مضيق هرمز هو الممر الوحيد الذي يربط نفط الخليج وغازه بالمحيطات. عبره في 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً، وهذا يعادل خُمس استهلاك العالم من السوائل البترولية. ويمكن إغلاقه بأدوات رخيصة نسبياً، لأن ممر الملاحة في كل اتجاه لا يزيد عرضه على ميلين، وأرخص هذه الأدوات وأكثرها تأثيراً الألغام البحرية. وهذا ما تفعله إيران منذ مارس 2026.

يوم السبت 17 أكتوبر 2026 أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني أن ناقلة نفط عملاقة اصطدمت بلغم بحري داخل المضيق أثناء مرورها من «مسار غير مرخص». وبعد يومين، في 19 أكتوبر، نقلت وكالة تسنيم رواية مشابهة عن ناقلة «مخالفة» قالت إنها أصيبت بلغم جنوب المضيق. لم يؤكد أي مصدر مستقل الروايتين حتى الآن. ومع ذلك تكفي هذه البيانات وحدها لتحريك الأسواق، لأن الرسالة التي تحملها أوضح من تفاصيلها: إيران تقول إنها تحدد من يعبر ومن أين يعبر.

وعلى الجانب الآخر قال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، إن المضيق «لا يزال مفتوحاً للعمل». الأرقام تقول غير ذلك. فآخر عبور سجّلته منصة IMF PortWatch كان سفينتين فقط يوم 11 أكتوبر، بينما كان المتوسط قبل الأزمة 85 سفينة في اليوم.

ماذا حدث للسفن في مضيق هرمز منذ بداية الحرب؟

المضيق مغلق فعلياً أمام الملاحة التجارية العادية منذ نحو ثمانية أشهر، والسفن التي تحاول العبور تتعرض للاستهداف أو الاحتجاز. بدأت الأزمة يوم 28 فبراير 2026 بغارات جوية أمريكية وإسرائيلية على إيران. ردّت طهران بإغلاق المضيق إلى حد كبير، ثم أعلن الحرس الثوري في 4 مارس «سيطرة كاملة» عليه.

لم تتأخر الحرب البحرية. في 2 مارس أصيبت سفينة ترفع العلم الأمريكي داخل ميناء في البحرين. وبعد يومين أصيبت ناقلة كويتية على بعد نحو 800 كيلومتر من المضيق، أي أن الخطر وصل إلى أعماق الخليج. وفي 10 مارس أفادت الاستخبارات العسكرية الأمريكية بأن إيران بدأت زرع ألغام في المضيق، وقالت واشنطن إنها دمّرت 16 زورقاً إيرانياً مخصصاً لهذه المهمة.

حجم الخسائر كبير. بين 1 مارس و13 أكتوبر 2026 سُجّلت نحو 103 حوادث استهداف أو احتجاز لسفن، قُتل فيها 24 بحاراً وعامل ميناء واحد، وأصيب أكثر من 35 شخصاً. وغرقت سفن منها «كيب داو» يوم 23 سبتمبر و«جي إف إس برايد». وفي 21 أبريل قالت المنظمة البحرية الدولية إن نحو 20 ألف بحار وألفي سفينة عالقون داخل الخليج.

الدبلوماسية لم تصمد طويلاً. أُعلنت هدنة مؤقتة في 8 أبريل، ثم وقّع ترامب وبزشكيان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب في 17 يونيو، لكن الهدنة انهارت في 8 يوليو بعد أن ضربت إيران عدة سفن تجارية. وفي أواخر سبتمبر عادت الهجمات بقوة: سجّل مركز معلومات بحري تقوده البحرية الأمريكية نحو 12 هجوماً بين 28 سبتمبر و2 أكتوبر، وكانت حركة الناقلات يوم 6 أكتوبر هي الأدنى منذ أواخر يوليو بحسب بيانات Kpler.

سفن وناقلات عالقة قرب مضيق هرمز بعد توقف الملاحة التجارية
مئات السفن وآلاف البحارة علقوا داخل الخليج منذ مارس 2026رسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا هرمز بالذات أخطر ممر للطاقة في العالم؟

لأنه لا يوجد بديل حقيقي له. نفط السعودية والعراق والكويت والإمارات وإيران، وغاز قطر، كلها تخرج من مياه الخليج إلى العالم عبر هذه الفتحة وحدها. تقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن الكمية التي عبرته في 2024 تمثل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، ومعها نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومعظم هذا الغاز قطري.

