وقعت مذبحة القلعة يوم الأول من مارس 1811 في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، بحسب ما تؤرخها معظم المصادر. دعا والي مصر محمد علي باشا زعماء المماليك إلى حفل رسمي، ثم أغلق عليهم باب العزب في ممر صخري ضيق، وأطلق عليهم جنوده الألبان الرصاص من فوق الأسوار ومن خلف الصخور. انتهت في ذلك الصباح القوة السياسية لطبقة حكمت مصر قروناً.
تمر هذا العام 215 سنة على الحادثة، وما زالت أول ما يخطر في البال كلما بحث أحد عن «جرائم محمد علي باشا». الرجل الذي يوصف بأنه مؤسس مصر الحديثة بدأ انفراده بالحكم بكمين دموي محكم. لم يأتِ الكمين فجأة. سبقته ست سنوات من التحالفات المؤقتة والخيانات المتبادلة والمعارك التي لم تُحسم، وبعده جاءت أيام من النهب في شوارع القاهرة، وروايات متضاربة عن الناجي الوحيد، وتحول كامل في طريقة إدارة البلاد.
من هم المماليك ولماذا كانوا خطراً على محمد علي؟
كان المماليك المنافس الوحيد القادر على انتزاع الحكم من محمد علي. حكموا مصر أكثر من 600 عام، وامتد نفوذهم إلى الصعيد، وكانت لهم أرض وأتباع وجنود وشبكة علاقات مع الأعيان.
لم يُنهِ الفتح العثماني سنة 1517 وجودهم. أرسلت إسطنبول ولاة إلى القاهرة، لكن نخبة المماليك بقيت تدير البلاد فعلياً تحت سلطة هؤلاء الولاة، ثم استعادت قوتها في أواخر القرن الثامن عشر حتى صار الوالي العثماني في أحيان كثيرة واجهة لا أكثر. معنى ذلك أن أي والٍ جديد يدخل القاهرة يجد أمامه طبقة متجذرة تملك موارد الأرض والقدرة على حمل السلاح.
وصل محمد علي إلى الولاية سنة 1805 بطريقة غير معتادة: طالب أعيان القاهرة بقيادة العلماء بعزل الوالي خورشيد باشا وتعيينه مكانه، فرضخ العثمانيون. حكم بتفويض شعبي لكن بلا جذور قديمة في البلد، وبجيش أغلبه من الألبان. وضع المماليك في الصعيد وأطراف القاهرة كان يعني أن حكمه مهدد ما بقوا. لذلك بنى خطته على مرحلتين: القضاء على القيادات أولاً، ثم ملاحقة الأتباع.
ماذا حدث بين محمد علي والمماليك قبل 1811؟
سبقت المذبحةَ الكبرى ست سنوات من الصراع، تخللتها مذبحة أصغر سنة 1806 وتحالف مؤقت سنة 1807. ولم تكن العلاقة عداءً مستمراً، بل تقارباً وتباعداً بحسب الحاجة.
تروي جريدة «الجريدة» أن مماليك حوصروا سنة 1806 في بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي، فقُتل منهم خمسون، وقُطعت رؤوس الباقين وحُشيت بالتبن وأُرسلت إلى إسطنبول. كانت هذه الواقعة بروفة مبكرة لأسلوب سيتكرر: استدراج إلى مكان مغلق ثم قتل جماعي، مع رسالة إلى السلطان بأن الوالي يمسك بزمام الأمور.
في العام التالي تغيّر الموقف. احتل جيش بريطاني الإسكندرية سنة 1807، فتحالف محمد علي مؤقتاً مع قوات من المماليك وهزم البريطانيين في رشيد في أبريل. لكن التحالف انهار بعد زوال الخطر الخارجي، وعادت العلاقة إلى التدهور. وفي أغسطس 1810 دارت معارك بين المماليك والقوات العثمانية والألبانية انتهت بلا حسم. هنا قرر محمد علي أن السلاح وحده لن يكفي، فلجأ إلى الحيلة ودعا من بقي من المماليك إلى المصالحة.
