مخترع قلم الرصاص الحديث هو الفرنسي نيكولا جاك كونتي. في يناير 1795 سجّل براءة اختراع لطريقة تخلط الجرافيت بالطين ثم تحرق الخليط. بعد ذلك بثلاث سنوات جاء إلى مصر مع حملة نابليون بونابرت، وأدار في القاهرة تسع ورش داخل قصور مملوكية تحوّلت إلى مقر للمجمع العلمي المصري. من هذه الورش خرج الخبز والقماش والسيوف وأدوات الجراحة والبارود، وكلها صُنعت من الصفر بعدما غرقت معدات الحملة.

قلم الرصاص الذي تبري سنّه اليوم يُصنع بالطريقة نفسها تقريباً، والرجل الذي ابتكرها عاش سنوات من عمره في القاهرة. هناك رسم الخبازين والطحانين والحرفيين في ورشهم، وأطلق منطاداً في ميدان الأزبكية. وحين عاد إلى باريس اخترع آلة نقش ساعدت في إخراج «وصف مصر»، أضخم عمل مطبوع عن البلاد في القرن التاسع عشر.

كان كونتي أعور، فقد فقَدَ عينه اليسرى في انفجار قارورة أثناء تجارب المناطيد، ومع ذلك وصفه الكيميائي برتوليه بأنه «روح المستعمرة». فكيف وصل مهندس من ريف نورماندي إلى هذا الموقع؟

من هو نيكولا جاك كونتي؟

نيكولا جاك كونتي مخترع ورسام ومهندس فرنسي، وُلد يوم 4 أغسطس 1755 في سان سينيري قرب مدينة سيه بإقليم نورماندي، ومات في باريس يوم 6 ديسمبر 1805 عن خمسين عاماً. يعرفه العالم بقلم الرصاص، لكن عمله الفعلي امتد إلى المناطيد العسكرية والكيمياء والميكانيكا وفن النقش.

أهم ما ميّزه قدرته على تحويل الفكرة إلى أداة تعمل في وقت قصير. وفي سنوات الثورة الفرنسية والحروب التي تلتها، كانت فرنسا تحتاج إلى هذه القدرة بالذات، فهي دولة محاصرة تنقصها مواد كثيرة وعليها أن تصنع بدائلها بنفسها.

دفع كونتي ثمن هذا العمل من جسده. انفجرت قارورة أثناء تجاربه على ملء المناطيد العسكرية بالهيدروجين فأفقدته عينه اليسرى. لم تُبعده الإصابة عن العمل، ففي سنة 1796 عيّنته حكومة الإدارة الفرنسية قائداً لكل منشآت المناطيد في البلاد.

دُفن في مقبرة مونبارناس بباريس. وفي سنة 1852 أقيم له تمثال برونزي في مدينة سيه موّله الأهالي بتبرعاتهم. ويوم الأحد 6 ديسمبر 2026 تمر 221 سنة على وفاته.

كيف اخترع كونتي قلم الرصاص الحديث؟

اخترع كونتي قلم الرصاص الحديث حين خلط جرافيتاً عادياً بالطين وأحرق الخليط في حرارة عالية، ثم وضع السن بين نصفين من الخشب. الطريقة أنقذت فرنسا من الاعتماد على الجرافيت الإنجليزي، وما زالت المصانع تعتمد عليها حتى اليوم.

بدأت القصة بأزمة. كانت فرنسا تستورد الجرافيت من مناجم كمبرلاند في إنجلترا، وهو جرافيت نقي يصلح للكتابة كما يخرج من الأرض. وعندما اندلعت الحرب فرضت السفن الإنجليزية حصاراً على الموانئ الفرنسية، فتوقفت الإمدادات واختفت أقلام الرصاص من السوق. ولم تكن المشكلة مقتصرة على تلاميذ المدارس، فالمهندسون العسكريون ورسامو الخرائط والإداريون كانوا يحتاجون الأقلام كل يوم.

تذكر المصادر أن لازار كارنو، المسؤول عن الشؤون العسكرية في فرنسا الثورية، هو من كلّف كونتي بابتكار قلم لا يحتاج إلى الجرافيت المستورد. ولم يبحث كونتي عن جرافيت نقي بديل، وإنما استخدم الجرافيت الرديء المتاح وطحنه وخلطه بالطين ثم أحرق الخليط. والأهم أنه اكتشف أن تغيير نسبة الجرافيت إلى الطين ودرجة حرارة الحرق يتحكم في طراوة السن. كلما زاد الطين صار السن أصلب وخطه أفتح، وكلما زاد الجرافيت صار أطرى وخطه أغمق. ومن هذا المبدأ جاءت درجات الأقلام التي نعرفها اليوم.