وجهة هذه الشحنات تشرح لماذا تتابع آسيا الأزمة أكثر من غيرها. فقد ذهب 84% من النفط الخام و83% من الغاز المسال المارّين بالمضيق إلى الأسواق الآسيوية. الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية هي أول من يتأثر عندما تتوقف الناقلات، ثم ينتقل الأثر إلى بقية العالم عبر الأسعار.

أما الطرق البديلة فمحدودة. السعودية والإمارات وحدهما تملكان خطوط أنابيب تتجاوز المضيق: خط شرق-غرب السعودي إلى البحر الأحمر بطاقة 5 ملايين برميل يومياً، وخط الإمارات إلى الفجيرة على خليج عُمان بطاقة 1.8 مليون برميل. لكن الإدارة الأمريكية تقدّر أن الكمية الإضافية التي يمكن تحويلها فعلاً وقت الأزمات لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يومياً، لأن جزءاً من طاقة هذه الخطوط مستخدم أصلاً. والفرق بين 2.6 مليون و20 مليون برميل هو حجم المشكلة.

صورة فضائية لمضيق هرمز الذي يربط الخليج بخليج عُمان والمحيط
مضيق هرمز هو المنفذ البحري الوحيد لنفط الخليج وغاز قطرالصورة: MODIS Land Rapid Response Team, NASA GSFC — ويكيميديا كومنز (Public domain)

كيف يمكن إغلاق مضيق عرضه 21 ميلاً؟

لا يحتاج من يريد الإغلاق إلى سدّ الأميال الواحد والعشرين كلها. يكفيه أن يجعل ممرات الملاحة الضيقة خطرة. فرغم أن عرض المضيق في أضيق نقطة 21 ميلاً، فإن الناقلات الكبيرة تتحرك في ممرين، عرض كل منهما ميلان فقط، تفصل بينهما منطقة عازلة عرضها ميلان. هذا هو «نظام فصل حركة المرور»، وهو المساحة التي يجب على إيران أن تهددها.

تملك إيران أدوات متعددة لهذا. لديها زوارق سريعة تستطيع الاقتراب والاحتجاز، وصواريخ ومسيّرات تصل إلى الناقلات وإلى موانئ دول الجوار، وألغام بحرية تجعل المرور مقامرة. والإعلان وحده سلاح أيضاً: عندما يقول الحرس الثوري إن ناقلة «مخالفة» أصيبت لأنها سلكت مساراً غير مرخص، فهو يرسم للسفن خريطة جديدة لم يعترف بها أحد.

وأضافت طهران في أكتوبر شرطاً تقنياً. تقول إن الناقلة التي أعلنت إصابتها يوم 17 أكتوبر كانت قد أطفأت أنظمة تحديد الموقع والرادار حتى لا تُرصد. وحذّرت عبر تسنيم في 19 أكتوبر من أن أي سفينة تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف ستواجه «رداً حازماً وحاسماً». النتيجة أن السفن أمام خيارين سيئين: إما أن تظهر على الرادار الإيراني وتخضع لشروطه، وإما أن تختفي فتصبح هدفاً مشروعاً في نظر طهران.

لماذا الألغام البحرية سلاح رخيص ومؤثر إلى هذا الحد؟

لأن ثمن اللغم ضئيل وتكلفة التعامل معه هائلة. أوضح مثال يعود إلى هذا الممر نفسه. في 1988 اصطدمت الفرقاطة الأمريكية «صامويل بي روبرتس» بلغم إيراني ثمنه نحو 1500 دولار، وكلّف إصلاحها 90 مليون دولار. ويقدّر سكوت سافيتز، الخبير في مؤسسة «راند»، أن إزالة اللغم تكلّف ما بين 10 أضعاف و1000 ضعف تكلفة زرعه.

التاريخ العسكري يؤكد ذلك. بحسب مركز شتراوس في جامعة تكساس، تسببت الألغام البحرية في 77% من الإصابات التي لحقت بسفن البحرية الأمريكية منذ 1950. أي أن هذا السلاح القديم ألحق بأقوى بحرية في العالم أضراراً تفوق ما ألحقته الصواريخ والطوربيدات.

ثم هناك صعوبة الاكتشاف. بعض الألغام يُضبط ليتجاهل أول سفينة تمر فوقه، فتعبر سفينة الاستطلاع بسلام، ويطمئن الجميع إلى أن الطريق آمن، ثم ينفجر اللغم تحت السفينة التالية. لذلك لا يكفي أن تمر سفينة واحدة لتعلن أن الممر نظيف.