لماذا اختار محمد علي مارس 1811 لتنفيذ خطته؟
التوقيت فرضته حملة الحجاز. طلب السلطان محمود الثاني من محمد علي أن يرسل ابنه أحمد طوسون لقمع الحركة الوهابية، وخشي الوالي أن يخرج الجيش فتبقى القاهرة بلا جنود والمماليك على أبوابها.
الحساب كان واضحاً. حملة كبيرة ستغيب شهوراً، وخصم قوي يتربص في الداخل، فإما أن يتخلص منه قبل خروج الجيش وإما أن يغامر بعرشه. ومن هنا جاءت الذريعة: حفل رسمي في القلعة بمناسبة تقليد طوسون خلعة قيادة الجيش المتجه إلى الحجاز لمواجهة حركة محمد بن عبد الوهاب.
كان الحفل مناسبة يصعب على المماليك رفضها. الدعوة جاءت في سياق المصالحة المعلنة، والاحتفال رسمي يحضره كبار الدولة، والغياب عنه قد يُقرأ عداءً صريحاً. لذلك حضروا بأفخر ملابسهم وعلى خيولهم، كما يليق بأمراء في موكب رسمي، لا كما يستعد مقاتل لمعركة.
كيف نُفذت الخطة داخل القلعة؟
نُفذت الخطة في موكب الخروج، لا أثناء الحفل نفسه. رُتّب الموكب بحيث يصبح المماليك وحدهم في الممر الصخري المؤدي إلى باب العزب، ثم أُغلق الباب أمامهم.
بعد انتهاء الحفل سار الموكب نحو باب العزب بترتيب محدد: الانكشارية في المقدمة، ثم المماليك، ثم الألبان، ثم فرقة من المشاة. ولما خرج آخر جندي انكشاري أُغلق الباب، فوجد المماليك أنفسهم محصورين في منحدر ضيق تحيط به الصخور والأسوار، والباب مغلق أمامهم، والجنود من خلفهم.
تولى قيادة الكمين صالح أغا قوش، ويُكتب اسمه أيضاً آق قوش. وزّع المشاة الألبان خلف الصخور وعلى الأسوار، ومع دويّ المدفع، وهو إشارة البدء، انهال الرصاص على المماليك من كل جانب. الخيول في ممر ضيق لا تستطيع المناورة، والفرسان بملابس الاحتفال لا يجدون غطاءً، ومن يحاول التراجع يصطدم بالجنود.
سقط معظم المماليك بالرصاص، ومن نجا منه ذبحه الجنود. ينقل المؤرخ عبد الرحمن الرافعي أن بعضهم لجأ إلى طوسون يطلب الأمان، فوقف بلا حراك فقتلهم الجنود. ومن أبرز القتلى شاهين بك، ويُكتب أيضاً جاهين، الذي سقط أمام قصر صلاح الدين، وسليمان بك البواب الذي بلغ باب السراي مستجيراً بالحريم فقُطع رأسه.
كم عدد المماليك الذين قُتلوا وماذا حدث في القاهرة بعدها؟
لا يوجد رقم متفق عليه لعدد قتلى القلعة نفسها. تتراوح تقديرات المؤرخين بين بضع عشرات وعدة مئات، والخلاف يبدأ أصلاً من عدد الحاضرين. أما ما جرى في المدينة بعد ذلك فأوضح: ثلاثة أيام من الفوضى قُتل فيها نحو ألف مملوك ونُهب نحو 500 بيت.
سبب التفاوت أن المصادر لا تتفق على من دخل القلعة ذلك اليوم: هل هم الأمراء وأتباعهم المباشرون فقط، أم موكب أوسع يضم الخدم وكبار القوم؟ وبعض المراجع الغربية ترى أن عدد من حضروا كان صغيراً نسبياً، وأن الأعداد الأكبر قُتلت في الأسابيع التالية. وتبقى الصورة العامة ثابتة: قُتلت قيادات المماليك في القلعة، ولحقها قتل أوسع خارجها.
خرج الجنود من القلعة إلى شوارع القاهرة يطاردون من بقي من المماليك ويقتحمون البيوت، واختلط الانتقام بالنهب. لم تتوقف الفوضى حتى نزل محمد علي بنفسه إلى الشوارع وأعاد الانضباط إلى جنوده. يذكر سعيد الشحات في «اليوم السابع» أن الوالي نزل يوم 3 مارس 1811 والنهب لا يزال مستمراً.
