حلوان HA-300 مقاتلة اعتراضية خفيفة أسرع من الصوت، بجناح دلتا ومحرك واحد. طوّرتها مصر في الستينيات في المصنع رقم 36 بحلوان، وصممها الألماني ويلي ميسرشميت، وبُني منها ثلاثة نماذج فقط بين 1964 و1969. ألغت الحكومة المصرية المشروع في مايو 1969 ولم تعلن السبب رسمياً. أما النموذج الأول فاشترته شركة ألمانية سنة 1991 ونقلته إلى ألمانيا، وعُرض منذ 1997 في فرع متحف Deutsches Museum قرب ميونخ، ثم استقر منذ 28 مايو 2015 في متحف ميسرشميت للطيران في مانشينغ ببافاريا.
صباح 7 مارس 1964 أقلعت أول طائرة نفاثة أسرع من الصوت صُنعت في مصر، وبقيت في الجو اثنتي عشرة دقيقة ونصف دقيقة. كان في قمرتها طيار هندي، وكان محركها بريطانياً، وصممها ألماني بنى في شبابه أشهر مقاتلات الحرب العالمية الثانية، ومحركها البديل كان يطوّره مهندس نمساوي قضى سنوات في الاتحاد السوفيتي. هذه الأطراف كلها تفسّر لماذا لم تدخل HA-300 الخدمة، وتفسّر أيضاً لماذا تقف اليوم في قاعة عرض بألمانيا بدلاً من مدرج في مصر.
من أين جاءت فكرة HA-300 وكيف وصلت إلى حلوان؟
وُلدت الفكرة في إسبانيا لا في مصر. في مطلع الخمسينيات انضم ويلي ميسرشميت إلى شركة Hispano Aviación الإسبانية، وبدأ فريقه يصمم مقاتلة خفيفة جداً لصالح الحكومة الإسبانية. ويقول متحف ميسرشميت للطيران إن التصميم اكتمل سنة 1956.
تعثّر المشروع في مدريد لثلاثة أسباب ذكرتها المصادر: التمويل لم يكفِ، ونسخة محرك Bristol Orpheus المزوّدة بحارق لاحق لم تكن متاحة، ومدة التطوير طالت أكثر مما تحتمله الميزانية. تخلّت إسبانيا عن HA-300، فاشترت مصر المشروع بكل وثائقه في أواخر 1959 بحسب متحف ميسرشميت.
انتقل الفريق الألماني إلى حلوان جنوب شرق القاهرة، وبدأ التطوير رسمياً سنة 1959 في المصنع رقم 36، وتولّت التصنيع الهيئة العامة المصرية للطيران (EGAO). وتغيّر معنى الحرفين HA من «هيسبانو أفياثيون» إلى «Helwan Aircraft»، أي «طائرة حلوان 300».
وكان المصمم نفسه في آخر مشواره المهني. وُلد ميسرشميت في فرانكفورت يوم 26 يونيو 1898، وصمم المقاتلة Bf 109 التي بُني منها نحو 34 ألف طائرة، وتوفي في ميونخ يوم 17 سبتمبر 1978. والمقاتلة المصرية الصغيرة هي آخر طائرة صممها.

لماذا احتاجت مصر محركاً خاصاً بها، ومن هو فرديناند براندنر؟
أرادت القاهرة محركاً لا يملك أحد أن يمنعه عنها. صُممت HA-300 على محرك Orpheus البريطاني، ورأى الرئيس جمال عبد الناصر أن الاعتماد على محرك بريطاني تهديد للأمن القومي، لأن بريطانيا قد تفرض حظراً على تصديره في أي وقت، والذاكرة كانت لا تزال مثقلة بحرب السويس سنة 1956.
لهذا استدعت مصر خبير المحركات النمساوي فرديناند براندنر ليطوّر محركاً نفاثاً يحل محل Orpheus. وُلد براندنر في فيينا يوم 17 نوفمبر 1903، وعمل مصمماً للمحركات في مصانع Junkers بألمانيا. بعد الحرب أخذه السوفيت، وهناك قاد الفريق الذي طوّر المحرك التوربيني المروحي NK-12، ولم يُفرج عنه حتى 1953.
