كان سلاطين المماليك يشربون ماءً مثلجاً في عز صيف القاهرة بفضل شبكة نقل منظمة تديرها الدولة. كان الثلج يُقطع من جبال الشام ويُكبس جيداً ويُحمى من الهواء، ثم يُشحن بحراً من موانئ مثل بيروت وصيدا إلى دمياط، ومنها في النيل إلى ساحل بولاق، ومن هناك تحمله البغال السلطانية إلى مخزن الأشربة في قلعة الجبل. وبجانب البحر كانت هناك قوافل هجن برية من دمشق، يرافقها بريدي و«ثلّاج» متخصص، من يونيو حتى آخر نوفمبر.

التفاصيل كلها مكتوبة. خصّص ابن فضل الله العمري، أحد كبار موظفي ديوان الإنشاء المملوكي في القرن الرابع عشر، باباً كاملاً في كتابه «التعريف بالمصطلح الشريف» سمّاه «مراكز هجن الثلج ومراكبه»، ووضعه داخل القسم الخاص بمراكز البريد والحمام الزاجل. فالثلج في نظر الإدارة المملوكية كان شأناً من شؤون الدولة، يُنظَّم كما تُنظَّم رسائل السلطان.

ورجع الموضوع إلى النقاش الأكاديمي يوم الخميس 19 نوفمبر 2015، أي قبل نحو أحد عشر عاماً من اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026. في ذلك اليوم نظّم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة محاضرة بعنوان «استهلاك الثلج في الحضارة العربية الإسلامية في العصر الوسيط: الترف والتحكم في تقنيات التبريد»، ألقاها المؤرخ التونسي محمد الطاهر المنصوري، أستاذ التاريخ بمعهد الدوحة للدراسات العليا. ومن هذه المحاضرة ومن نص العمري يمكن رسم الطريق كاملاً، من قمة الجبل إلى كأس السلطان.

من أين كان يُقطع الثلج، ومن بدأ هذه العادة؟

كان الثلج يُقطع من جبال الشام، وأهمها جبل لبنان. وبحسب العمري شاركت مناطق البقاع وبعلبك في الإمداد إلزاماً، ثم دخلت طرابلس لاحقاً. والعادة نفسها أقدم من المماليك بقرون، فقد ورثوها عن سلالات سبقتهم.

يرى المنصوري أن الأمويين في الشام كانوا أول سلالة عربية جمعت الثلج من جبل لبنان ومن الجبال الواقعة شمال بلاد الرافدين، وأنهم أخذوا الولع به عن الفرس. وتذكر مجلة «أرامكو وورلد» في عدد سبتمبر/أكتوبر 1978، في مقال بول لوند «The Iceman Cameth»، أن الحجاج بن يوسف الثقفي أقام في العصر الأموي تجارة منتظمة تجلب الثلج من لبنان والقوقاز مكبوساً في الملح على الجمال، وتجمعه في مخزن مركزي بالكوفة.

واللغة تساعد على فهم السياق. يلفت المنصوري إلى أن العربية تستخدم كلمة واحدة هي «ثلج» للثلج المتساقط وللجليد معاً، ولهذا كان ما يُنقل إلى القاهرة ثلجاً جبلياً متراكماً متجمداً، لا جليداً صنعه الإنسان. ويسميه العمري «الثلج المجلد»، أي الطبقات القديمة المتماسكة التي تصمد في الطريق أكثر من الثلج الطري.

ثلوج جبل لبنان مصدر الثلج في العصر المملوكي المنقول إلى القاهرة
جبال لبنان المكسوة بالثلج، المصدر الرئيسي لثلج سلاطين المماليكرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

كيف كان الثلج يسافر من الشام إلى قلعة الجبل؟

كان الثلج يسلك طريقين: طريقاً بحرياً تحمل فيه المراكب الحمولة الكبيرة إلى دمياط ثم بولاق، وطريقاً برياً تقطعه الهجن من دمشق. والطريق البحري هو الأقدم، فقد كان الثلج بحسب العمري يُحمل في البداية بحراً فقط من الثغور الشامية مثل بيروت وصيدا.

