السرب قبل الوصول إلى الهدف. لم يواصل الطريق إلى نابولي سوى أربع طائرات، وصلت «ليدي بي جود» بينها فوق المدينة الساعة 7:50 مساءً على ارتفاع 25 ألف قدم. لكن الرؤية كانت ضعيفة، وحجبت الهدف الرئيسي.

بعد ذلك عادت الطائرة وحدها، بلا تشكيل ترافقه ولا طائرة قائدة تتبعها. وفي رحلة عودة ليلية فوق المتوسط، كان على الملاح الشاب أن يجد بقعة صغيرة على ساحل ليبيا في الظلام.

كيف تجاوزت الطائرة قاعدتها في بنغازي دون أن يدرك طاقمها؟

السبب الأرجح خلل في الملاحة اللاسلكية: كان جهاز تحديد الاتجاه في القاعدة من النوع ذي الحلقة الواحدة، وهو جهاز لا يميّز بين إشارة قادمة من أمام الطائرة وأخرى قادمة من خلفها. هكذا عبرت الطائرة فوق سولوخ وواصلت الطيران كأن القاعدة ما زالت أمامها.

الساعة 12:12 بعد منتصف الليل أبلغ الطيار هاتون القاعدة بأن جهاز تحديد الاتجاه الآلي في الطائرة معطّل، وطلب منها أن تحدد له موقعه. جاءه الاتجاه الصحيح نظرياً، لكن بقراءة لا تفرّق بين الأمام والخلف. والأرجح أن الطاقم ظنّ أنه ما زال فوق البحر يقترب من الساحل، بينما كان قد تجاوزه ودخل اليابسة. وأطلقت القاعدة قنابل مضيئة لإرشاد الطائرة، لكن يبدو أن الطاقم لم يرها.

استمرت الطائرة نحو ساعتين في عمق الصحراء الكبرى متجهة جنوباً. وتكشف وثيقة صامتة حجم الارتباك: سجل الملاح هايز، الذي عُثر عليه لاحقاً، لا يذكر شيئاً عن حركة الطائرة بعد مغادرة نابولي. وتحت الطائرة ليلاً لم يكن هناك ما يدل على أنها فوق رمال لا فوق ماء، فالصحراء المظلمة والبحر المظلم يتشابهان من ارتفاع عالٍ.

نحو الساعة الثانية فجراً اقترب الوقود من النفاد، فقفز الطاقم بالمظلات. لم تسقط الطائرة فوراً؛ واصلت الطيران فارغة نحو 26 كيلومتراً (16 ميلاً)، ثم هبطت على بطنها في بحر رمال كلانشو، على بعد نحو 710 كيلومترات (440 ميلاً) جنوب شرق سولوخ.

كم سار الناجون في الرمال وماذا كتبوا في يومياتهم؟

سار الناجون الثمانية نحو 137 كيلومتراً (85 ميلاً) في خمسة أيام، متجهين شمالاً لاعتقادهم أنهم قريبون من البحر المتوسط. لم يكن معهم سوى نحو نصف مطّارة ماء لهم جميعاً، وكانت حرارة الظهيرة تصل إلى نحو 55 درجة مئوية.

لم يكن الثامن بينهم. القاذف جون ووراكا لم يلتحق بالمجموعة، ويرجَّح أنه مات عند الهبوط لأن مظلته لم تنفتح بالكامل. أما الباقون فتجمعوا وبدأوا السير. كتب تونر أن حصة كل رجل من الماء كانت «غطاء مطّارة واحد في اليوم». وتقدّر تقديرات خبراء النجاة أن رجالاً في مثل ظروفهم يمكنهم قطع 25 إلى 30 ميلاً فقط، أي أن ما قطعوه تجاوز ذلك بنحو ثلاثة أضعاف.

حين انهار خمسة منهم ولم يعودوا قادرين على المشي، توقفوا في مكانهم: هاتون وتونر وهايز ولاموت وآدامز. وواصل ثلاثة السير بحثاً عن نجدة: شيلي وريبسلينغر ومور. وصل شيلي إلى نقطة تبعد 32 كيلومتراً (20 ميلاً) عن مكان الخمسة، وتقدّم ريبسلينغر 43 كيلومتراً (27 ميلاً) أبعد من شيلي، فبلغ مجموع ما قطعه على قدميه أكثر من 100 ميل.

تغطي يوميات تونر ثمانية أيام في المجمل، أي أن الرجال الخمسة عاشوا أياماً بعد توقفهم عن السير، ينتظرون في العراء. نبرة اليوميات قصيرة ومقتضبة، أقرب إلى تقرير حالة منها إلى وداع. وجاءت آخر تدوينة يوم 12 أبريل 1943، بعد ثمانية أيام من القفز. والقسوة الكبرى أن الطائرة، بما فيها من ماء محتمل وجهاز لاسلكي صالح وظل يحمي من الشمس، كانت خلفهم في الجنوب، بينما اختاروا الشمال لأنهم ظنوا البحر قريباً.