وصل براندنر إلى مصر سنة 1959 ضمن برنامج جوي سري جنّدت له الحكومة المصرية علماء ألماناً، وحمل مشروعه الاسم الرمزي «135». بقي الأمر سراً ثلاث سنوات، ثم صار وجود العلماء الألمان في مصر معروفاً علناً سنة 1962. وفي يوليو 1963 دار المحرك الجديد E-300 لأول مرة بنجاح.
توفي براندنر في سالزبورغ يوم 20 ديسمبر 1986. ولم يطر محركه في الطائرة التي صُمم لها، كما سيتضح لاحقاً.
ما دور الهند في تمويل محرك E-300 واختباره؟
شاركت الهند في تمويل تطوير E-300 لأنها أرادته لمقاتلتها HF-24 Marut. كانت نيودلهي تبحث عن محرك أقوى لطائرتها، وكانت القاهرة تحتاج إلى من يتقاسم معها كلفة برنامج باهظ. وفي إطار عدم الانحياز الذي جمع البلدين في تلك السنوات كان من الطبيعي أن يتلاقى المشروعان.
لم يقتصر التعاون على المال. سافر طياران مصريان إلى الهند سنة 1964 للاستعداد لمرحلة التطوير والطيران التجريبي، وطيار هندي هو كابيل بهارجافا من قاد أول رحلة لـHA-300. وفي سنة 1967 حوّل الفريقان طائرة Marut هندية من النسخة Mk.1 BX إلى منصة اختبار طائرة تحمل المحرك المصري. وتذكر ويكيبيديا الألمانية أن E-300 جُرّب أيضاً على طائرة نقل من طراز An-12 في مصر.
ثم انتهت الشراكة. تقول ويكيبيديا الألمانية إن الهند أوقفت دعمها للمحرك حين اتضح لها أن مصر تريد تطويره معها، ولا تنوي شراء المقاتلة الهندية HF-24. وفي يوليو 1969، بعد إلغاء HA-300 بشهرين، استدعت الهند فريقها من مصر، وبقيت طائرة Marut التجريبية هناك.

ماذا حققت النماذج الثلاثة في الجو؟
طار نموذجان من الثلاثة، وكلاهما بمحرك Orpheus البريطاني لا بالمحرك المصري. أقلع النموذج الأول (V1) يوم 7 مارس 1964 بمحرك Orpheus 703 وبقيادة بهارجافا، وتشير المصادر إلى أنه بلغ سرعة 1.13 ماخ، أي تجاوز سرعة الصوت بقليل.
أقلع النموذج الثاني لأول مرة يوم 22 يوليو 1965 بالمحرك البريطاني أيضاً. أما النموذج الثالث، وهو الوحيد الذي رُكّب فيه محرك E-300، فلم يطر أبداً، لأن مشكلات ظهرت في تجارب الإقلاع. وهنا تكمن المفارقة: الطائرة التي بُنيت لتتحرر من المحرك البريطاني لم ترتفع عن الأرض إلا به.
على الورق كانت الأرقام لافتة لطائرة بهذا الحجم. يبلغ طول نسخة Orpheus 703 نحو 12.40 متر، وباع جناحها 5.84 متر فقط. سرعتها القصوى المعلنة 2100 كم/ساعة، أي 1.98 ماخ، وكان المتوقع أن تصل إلى 2.1 ماخ بمحرك E-300. مداها 1400 كم، وسقفها العملياتي 18 ألف متر. لكن هذه أرقام تصميمية، ولم تثبتها التجارب الفعلية، فأعلى سرعة يُذكر أن نموذجاً حقيقياً بلغها هي 1.13 ماخ.