ويروي الجبرتي واقعة صغيرة تكشف حدود الأمان في تلك الأيام: احتمى اثنان من الكُشّاف المماليك بشيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي، فأعطى محمد علي كلمته بالعفو عنهما، لكنهما أُخذا إلى القلعة وضُمّا إلى الأسرى المحكوم عليهم بالقتل. حتى وساطة شيخ الأزهر لم تكن ضماناً.
هل نجا أحد من مذبحة القلعة؟
تتفق الروايات على أن مملوكاً اسمه أمين بك نجا، لكنها تختلف في كيفية نجاته. الرواية الشعبية تقول إنه قفز بحصانه من سور القلعة، ورواية أخرى تقول إنه لم يدخل القلعة أصلاً.
في الرواية الشائعة كان أمين بك الناجي الوحيد. قفز بحصانه من فوق السور، فمات الحصان ونجا الفارس، وما زال المكان يُعرف حتى اليوم بـ«محل وثبة المملوك». القصة انتشرت لأنها تناسب الحكاية: فارس واحد يتحدى الموت في مشهد سينمائي وسط الدماء.
المؤرخ إلياس الأيوبي ينقل رواية أقل إثارة. تأخر أمين بك ذلك الصباح بسبب مهمة، فوصل إلى باب القلعة مع بدء الموكب، ولما أُغلق الباب وسمع إطلاق النار فهم الغدر، فهرب إلى البساتين ثم إلى سوريا. ويرى الأيوبي أن قصة القفزة غير ثابتة.
ويقدم الرحالة الإنجليزي وربرتون في كتابه «The Crescent and the Cross» صيغة ثالثة: «إمين بك» فارس قفز بحصانه فوق جثث رفاقه إلى الأسوار، ثم احتمى بمسجد، وهرب في النهاية إلى صحراء الصعيد. ثلاث روايات تختلف في الطريق والوجهة، والثابت المشترك بينها أن رجلاً بهذا الاسم أفلت من الكمين. ولمن يزور القلعة اليوم نصيحة عملية: قف عند «محل وثبة المملوك» وانظر إلى الارتفاع بنفسك، ثم قرر أي الروايات أقرب إلى المعقول.
كيف غيّرت مذبحة القلعة شكل الحكم في مصر؟
أنهت المذبحة قوة المماليك فعلياً، وصار محمد علي حاكماً لا ينازعه أحد. وبعدها بدأ في بناء دولة مركزية تتحكم في الأرض والضرائب والإدارة من القاهرة مباشرة.
لم تتوقف الملاحقة عند أسوار القلعة. أمر محمد علي نوابه في الأقاليم بجمع بقية المماليك وأسرهم، وصودرت أراضيهم. فرّ بعض الناجين جنوباً وأقاموا كياناً صغيراً في السودان الحالي، فاتخذ محمد علي وجودهم ذريعة لغزو السودان عام 1820. وهكذا صار هروب المماليك مبرراً لتوسع جديد.
في الداخل كانت التغييرات أعمق. أمّم محمد علي أراضي الالتزام فصارت الدولة تتحكم في كل إنتاج الأرض، وفرض الضرائب على الأوقاف، وقسّم مصر إلى عشر مديريات، وجمع السلطة المركزية في يده، ووضع أبناءه في أهم المناصب. كانت هذه الإجراءات مستحيلة لو بقيت طبقة المماليك تملك الأرض وتجمع خراجها.
وفي إسطنبول وصلت الرسالة. هنّأ السلطان محمود الثاني الوالي على ما فعل، ثم قلّده لاحقاً حين قضى على الانكشارية عام 1826. وبعد ثماني سنوات من المذبحة، في 1819، رسم الفنان الفرنسي هوراس فيرنيه لوحة «مذبحة المماليك» وعرضها في صالون باريس، وفيها محمد علي يدخّن النرجيلة بهدوء والقتل يجري أمامه. هذه الصورة هي التي رسخت في الذاكرة الأوروبية، وما زالت اللوحة معروضة في متحف بيكاردي بمدينة أميان.