في يناير 1795 قدّم كونتي طلب براءة اختراع باسم «الأقلام الصناعية». كانت البراءة رقم 77 في فرنسا منذ صدور أول قانون لبراءات الاختراع سنة 1791. وبعد وفاته أسس ابنه وزوج ابنته شركة «كونتي-أومبلو وشركاه»، وظلت العلامة تحمل اسمه إلى أن اشترتها مجموعة «بيك» سنة 1979.

مراحل صناعة قلم الرصاص من خلط الجرافيت بالطين وتركيب السن في الخشب
خلط الجرافيت بالطين وحرقه: الطريقة التي ابتكرها كونتي لصناعة قلم الرصاص

لماذا جاء كونتي إلى مصر مع حملة نابليون؟

جاء كونتي إلى مصر سنة 1798 بصفته قائد لواء سلاح المناطيد في جيش الشرق، وكان واحداً من العلماء والمهندسين الذين اصطحبهم نابليون لدراسة البلاد وخدمة الحملة. والمهمة التي كُلّف بها في البداية عسكرية بحتة، وهي تشغيل مناطيد الاستطلاع.

وظهرت فائدته منذ الأيام الأولى. في الإسكندرية بنى خلال يومين أفراناً لتسخين قذائف المدافع حتى الاحمرار، وهي تقنية تجعل القذيفة قادرة على إشعال السفن الخشبية التي تصيبها. والمهندس الذي يبني فرناً عسكرياً في يومين داخل مدينة لا يعرفها كان بالضبط ما يحتاجه جيش بعيد عن قواعده.

لكن الدور الذي حفظ اسمه في تاريخ الحملة لم يكن مخططاً له. فقد وقعت كارثتان متتاليتان في البحر غيّرتا وظيفته كلياً، وحوّلتا قائد المناطيد إلى مدير لما يشبه منطقة صناعية كاملة في القاهرة.

ماذا حدث للسفينة «باتريوت» ولماذا كانت مهمة؟

جنحت سفينة النقل «باتريوت» يوم 4 يوليو 1798 قرب الإسكندرية وهي تبحث عن ممر إلى الميناء القديم، فغرقت ومعها شحنة ثمينة من الأدوات العلمية والأجهزة والأسلحة. ومن بين ما فُقد مولدات الهيدروجين اللازمة لمناطيد الاستطلاع، أي أدوات عمل كونتي نفسه.

كان طول السفينة نحو 50 متراً وحمولتها 580 طناً. وبعد غرقها بثمانية وعشرين يوماً دمّر الأسطول البريطاني الأسطول الفرنسي في معركة أبي قير البحرية، فانقطع الجيش الفرنسي في مصر عن فرنسا تقريباً. ثم جاءت ثورة القاهرة، ومع هذه الأحداث مجتمعة ضاع معظم ما جلبه الفرنسيون من أدوات وذخائر.

ظل الحطام في قاع خليج الإسكندرية قرابة قرنين، إلى أن حُدّد مكانه في مايو 1986. وفي ديسمبر من العام نفسه أهدى الرئيس حسني مبارك الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران مدفعاً انتُشل منه من طراز كاروناد عيار 18 رطلاً.

وجد الجيش نفسه إذن في بلد غريب بلا قطع غيار ولا أدوات ولا طريق للإمداد. وهنا بدأ الدور الحقيقي لكونتي.

ماذا صنع كونتي في ورش القاهرة؟

أدار كونتي تسع ورش داخل مباني المجمع العلمي المصري في القاهرة، وصنعت هذه الورش تقريباً كل ما احتاجه الجيش والعلماء. شملت القائمة طواحين الهواء وأدوات المساحة والساعات وقطع المطبعة والسيوف والبارود وأدوات الجراحة، ووصلت إلى أختام سكّ العملة.

أما المكان فكان من قصور المماليك. نظّم نابليون المجمع العلمي المصري رسمياً بين 20 و22 أغسطس 1798، واتخذ مقره قصر حسن كاشف الواسع وحديقة قاسم بك على أطراف القاهرة. فالقاعات التي سكنها أمراء المماليك قبل أسابيع امتلأت بالأفران والمخارط وطاولات الرسم.