آثار أقدام ومفكرة قديمة في رمال الصحراء الليبية حيث سار ناجو ليدي بي جود
رمال قاحلة بلا علامات سار فيها الناجون أياماً وهم يكتبون يومياتهم

كيف عثر المنقّبون عن النفط على الطائرة بعد 16 عاماً؟

لم تجد عمليات البحث التي انطلقت من سولوخ عام 1943 أي أثر، فافترضت القوات الأمريكية أن الطائرة سقطت في البحر المتوسط. وبعد الحرب جاءت شركات النفط إلى الصحراء الليبية بطائراتها وفرقها الميدانية، فكانت أول من وصل إلى المكان.

رأى طاقم طائرة داكوتا تابعة لشركة سيلفر سيتي إيروايز، بقيادة الكابتن آلان فروست، الحطام من الجو لأول مرة يوم 16 مايو 1958. ثم أبلغ فريق من شركة بريتش بتروليوم (BP) عن رؤيته يوم 9 نوفمبر 1958. لكن أحداً لم يذهب لفحصه في ذلك الوقت.

يوم 27 فبراير 1959 وصل المسّاح غوردون بويرمان والجيولوجيان دونالد شيريدان وجون مارتن إلى الحطام برّاً. وجدوا طائرة سليمة إلى حد كبير، رشاشاتها تعمل وجهاز اللاسلكي فيها صالح. ولم يكن بداخلها رفات ولا مظلات، وهي تفصيلة حسمت سؤالاً مهماً: الطاقم قفز قبل الهبوط، وموته حدث في مكان آخر من الرمال.

أين وُجد رفات الطاقم ومن بقي مفقوداً؟

عُثر على رفات ثمانية من التسعة بين فبراير وأغسطس 1960، وبقي رفات الرقيب فيرنون مور مفقوداً رسمياً حتى اليوم. يوم 11 فبراير 1960 عُثر على الخمسة الذين توقفوا معاً: هاتون وتونر وهايز ولاموت وآدامز، ومعهم يوميات تونر في جيبه.

بعد ذلك نظّمت القوات الأمريكية «عملية كلايماكس» في مايو 1960، واستخدمت فيها طائرة نقل C-130 ومروحيتين لتمشيط المسار الذي يُرجَّح أن الثلاثة الباقين ساروا فيه. عثر فريق من BP على رفات شيلي يوم 12 مايو 1960، وعثرت مروحية للجيش الأمريكي على رفات ريبسلينغر يوم 17 مايو 1960.

وفي أغسطس 1960 عثر فريق من BP أيضاً على رفات القاذف جون ووراكا، بعيداً عن رفاقه، في المكان الذي يُرجَّح أنه سقط فيه. أما مور فما زال اسمه بلا قبر معروف. ومع أن 83 عاماً مرّت على تلك الليلة، يبقى احتمال أن تكشف الرمال المتحركة يوماً ما بقي منه قائماً، كما كشفت الطائرة نفسها بعد 16 عاماً.

ماذا حدث للحطام بعد نقله إلى قاعدة ليبية عام 1994؟

في أغسطس 1994 نقل فريق بقيادة الدكتور فاضل علي محمد الحطام من الصحراء إلى قاعدة عسكرية ليبية في طبرق، وهو محفوظ الآن في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية. قبل ذلك بقيت الطائرة في موقعها عقوداً، وانتُزعت منها قطع كثيرة.

استُخدم بعض هذه القطع في طائرات أخرى، فتعرّض عدد منها لمشكلات لافتة: طائرة C-54 اضطرت إلى إلقاء حمولتها لتتمكن من الهبوط، وطائرة C-47 سقطت في البحر المتوسط، وطائرة DHC-3 أوتر كان فيها مسند ذراع من «ليدي بي جود» سقطت في خليج سرت. ومن هنا انتشرت حكايات عن قطع «مشؤومة». والقراءة الأقرب للمنطق أن الأمر مصادفات تجمعت حول قصة شهيرة، لا دليل على أي صلة سببية.

وتوزعت أجزاء أخرى بين متاحف وأماكن تذكارية في الولايات المتحدة. يعرض المتحف الوطني للقوات الجوية الأمريكية، في جناح الحرب العالمية الثانية، إحدى مراوح الطائرة الأربع ومحركاً منها، وعجلة الأنف وإطارها، إلى جانب نافذة الزجاج الملوّن التي كانت في كنيسة قاعدة ويلس الجوية في ليبيا. وتُحفظ المتعلقات الشخصية للطاقم في متحف التموين التابع للجيش الأمريكي في قاعدة فورت غريغ-آدامز بولاية فرجينيا، بينما توجد إحدى المراوح في بلدة ليك ليندن بولاية ميشيغان، مسقط رأس الرقيب روبرت لاموت.