وتجربة هذا العام دليل على ذلك. احتاجت البحرية الأمريكية إلى شهور حتى أعلن مسؤولون في 25 أغسطس 2026 أن نظام فصل حركة المرور طُهّر من الألغام، بعد أن رصدت مسيّرات تحت الماء أكثر من 100 لغم مشتبه به. ومع ذلك يعلن الحرس الثوري في أكتوبر إصابة ناقلات بألغام جنوب المضيق، خارج المسارات التي يعتبرها مرخصة. الدرس واضح: يمكن تطهير الممر، لكن يصعب ضمان أنه سيبقى نظيفاً ما دام الطرف الآخر قادراً على الزرع من جديد.

لغم بحري تلامسي تحت سطح الماء في ممر ملاحي بمضيق هرمز
الألغام البحرية سلاح رخيص يكفي لإيقاف حركة الناقلاترسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

كيف أثّر إغلاق هرمز على أسعار النفط ودول الخليج؟

ارتفعت الأسعار بسرعة وبقيت مرتفعة. تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل يوم 8 مارس 2026 لأول مرة منذ أربع سنوات، ووصل في ذروته إلى 126 دولاراً، وسجّل مارس أكبر ارتفاع شهري في أسعار النفط على الإطلاق.

التوتر الأخير أعاد الأسعار إلى الصعود. أغلق برنت جلسة الجمعة 16 أكتوبر 2026 عند 109.86 دولار بارتفاع 3.72% في يوم واحد، وكان خام غرب تكساس عند 101.41 دولار. هذه الأرقام سبقت إعلانات الألغام في نهاية الأسبوع، ولذلك ستكشف جلسات هذا الأسبوع كيف قرأت الأسواق رواية الحرس الثوري ورد واشنطن عليها.

لا تتأثر دول الخليج كلها بالطريقة نفسها. فارتفاع السعر لا ينفع منتجاً لا يستطيع إخراج نفطه. السعودية استفادت من خط شرق-غرب لتحويل جزء من صادراتها إلى البحر الأحمر، والإمارات من خط الفجيرة. أما الكويت والعراق وقطر والبحرين فتعتمد على المضيق اعتماداً شبه كامل. وجاءت الضربات الإيرانية لتصيب البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات خلال الحرب، فصار الخطر في الموانئ والسواحل وليس في الممر المائي وحده.

ماذا يعني إغلاق هرمز لمصر وقناة السويس؟

مصر تكسب من القناة وتخسر من فاتورة الطاقة، والخسارة حتى الآن أكبر. في يوليو 2026 ارتفعت إيرادات قناة السويس بنسبة 42% على أساس سنوي إلى 505 ملايين دولار، وهو أعلى مستوى شهري منذ ديسمبر 2023. عبرت القناة في ذلك الشهر 1340 سفينة، منها 526 ناقلة نفط، والسبب الرئيسي تحويل صادرات النفط السعودي إلى البحر الأحمر بعد إغلاق هرمز.

يتوقع الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، أن تتراوح إيرادات القناة في 2026 بين 5.8 و6 مليارات دولار، مقابل 4.1 مليار في 2025. لكن هذا التحسن لا يعيد القناة إلى رقمها القياسي البالغ 10.2 مليار دولار في 2023، لأن الحركة لا تزال أقل كثيراً مما كانت عليه قبل حرب غزة بسبب تهديدات الحوثيين عند باب المندب. المكسب إذن مرتبط بأزمة، وقد يختفي عندما يعود النفط السعودي إلى طريقه المعتاد عبر الخليج.

الجانب الآخر من الحساب أثقل. بحسب بيانات البنك المركزي المصري الصادرة في 12 أكتوبر 2026، ارتفعت واردات مصر البترولية بنسبة 27.6% إلى 24.9 مليار دولار في العام المالي المنتهي في يونيو 2026، وزاد العجز البترولي 31.5% إلى 18.3 مليار دولار. وكان الغاز وحده مسؤولاً عن 4.7 مليار من زيادة إجمالية قدرها 5.4 مليار.

السبب أن الإنتاج المحلي يتراجع في وقت ترتفع فيه الأسعار العالمية. فقد انخفض إنتاج مصر من الغاز إلى أقل من 4.4 مليار قدم مكعب يومياً في العام المالي 2025/2026، والمتوقع أن يصل إلى 4.2 مليار هذا العام. وذكرت رويترز في يوليو أن القاهرة تتفاوض على 15 إلى 18 شحنة غاز مسال شهرياً بتكلفة قد تصل إلى 8-11 مليار دولار سنوياً، ولم يُعلن حتى الآن عن إتمام الصفقة. ولأن نحو خُمس الغاز المسال في العالم كان يمر من هرمز، فإن إغلاقه يرفع سعر كل شحنة تشتريها مصر من أي مصدر.