أهم النقاط
- تؤرخ معظم المصادر مذبحة القلعة بيوم الأول من مارس 1811، ومكانها قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة.
- الدافع المباشر حملة الحجاز بقيادة أحمد طوسون: لم يرد محمد علي أن يخرج جيشه ويترك القاهرة للمماليك.
- الذريعة حفل تقليد طوسون خلعة القيادة، والفخ هو الممر الصخري عند باب العزب بعد إغلاقه.
- قاد الكمين صالح أغا قوش، وكان دويّ المدفع إشارة إطلاق النار.
- عدد قتلى القلعة غير محسوم بين المؤرخين، لكن أيام النهب الثلاثة التي تلت المذبحة شهدت مقتل نحو ألف مملوك ونهب نحو 500 بيت.
- قصة قفزة أمين بك بحصانه رواية شعبية، وينقل المؤرخ إلياس الأيوبي رواية أخرى تقول إنه لم يدخل القلعة أصلاً.
- بعد المذبحة تحكمت الدولة في الأرض: تأميم الالتزام، وضرائب على الأوقاف، وتقسيم مصر إلى عشر مديريات، وغزو السودان عام 1820.
أسئلة شائعة
أين يقع «محل وثبة المملوك» في قلعة صلاح الدين؟
هو موضع على سور قلعة صلاح الدين بالقاهرة تنسب إليه الرواية الشعبية قفزة أمين بك بحصانه. ما زال المكان معروفاً بهذا الاسم ويزوره السياح، مع أن بعض المؤرخين يشككون في صحة القفزة نفسها.
من قاد الجنود الذين نفذوا مذبحة القلعة؟
تولى قيادة الكمين صالح أغا قوش، ويُكتب اسمه أيضاً آق قوش. وزّع المشاة الألبان خلف الصخور وعلى الأسوار، وبدأ إطلاق النار مع دويّ المدفع.
ما موقف الدولة العثمانية من مذبحة المماليك؟
هنّأ السلطان محمود الثاني محمد علي على التخلص من المماليك. ثم سار على النهج نفسه عام 1826 حين قضى على الانكشارية في إسطنبول.
ما هي لوحة «مذبحة المماليك» لهوراس فيرنيه؟
رسمها الفنان الفرنسي هوراس فيرنيه عام 1819 وعرضها في صالون باريس. تصوّر محمد علي يدخّن النرجيلة بهدوء أثناء القتل، وهي محفوظة اليوم في متحف بيكاردي بمدينة أميان الفرنسية.
هل انتهى المماليك تماماً بعد مذبحة القلعة؟
انتهت قوتهم السياسية والعسكرية في مصر، لكن بعض الناجين فروا جنوباً وأقاموا كياناً صغيراً في السودان الحالي. اتخذ محمد علي وجودهم هناك ذريعة لغزو السودان عام 1820.
هل كانت مذبحة القلعة أول مذبحة للمماليك في عهد محمد علي؟
لا. ففي سنة 1806 حوصر مماليك في بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي، فقُتل منهم خمسون، وقُطعت رؤوس الباقين وأُرسلت إلى إسطنبول محشوة بالتبن.
الخلاصة
من يقرأ تاريخ محمد علي اليوم يجد صورتين: مؤسس الدولة الحديثة بمديرياتها وجيشها وزراعتها المركزية، والوالي الذي دخّن النرجيلة في لوحة فيرنيه بينما يُقتل ضيوفه. الصورتان مرتبطتان. فتأميم الأرض والتقسيم الإداري وتوزيع المناصب على أبنائه لم تكن ممكنة قبل أن تختفي الطبقة التي تملك الأرض وتنازعه الحكم، وقد أزالها في صباح واحد ثم في أيام النهب التي تلته. ولمن يريد التعمق أكثر، فالمفيد أن يقارن بين رواية الجبرتي، وهو شاهد عاصر الأحداث، وبين ما كتبه الرافعي وإلياس الأيوبي بعده، ثم أن يزور باب العزب في القلعة ليرى ضيق الممر بنفسه. سيفهم الزائر حينها لماذا نجح الكمين، ولماذا ظل الخلاف قائماً حتى الآن على عدد القتلى وعلى حكاية الناجي الوحيد.