لماذا أُلغي المشروع في مايو 1969 بلا سبب معلن؟
ألغت مصر البرنامج في مايو 1969 دون أن تعلن أسباب القرار رسمياً. وتُرجّح المصادر أن المال والسياسة كانا وراءه معاً. كانت مصر قد أنفقت على البرنامج أكثر من 135 مليون جنيه مصري، وكانت تخرج من هزيمة يونيو 1967 وتحتاج إلى سلاح جاهز فوراً، لا إلى طائرة قد تحتاج سنوات أخرى قبل أن تدخل الخدمة.
وكان البديل السوفيتي متاحاً. تذكر ويكيبيديا الألمانية أن موسكو عرضت شروطاً مغرية لعتاد عسكري جاهز ومجرّب، ويقول متحف ميسرشميت إن مصر اختارت ميغ-21 بدلاً من HA-300. والمقارنة هنا لم تكن في صالح المشروع المحلي، فالميغ طائرة تُنتج بأعداد كبيرة ويتدرب عليها الطيارون فعلاً، في حين كان محرك HA-300 المصري لا يزال عالقاً في تجارب الإقلاع.
وفي رأي كاتب هذه السطور، تراكمت عوامل أخرى على الأرجح: تراجع الشريك الهندي، واعتماد المشروع على خبراء أجانب كان وجودهم في مصر قد صار معروفاً للعالم منذ 1962، ثم صعوبة أن يتحمل بلد خارج من حرب برنامجاً مفتوحاً كهذا. لا يوجد قرار رسمي يؤكد هذا الترتيب، فهو قراءة للظروف وليس رواية موثقة.
كيف انتقل النموذج الأول إلى ألمانيا وأين النماذج الأخرى اليوم؟
عاد النموذج الأول إلى بلد مصممه بعد أكثر من عشرين عاماً على الإلغاء. في سنة 1991 اشترته شركة DASA الألمانية، التي صارت لاحقاً جزءاً من Airbus، وفككته ونقلته جواً من مصر إلى مانشينغ في بافاريا. وهناك رُمّم في ورش الشركة سنوات عدة، حتى اكتمل الترميم سنة 1997.
منذ 1997 عُرضت الطائرة في Flugwerft Schleissheim، وهو فرع متحف Deutsches Museum الخاص بالطيران قرب ميونخ، ثم تنقلت بين شلايسهايم ومانشينغ. وفي 28 مايو 2015 عاد النموذج HA 300 V1 إلى متحف ميسرشميت للطيران في مانشينغ، وهو معروض فيه حتى اليوم، الاثنين 19 أكتوبر 2026، عرضاً ثابتاً دائماً، وملكيته لشركة Airbus.
تدير المتحف مؤسسة Messerschmitt Stiftung، ويقع على الطرف الغربي لأرض شركة Airbus Defence and Space في مانشينغ. وقد افتُتحت قاعته المسماة «Willy-Messerschmitt-Halle» يوم 26 يونيو 1998، في الذكرى المئوية لميلاد المصمم. فالطائرة الأخيرة التي صممها الرجل تقف في متحف يحمل اسمه.
وفي مصر بقي أثر للمشروع أيضاً. تذكر ويكيبيديا الإنجليزية أن نسخة من HA-300 معروضة في متحف القوات الجوية بالقاهرة، وأن هناك نسخة أخرى لدى مؤسسة Messerschmitt Stiftung في مانشينغ. ولا تقدّم المصادر المتاحة تفاصيل مؤكدة عن مصير كل من النموذجين الثاني والثالث.

أهم النقاط
- HA-300 مقاتلة اعتراضية خفيفة بجناح دلتا، صنعتها الهيئة العامة المصرية للطيران في المصنع 36 بحلوان، وبُني منها ثلاثة نماذج فقط بين 1964 و1969.
- بدأ التصميم في إسبانيا مطلع الخمسينيات، واشترته مصر بكل وثائقه في أواخر 1959.
- كانت آخر طائرة صممها ويلي ميسرشميت، صاحب Bf 109.