أهم النقاط

  • عبر هرمز نحو 20 مليون برميل نفط يومياً في 2024، أي خُمس الاستهلاك العالمي، ومعها خُمس تجارة الغاز المسال.
  • ممر الملاحة في كل اتجاه عرضه ميلان فقط، ولهذا يسهل تعطيله.
  • الحركة شبه متوقفة: سفينتان فقط عبرتا يوم 11 أكتوبر مقابل 85 سفينة يومياً قبل الأزمة.
  • منذ 1 مارس سُجّلت 103 حوادث ضد السفن، قُتل فيها 24 بحاراً وعامل ميناء.
  • مثال الألغام الأشهر: لغم بنحو 1500 دولار تسبب في إصلاحات بقيمة 90 مليون دولار للفرقاطة الأمريكية «صامويل بي روبرتس» عام 1988.
  • خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية لا تستطيع تحويل أكثر من 2.6 مليون برميل يومياً.
  • برنت أغلق عند 109.86 دولار يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026.
  • قناة السويس استفادت من تحويل النفط السعودي، لكن واردات مصر البترولية قفزت إلى 24.9 مليار دولار.

أسئلة شائعة

هل مضيق هرمز مغلق الآن؟

حتى 18 أكتوبر 2026 كان المضيق مغلقاً أمام الحركة التجارية العادية، وآخر عبور مسجّل كان سفينتين يوم 11 أكتوبر. الحرس الثوري يعلن أن المضيق مغلق، بينما تقول القيادة المركزية الأمريكية إنه «لا يزال مفتوحاً للعمل».

هل يمكن أن يُعاد فتح مضيق هرمز قريباً؟

في 18 أكتوبر 2026 ضغطت إيران على واشنطن لتقبل اقتراحها بإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام، وقال وزير الخارجية عباس عراقجي إن ذلك ممكن إذا لبّت الولايات المتحدة الشروط. لكن تجربة هدنتي أبريل ويونيو، التي انهارت في 8 يوليو، تدعو إلى الحذر قبل الحكم على النتيجة.

من يملك مضيق هرمز؟

يقع المضيق بين إيران شمالاً وسلطنة عُمان جنوباً عبر شبه جزيرة مسندم، ويُعد ممراً دولياً للملاحة. إعلان الحرس الثوري «السيطرة الكاملة» عليه في 4 مارس 2026 وفرضه «مسارات مرخصة» لا تعترف بهما الولايات المتحدة.

هل ترتفع أسعار البنزين بسبب أزمة هرمز؟

ارتفاع خام برنت فوق 100 دولار يرفع تكلفة الوقود على الدول المستوردة، ومصر منها، كما يظهر في قفزة فاتورة وارداتها البترولية بنسبة 27.6%. أما توقيت انتقال ذلك إلى أسعار المستهلك وحجمه فيعتمدان على سياسات التسعير والدعم في كل دولة.

ما الدول الأكثر تضرراً من إغلاق هرمز؟

الدول الخليجية التي لا تملك منفذاً بديلاً، مثل الكويت والعراق وقطر والبحرين، تتضرر في صادراتها مباشرة. وتأتي بعدها الدول الآسيوية المستوردة، لأن 84% من النفط الخام المار بالمضيق كان يذهب إلى آسيا.

الخلاصة

ما يحدث في هرمز يتحدد بالقدرة على تعطيل المرور، ولا يحتاج إلى جيش يحتل الممر. وما دامت إيران قادرة على زرع ألغام رخيصة وإعلان مسارات «مرخصة» تحددها هي، فلن يكفي تطهير الممرات لإعادة ثقة شركات الشحن والتأمين. المؤشر الأهم في الأيام القادمة ليس البيانات العسكرية من الطرفين، وإنما عدد السفن التي تعبر يومياً كما ترصده منصات التتبع. إذا بقي قريباً من الصفر، فلن تنخفض الأسعار مهما بلغ التفاؤل الدبلوماسي. ومن يتابع الأزمة يستطيع مراقبة ثلاثة أمور: رد واشنطن على مهلة الأيام السبعة التي اقترحتها طهران في 18 أكتوبر، وحركة برنت حول مستوى 110 دولارات، وإعلان مصر إتمام صفقة الغاز المسال أو تعثرها. بالنسبة للقاهرة تحديداً، فإن عودة الحركة إلى هرمز ستخفّض فاتورة الطاقة، لكنها ستعيد جزءاً من الناقلات السعودية إلى طريقها القديم بعيداً عن قناة السويس.