أجزاء من حطام الطائرة ليدي بي جود بعد نقلها إلى قاعدة عسكرية ليبية
بقايا حطام «ليدي بي جود» بعد نقلها من الصحراء إلى قاعدة ليبية

أهم النقاط

  • «ليدي بي جود» قاذفة B-24D برقم 41-24301 من السرب 514، أقلعت من سولوخ قرب بنغازي يوم 4 أبريل 1943 لضرب نابولي، وكانت الوحيدة من 25 قاذفة التي لم تعد.
  • خطأ الملاحة جاء من جهاز تحديد اتجاه في القاعدة لا يفرّق بين الأمام والخلف، فتجاوزت الطائرة قاعدتها وطارت نحو ساعتين جنوباً.
  • قفز الطاقم نحو الثانية فجراً، وهبطت الطائرة وحدها على بطنها في بحر رمال كلانشو على بعد نحو 710 كم جنوب شرق سولوخ.
  • سار ثمانية ناجين نحو 137 كم في خمسة أيام بنصف مطّارة ماء، وقطع ريبسلينغر وحده أكثر من 100 ميل.
  • آخر ما كتبه تونر يوم 12 أبريل 1943: «لا نجدة حتى الآن، ليلة شديدة البرودة».
  • وصل منقّبو النفط إلى الحطام يوم 27 فبراير 1959، وعُثر على رفات ثمانية من الطاقم عام 1960؛ أما فيرنون مور فما زال مفقوداً.
  • الحطام محفوظ اليوم في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية بعد نقله إلى طبرق في أغسطس 1994.

أسئلة شائعة

لماذا لم يعثر البحث على طاقم «ليدي بي جود» عام 1943؟

بحثت الفرق قرب القاعدة وعلى خط العودة المتوقع فوق البحر، ولم تجد شيئاً، فافترضت القوات الأمريكية أن الطائرة سقطت في المتوسط. ولم يخطر لأحد أنها تجاوزت القاعدة ووصلت إلى عمق الصحراء على بعد مئات الكيلومترات جنوباً.

هل كان الطاقم سينجو لو بقي قرب الطائرة؟

لا يمكن الجزم بذلك، لكن الطائرة كانت سليمة إلى حد كبير وجهاز اللاسلكي فيها يعمل، وكانت ستوفر الظل وعلامة واضحة تُرى من الجو. غير أن الطاقم لم يعرف أين هبطت بعد القفز، لأنها طارت نحو 26 كم بعد مغادرتهم.

من هو الفرد الذي لم يُعثر على رفاته من طاقم ليدي بي جود؟

هو الرقيب فيرنون مور، أحد الثلاثة الذين واصلوا السير بحثاً عن نجدة. لم يُعثر على رفاته رسمياً حتى اليوم، بينما عُثر على رفات زملائه الثمانية عام 1960.

أين يمكن رؤية قطع من طائرة ليدي بي جود اليوم؟

يعرض المتحف الوطني للقوات الجوية الأمريكية في ولاية أوهايو مروحة ومحركاً وعجلة الأنف ونافذة زجاج ملوّن من كنيسة قاعدة ويلس. أما الحطام الرئيسي فمحفوظ في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية في ليبيا، وفي ليك ليندن بولاية ميشيغان توجد مروحة أخرى.

هل صحيح أن قطع الطائرة جلبت سوء الحظ لطائرات أخرى؟

تعرّضت عدة طائرات استخدمت قطعاً منها لحوادث، منها طائرة C-47 سقطت في المتوسط وطائرة أوتر سقطت في خليج سرت. لكن لا يوجد ما يثبت علاقة سببية، والأقرب أنها مصادفات صنعت أسطورة حول قصة مشهورة.

كم استمرت يوميات مساعد الطيار روبرت تونر؟

تغطي اليوميات ثمانية أيام بعد القفز بالمظلات، وآخر تدوينة فيها مؤرخة بيوم 12 أبريل 1943. وقد وُجدت في جيب تونر عند العثور على رفاته يوم 11 فبراير 1960.

الخلاصة

ما يبقى من قصة «ليدي بي جود» درس عملي في الملاحة والنجاة أكثر منه لغزاً. قراءة خاطئة لجهاز لا يفرّق بين الأمام والخلف كانت كافية لترسل طائرة كاملة 710 كيلومترات في الاتجاه الخطأ، وافتراض خاطئ ثانٍ، هو أن البحر قريب، دفع ثمانية رجال إلى السير بعيداً عن الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يُرى من الجو. لهذا تعلّم دورات النجاة الحديثة قاعدة صارت بديهية: ابقَ قرب المركبة ما لم تكن متأكداً من وجهتك. أما القصة نفسها فلم تُغلق بعد؛ فرفات فيرنون مور ما زال في مكان ما من بحر رمال كلانشو، وحطام الطائرة في قاعدة جمال عبد الناصر الجوية يبقى أوضح شاهد باقٍ في ليبيا على حرب جوية مرّت فوق صحرائها قبل 83 عاماً.