- أراد عبد الناصر محركاً مصرياً يغني عن Orpheus البريطاني خشية الحظر بعد السويس، فطوّر النمساوي فرديناند براندنر المحرك E-300، ودار أول مرة في يوليو 1963.
- موّلت الهند جزءاً من تطوير المحرك لتستخدمه في HF-24 Marut، وحوّلت سنة 1967 طائرة Marut إلى منصة اختبار له، ثم سحبت فريقها في يوليو 1969.
- أول طيران: 7 مارس 1964، بقيادة الهندي كابيل بهارجافا، مدته 12.5 دقيقة. والنموذج الثالث المزوّد بـE-300 لم يطر أبداً.
- كلّف البرنامج أكثر من 135 مليون جنيه، وأُلغي في مايو 1969 دون سبب معلن، واتجهت مصر إلى ميغ-21 السوفيتية.
- النموذج الأول معروض منذ 28 مايو 2015 عرضاً دائماً في متحف ميسرشميت للطيران بمانشينغ، بعد أن عُرض منذ 1997 في فرع Deutsches Museum قرب ميونخ.
أسئلة شائعة
هل دخلت طائرة حلوان HA-300 الخدمة في القوات الجوية المصرية؟
لا. بقيت في مرحلة النماذج التجريبية، وبُني منها ثلاثة نماذج فقط، ثم أُلغي المشروع في مايو 1969 قبل أي إنتاج للخدمة.
من هو أول طيار قاد HA-300؟
الطيار الهندي كابيل بهارجافا. قاد النموذج الأول في أول رحلة له يوم 7 مارس 1964 بمحرك Orpheus 703، واستمرت الرحلة 12.5 دقيقة.
كم كانت سرعة HA-300؟
سرعتها القصوى المعلنة في التصميم 2100 كم/ساعة، أي 1.98 ماخ بمحرك Orpheus، وكان المتوقع 2.1 ماخ بمحرك E-300. أما في التجارب الفعلية فيُذكر أن النموذج الأول بلغ 1.13 ماخ.
هل يمكن مشاهدة HA-300 في مصر؟
بحسب ويكيبيديا الإنجليزية، هناك نسخة من الطائرة معروضة في متحف القوات الجوية بالقاهرة. أما النموذج الأول الأصلي ففي متحف ميسرشميت للطيران بمانشينغ في ألمانيا.
ما علاقة HA-300 بالمقاتلة الهندية HF-24 Marut؟
العلاقة بينهما هي المحرك المصري E-300. موّلت الهند جزءاً من تطويره لتستخدمه في Marut، واختبرته على طائرة Marut معدّلة سنة 1967، ثم أوقفت دعمها حين اتضح لها أن مصر لا تنوي شراء الطائرة الهندية.
لماذا يُعرض النموذج الأول في مانشينغ تحديداً؟
لأن شركة DASA، التي صارت لاحقاً جزءاً من Airbus، اشترته سنة 1991 ونقلته إلى مانشينغ ورمّمته هناك. ويقع متحف ميسرشميت للطيران على أرض الشركة، والطائرة لا تزال ملكاً لها.
الخلاصة
من يزور اليوم متحف ميسرشميت للطيران في مانشينغ يرى نتيجة نجاح تقني محدود. طائرة صُممت وبُنيت في حلوان وتجاوزت سرعة الصوت، لكن المحرك الذي كان سيمنح مصر استقلالها في صناعة الطيران لم يرفعها عن الأرض. والدرس الذي يبقى من التجربة أن الهيكل يمكن شراؤه بوثائقه وخبرائه، أما المحرك فيحتاج إلى وقت ومال وشريك يبقى حتى النهاية، وهي ثلاثة أشياء خسرها المشروع بين 1967 و1969. ومن أراد أن يتعمق في القصة أكثر يجد ثلاث محطات: النسخة المعروضة في متحف القوات الجوية بالقاهرة، والنموذج الأصلي في مانشينغ، وتاريخ المقاتلة الهندية Marut التي حملت المحرك المصري حين لم تحمله الطائرة التي صُمم لها.