والقائمة طويلة فعلاً. صنعت الورش آلات لدار سكّ العملة، ومطبعة بالحروف الشرقية، والبارود، وكان فيها مسابك للمدافع والصلب، وأنتجت الكرتون والقماش المشمّع. وحسّن كونتي صناعة الخبز، وصنع للجيش سيوفاً وطبولاً وأبواقاً، إلى جانب أدوات رياضية ونظارات معظّمة وعدسات، وصنع أيضاً أقلام رصاص. واحتاجت المستشفيات أدوات للجراحين فصنعها، ثم وضع خطة لإنتاج قماش يكفي الجيش كله والأهالي، لأن الحصار البحري أوقف وصول الأقمشة.

وفي الأول من ديسمبر 1798 أطلق كونتي أول منطاد في القاهرة، لكنه اشتعل. فهم المصريون العرض على أنه آلة حرب، ويُروى أن مئة ألف شخص شاهدوا إطلاق منطاد ثانٍ أكبر في ميدان الأزبكية. ولم يكن غريباً بعد كل ذلك أن يصفه برتوليه بأنه «روح المستعمرة».

ورشة داخل قصر مملوكي بالقاهرة أيام الحملة الفرنسية لصناعة الأدوات والسلاح
قصور المماليك في القاهرة تحولت إلى ورش يديرها كونتي لخدمة الحملة · الصورة: Mohamed Ouda — ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 3.0)

كيف رسم كونتي الحرف المصرية وصنع آلة النقش لـ«وصف مصر»؟

درس كونتي ورش الحرفيين المصريين وآلاتهم، فرسم بنفسه الحرف وأدواتها وقدّم ملاحظاته إلى المجمع العلمي، ثم نُقشت رسومه ونُشرت ضمن أعمال اللجنة العلمية. وبعد عودته إلى فرنسا اخترع آلة نقش تخدم اللوحات الضخمة في «وصف مصر»، فاختصرت جزءاً كبيراً من العمل.

يبدو اهتمامه بالحرف المحلية منطقياً. فرجل يدير ورشاً عليها أن تعمل بالمواد المتاحة في مصر يحتاج إلى أن يعرف كيف يطحن المصريون الحبوب ويخبزون وينفخون الزجاج ويغزلون، وما الأدوات التي يستخدمونها. وصارت هذه الرسوم سجلاً بصرياً لورش الخبازين والطحانين ونافخي الزجاج وغيرهم من الحرفيين في القاهرة أواخر القرن الثامن عشر، وهي اليوم من أوضح المصادر لمن يريد أن يعرف كيف كان العمل اليدوي يجري في المدينة.

وحين رجع إلى فرنسا كلّفه الوزير جان أنطوان شابتال بالإشراف على نشر «وصف مصر». وكانت المهمة هائلة: ضمت الطبعة الأولى 894 لوحة أُنجزت من أكثر من 3000 رسمة، منها 38 لوحة ملوّنة باليد، وشارك في العمل نحو 400 نقّاش. ووصل مقاس المجلدات العملاقة المعروفة باسم «ماموث» إلى متر في 81 سنتيمتراً.

أكثر ما يستهلك وقت النقّاش في لوحات بهذا الحجم هو المساحات الواسعة المتجانسة، كالسماء والخلفيات، لأن تظليلها بخطوط متوازية دقيقة يدوياً يستغرق أسابيع. وهذا ما حلّته آلة كونتي، إذ نقشت الخلفيات والسماء والمساحات الكبيرة بسهولة وسرعة، ثم استخدمها فنانون آخرون في ورشهم. لم يعش كونتي ليرى العمل كاملاً، فقد صدرت الطبعة الأولى على دفعات من 1809 إلى 1828 في 9 مجلدات نصوص و11 مجلد لوحات بالمقاس الكبير «جران موند»، وأمر الملك لويس الثامن عشر بطبعة ثانية يوم 23 يونيو 1820.