ويصف العمري الطريق البحري هكذا: «والمراكب تأتي دمياط في البحر، ثم يخرج الثلج في النيل إلى ساحل بولاق». ومن بولاق، ميناء القاهرة النهري، تحمله البغال السلطانية صاعدة إلى القلعة، حتى يصل إلى «الشرابخاناه»، أي مخزن الأشربة السلطاني، ويُخزَّن هناك في صهريج. هذا هو الطريق الذي تختصره العبارة الشائعة: قبل الثلاجة بقرون طويلة، كانت مراكب السلطان تنقل ثلج جبال الشام إلى دمياط ثم بولاق ثم القلعة على البغال.

أما الطريق البري فكان له تنظيم مختلف. يذكر العمري أن مراكز الهجن البرية لم تكن تعمل بالهجن إلا في موسم نقل الثلج من دمشق إلى السلطان في قلعة الجبل. ونقلت مجلة «المقتبس» الدمشقية في عددها 77، في مقال «بين دمشق والقاهرة»، أن كل مركز كان فيه ستة هجن، خمسة للحمل وواحد للهجّان، وأن كل نقلة تتكون من خمسة أحمال تُسلَّم إلى «الشرابخانات الشريفة».

ويصف المنصوري هذا الطريق بأرقامه: كتل تُلف في الخيش وتُحمَّل على الجمال من دمشق إلى القاهرة، لمسافة يقدّرها بنحو 1300 كيلومتر في نحو أربعة أيام، وتُبدَّل الجمال في 16 محطة في الأردن وفلسطين. فالسرعة كانت تأتي من نظام التبديل نفسه: الحمولة تواصل السير، والحيوانات المتعبة تبقى في المحطات.

تفريغ الثلج في العصر المملوكي من مراكب النيل على ساحل بولاق
مراكب الثلج تصل ساحل بولاق قبل صعوده على البغال إلى القلعةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

كيف حُفظ الثلج من الذوبان في الطريق؟

حُفظ الثلج بثلاثة أمور: اختيار الثلج المتجمد القديم، وكبسه كبساً محكماً، وعزله عن الهواء بالخيش أو بالملح والقش. وتولّى المهمة أشخاص متخصصون يسميهم العمري «الثلّاجين».

يعرف العمري أين تكمن المشكلة. ينبّه إلى أن الثلج لا يصل وافراً إلا إذا أُخذ من «الثلج المجلد» وأُحسن كبسه وحُفظ من الهواء، لأن الهواء يُسرّع ذوبانه. وهذه ملاحظة دقيقة: الكتلة المكبوسة مساحة سطحها قليلة مقارنة بحجمها، والغلاف يقلّل حركة الهواء الدافئ حولها، فيبطؤ الذوبان.

واختلفت مواد العزل بين الطريقين. في البر كان الخيش يلف الكتل كما يقول المنصوري. وتذكر «أرامكو وورلد» أن الثلج المنقول بحراً من جبال لبنان كان مكبوساً في الملح والقش داخل سفن خاصة. والقش مادة عازلة معروفة استُخدمت قروناً في مخازن الثلج حول العالم.

والعنصر البشري لم يكن أقل أهمية. فبحسب العمري كان يرافق الثلج في الطريق البري بريدي ومعه «ثلّاج» يعرف حمل الثلج وحفظه، وكان ثلّاجون يسافرون مع المراكب لرعايته. وكان عملهم متابعة الحمولة طوال الرحلة: سدّ الثغرات في الغلاف، وإبعاد الكتل عن الشمس، وتقدير ما يمكن إنقاذه.

كم مركباً خُصص للثلج من عهد بيبرس إلى الناصر محمد بن قلاوون؟

في أيام الظاهر بيبرس كانت مراكب الثلج ثلاثة في السنة، وكتب العمري أنها كانت «لا تزيد على ذلك». وفي السلطنة الثالثة للناصر محمد بن قلاوون (1310–1341م) وصل العدد إلى أحد عشر مركباً من مملكتي الشام وطرابلس، وربما زاد.

الرقم تضاعف أكثر من ثلاث مرات في أقل من قرن. ويتفق ذلك مع ما يُعرف عن عهد الناصر محمد من استقرار نسبي وإنفاق كبير على البلاط والعمارة. لكن الارتفاع لم يستمر، فقرب نهاية الفترة التي كتب فيها العمري خُفّض العدد إلى سبعة أو ثمانية مراكب تُطلب من الشام، وصارت طرابلس تكتفي بالمساعدة.