لوحة محفورة من كتاب وصف مصر تصور الحرف المصرية التي رسمها كونتي
لوحات الحرف المصرية في «وصف مصر» ساعدت آلة كونتي في نقشها · الصورة: Panckoucke, C. L. F. (Charles Louis Fleury), 1780-1844 France. Commission des sc — ويكيميديا كومنز (Public domain)

أهم النقاط

  • نيكولا جاك كونتي (1755-1805) هو مخترع قلم الرصاص الحديث، وسجّل براءة «الأقلام الصناعية» في يناير 1795 برقم 77.
  • الحصار الإنجليزي قطع جرافيت كمبرلاند عن فرنسا، فاعتمد كونتي على الجرافيت الرديء بعد خلطه بالطين وحرقه.
  • نسبة الطين إلى الجرافيت ودرجة الحرارة تحددان صلابة السن، وهذا أصل درجات الأقلام الحالية.
  • غرقت «باتريوت» يوم 4 يوليو 1798، أي قبل معركة أبي قير بـ28 يوماً.
  • تسع ورش في مقر المجمع العلمي المصري بقصر حسن كاشف صنعت الخبز والسيوف والبارود وأدوات الجراحة وآلات سكّ العملة.
  • شاهد نحو مئة ألف شخص منطاده في الأزبكية، بحسب الروايات.
  • رسم الحرف المصرية بنفسه، ثم اخترع آلة نقش سرّعت إنجاز لوحات «وصف مصر» البالغة 894 لوحة.

أسئلة شائعة

هل قلم الرصاص يحتوي على رصاص فعلاً؟

لا. سن القلم مصنوع من خليط الجرافيت والطين وفق طريقة كونتي، ولا رصاص فيه. أما الاسم فبقي من زمن قديم كان الناس يظنون فيه أن الجرافيت نوع من الرصاص.

ماذا تعني درجات أقلام الرصاص مثل الصلب والطري؟

تعبّر الدرجة عن نسبة الطين إلى الجرافيت في السن، وهو المبدأ الذي وضعه كونتي. زيادة الطين تعطي سناً أصلب وخطاً أفتح، وزيادة الجرافيت تعطي سناً أطرى وخطاً أغمق.

هل ما زالت شركة كونتي موجودة؟

نعم، ما زالت العلامة التجارية موجودة. فبعد وفاته أسس ابنه وزوج ابنته شركة «كونتي-أومبلو وشركاه»، ثم اشترت مجموعة «بيك» العلامة سنة 1979.

أين كان مقر المجمع العلمي المصري أيام الحملة الفرنسية؟

كان مقره قصر حسن كاشف وحديقة قاسم بك على أطراف القاهرة، ونظّمه نابليون رسمياً بين 20 و22 أغسطس 1798. وفي مبانيه عملت ورش كونتي التسع.

أين دُفن نيكولا كونتي؟

دُفن في مقبرة مونبارناس بباريس بعد وفاته يوم 6 ديسمبر 1805. وفي مدينة سيه القريبة من مسقط رأسه تمثال برونزي له أقيم سنة 1852 بتبرعات الأهالي.

هل انتُشل شيء من حطام السفينة «باتريوت»؟

نعم. حُدّد مكان الحطام في خليج الإسكندرية في مايو 1986، وفي ديسمبر من العام نفسه أهدى الرئيس حسني مبارك الرئيس فرانسوا ميتران مدفعاً انتُشل منه.

الخلاصة

نجح كونتي في القاهرة لأنه كان يعرف كيف يعمل بالمواد المتاحة أمامه، لا لأنه امتلك أدوات أفضل من غيره. فقد صنع قلمه من جرافيت رديء حين انقطع الجرافيت الجيد، وصنع للجيش ما يحتاجه من خامات مصرية بعدما غرقت المعدات، وحين واجه آلاف اللوحات صنع آلة تختصر العمل. ولمن يريد أن يتتبع أثره اليوم، فأقرب مدخل هو لوحات «الحالة الحديثة» في «وصف مصر»، وكثير منها متاح رقمياً في مكتبات عامة، وفيها ورش الحرفيين كما رآها هو. ومن يعيش في الإسكندرية يستطيع أن يقف عند الخليج الذي غرقت فيه «باتريوت» في 4 يوليو 1798، فمن ذلك الغرق بدأ عمل كونتي في ورش القاهرة. وتمر يوم الأحد 6 ديسمبر 2026 الذكرى الحادية والعشرون بعد المئتين لوفاته، وهي مناسبة لتذكّر صاحب الطريقة التي ما زال قلم الرصاص يُصنع بها.