ولم يكن البر أقل نشاطاً. حدد العمري موسم حمل الثلج «من حزيران إلى آخر تشرين الثاني»، أي من يونيو إلى نهاية نوفمبر، وعدد نقلاته البرية «إحدى وسبعون نقلة» بفواصل زمنية متقاربة، وكانت تزيد أحياناً. وإذا كانت كل نقلة خمسة أحمال كما تنقل «المقتبس»، فالحديث عن مئات الأحمال كل موسم على الطريق البري وحده، بجانب حمولات المراكب.

وكان لكل طريق وظيفته. تقول «أرامكو وورلد» إن فرق حاملي الثلج على الجمال كانت احتياطاً في حال ضاعت السفن. ويضيف العمري أن ثلج الهجن صار مخصصاً لشراب خاصة السلطان، لأنه يصل أنظف وأسلم. المراكب للكمية، والهجن لكأس السلطان نفسه.

لماذا صار الثلج رمزاً للسلطة والفخامة في القصور؟

صار الثلج رمزاً للسلطة لأن الحصول عليه في صيف مصر كان يحتاج إلى دولة كاملة: موانئ وسفن ومحطات بريد وهجن وموظفين متخصصين. ومن يقدّم شراباً مثلجاً في يوليو يُظهر لضيوفه أن هذه الشبكة كلها تعمل لصالحه.

يشرح المنصوري أن الثلج استُخدم في الطعام والشراب الفاخر دليلاً على مكانة المضيف، وبديلاً عن الخمر في مجتمع يحرّمها، فالشراب المثلج المحلّى كان يعطي متعة المائدة دون حرج ديني. واستُخدم أيضاً لتبريد البيوت بطريقة يشبّهها المنصوري بـ«تكييف الهواء» المبكر.

وللثلج معنى رمزي في الثقافة نفسها. يذكر المنصوري أن الأدب العربي ربط الثلج بالطهارة، ومن ذلك الحديث النبوي الذي فيه الدعاء بغسل الخطايا بالماء والثلج. فحين يشرب السلطان ماءً مثلجاً، يجتمع في الكأس معنى النقاء ومعنى القدرة على جلب ما لا يناسب المكان ولا الموسم.

ويدل موقع الثلج في الإدارة على هذه المكانة. فهو لم يُترك للتجار ولا لسوق القاهرة، بل وُضع في ديوان البريد، ويُسلَّم إلى الشرابخاناه، وتُلزم به أقاليم بعينها كما تُلزم بالضرائب. ويمكن القول، من باب التحليل، إن طريق الثلج كان يعرض كل صيف قدرة القاهرة على أن تطلب من الشام شيئاً فتصلها استجابة منتظمة.

أواني شراب مثلج في الشرابخاناه تجسد ترف الثلج في العصر المملوكي
الشراب المثلج في قصور المماليك، علامة على السلطة والفخامةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ماذا رأى الصليبيون في أسواق صور وعكا؟

فوجئ الصليبيون القادمون من شمال أوروبا بأن الثلج يُعرض للبيع في أسواق صور وبيروت وصيدا وعكا. هذا ما يرويه المنصوري عن الفترة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، حين كانت هذه المدن الساحلية في قلب الحروب الصليبية.

ومصدر المفاجأة واضح. كان القادمون من الشمال يعرفون الثلج شتاءً في بلادهم، لكنهم لم يتوقعوا أن يجدوه سلعة تُشترى في صيف المشرق الحار. وفهم أهل الساحل الشامي الأمر بشكل مختلف: الجبل قريب، والطلب كبير، والتجارة قائمة.

وتكشف هذه الصورة أن الثلج في الشام لم يكن ترفاً خاصاً بالقصور. يذكر المنصوري أنه مع أواخر القرن التاسع الميلادي لم يعد حكراً على النخبة، وصار مكوّناً في حلوى يبيعها التجار لحجاج بيت الله. وتذكر «أرامكو وورلد» أن تجارة الثلج خرجت لاحقاً عن احتكار السلطة، فصار يُباع رخيصاً في شوارع دمشق والقاهرة وحلب، وتكوّنت له طوائف من التجار.

والمعنى أن الثلج عاش حياتين في وقت واحد. في الأسواق كان سلعة يومية يشتريها الناس بثمن قليل، وفي القلعة كان امتيازاً لا يدخله إلا ثلج الهجن «الأنظف والأسلم». فالفرق بين السلطان والعامة لم يكن في وصول الثلج إليهما، بل في جودته ومصدره وطريقة وصوله.

أهم النقاط

  • كان الثلج يُقطع من جبال الشام، وخاصة جبل لبنان، وأُلزمت البقاع وبعلبك بالإمداد، ثم دخلت طرابلس لاحقاً.
  • الطريق البحري: بيروت أو صيدا، ثم دمياط، ثم النيل إلى بولاق، ثم البغال السلطانية إلى الشرابخاناه في قلعة الجبل.
  • عدد المراكب: ثلاثة في السنة أيام بيبرس، ثم أحد عشر في السلطنة الثالثة للناصر محمد (1310–1341م)، ثم سبعة أو ثمانية.
  • موسم النقل من يونيو إلى آخر نوفمبر، وعدد النقلات البرية 71 نقلة، وكان يزيد أحياناً.
  • الحفظ: ثلج متجمد قديم، وكبس محكم، وعزل عن الهواء بالخيش أو الملح والقش، ومعه «ثلّاج» متخصص.
  • ثلج الهجن كان لشراب خاصة السلطان لأنه يصل أنظف.
  • رأى الصليبيون الثلج يُباع في أسواق صور وبيروت وصيدا وعكا، وفوجئوا بذلك.

أسئلة شائعة

ما هي الشرابخاناه في العصر المملوكي؟

الشرابخاناه هي مخزن الأشربة السلطاني في قلعة الجبل بالقاهرة. وكان الثلج الواصل من بولاق يُخزَّن فيها داخل صهريج، ومنها كانت تُجهَّز أشربة السلطان المثلجة.

من هو الثلّاج؟

الثلّاج هو الخبير بحمل الثلج وحفظه من الذوبان. ويذكر العمري أنه كان يرافق البريدي في الطريق البري، وأن ثلّاجين كانوا يسافرون أيضاً مع المراكب لرعاية الحمولة.

هل كان الثلج متاحاً لعامة الناس أم للسلاطين فقط؟

كان متاحاً للعامة أيضاً بعد أن خرجت تجارته عن احتكار السلطة. فقد بيع رخيصاً في شوارع دمشق والقاهرة وحلب، وتكوّنت له طوائف من التجار، ودخل في حلوى تُباع للحجاج منذ أواخر القرن التاسع الميلادي.

ما المصدر التاريخي الأهم عن نقل الثلج في دولة المماليك؟

أهم مصدر هو كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» لابن فضل الله العمري. فيه باب بعنوان «مراكز هجن الثلج ومراكبه» يحدد الطرق والموسم وعدد النقلات والمراكب.

لماذا كان الثلج يُنقل بحراً وبراً معاً؟

لأن المراكب كانت تحمل الكميات الكبيرة، أما قوافل الجمال البرية فكانت احتياطاً في حال ضاعت السفن. وكان ثلج الهجن يصل أنظف، فخُصص لشراب خاصة السلطان.

من أين جاءت عادة استهلاك الثلج عند العرب؟

بحسب المؤرخ محمد الطاهر المنصوري أخذها الأمويون عن الفرس. وكانوا أول سلالة عربية تجمع الثلج من جبل لبنان والجبال الواقعة شمال بلاد الرافدين.

الخلاصة

ما يبقى من طريق الثلج المملوكي هو فكرة أن البرودة في الصيف كانت نتيجة تنظيم إداري قبل أن تصبح نتيجة اختراع. لم يكن لدى المماليك آلة تبريد، لكن كان لديهم جدول موسمي، ومحطات لتبديل الهجن، وموظفون متخصصون، وأقاليم ملزمة بالإمداد، وسجلات يعرف منها ديوان الإنشاء كم مركباً يُطلب كل سنة. ومن يريد أن يتتبع هذا التاريخ بنفسه يمكنه أن يبدأ بنص العمري، وهو متاح على المكتبات الرقمية العربية، ثم يقرأ مقال «بين دمشق والقاهرة» في مجلة «المقتبس»، ومقال «The Iceman Cameth» في أرشيف «أرامكو وورلد». وعند زيارة قلعة صلاح الدين، أو المشي في بولاق قرب النيل، يمكن للزائر أن يتخيل البغال صاعدة إلى القلعة وعليها كتل ملفوفة قطعت مئات الكيلومترات من جبل لبنان، حتى يشرب السلطان ماءً بارداً في يوليو.