لم تقتل «لعنة الفراعنة» أحداً، بحسب كل الوقائع المعروفة. اللورد كارنارفون، ممول الحفائر، توفي في 5 أبريل 1923 بالتهاب رئوي أعقب عدوى جلدية في وجهه. وهوارد كارتر، أول من فتح المقبرة، عاش بعد الكشف نحو 16 عاماً. ظهرت الأسطورة في الصحف قبل أن يكون لها أي أثر في سجل طبي، وساعد على انتشارها تنافس صحفي وكتّاب مشاهير وسلسلة من المصادفات.

الناس يبحثون عن قصة اللعنة كثيراً حين يقرؤون عن الفراعنة، والسبب مفهوم. فيها ملك شاب، وكنز من الذهب، ولورد إنجليزي مات بعد أسابيع من دخول المقبرة، وأنوار في القاهرة قيل إنها انطفأت لحظة موته. أما من يعود إلى التواريخ وشهادات الوفاة فيجد قصة أخرى، فيها مراسلون مُنعوا من الدخول، وروائية تحذّر من «سموم خفية»، وعالم آثار جلس يعدّ الموتى بنفسه.

والقصة ستعود إلى الواجهة قريباً. الذكرى الرابعة بعد المئة لاكتشاف المقبرة تحل يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026، أي بعد عام كامل من افتتاح المتحف المصري الكبير قاعات توت عنخ آمون للزوار.

ماذا حدث في وادي الملوك عام 1922؟

في نوفمبر 1922 عثر فريق هوارد كارتر على درجات سلم منحوتة في صخر وادي الملوك بالأقصر، تنزل إلى مقبرة الملك توت عنخ آمون. وفي 26 نوفمبر دخل كارتر واللورد كارنارفون غرف المقبرة فوجداها شبه سليمة، وهذا نادر في وادٍ نهبه اللصوص قروناً طويلة.

وجاء الكشف في وقت كان المشروع فيه مهدداً بالتوقف. فكارنارفون موّل حفائر كارتر نحو ثماني سنوات دون نتيجة كبيرة، ثم هدّد بقطع التمويل إن لم يظهر كشف قريب. لهذا لم يكن الذهب وحده سبب فرحة الرجلين، فالكشف أثبت أيضاً أن سنوات البحث والإنفاق لم تذهب هدراً.

أما اللحظة الأشهر فجاءت يوم 16 فبراير 1923. يومها فتح كارتر باب حجرة الدفن الأخيرة بحضور عدد من المسؤولين، فوجد تابوتاً حجرياً بداخله ثلاثة توابيت متداخلة، أعمقها من الذهب الخالص وفيه مومياء الملك. وبعد أقل من شهرين من ذلك اليوم مات كارنارفون.

هوارد كارتر عند مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك عام 1922
فريق الاكتشاف يعمل داخل مقبرة توت عنخ آمون في الأقصرالصورة: Chicago Daily News, Inc., photographer — ويكيميديا كومنز (Public domain)

كيف بدأت شائعة اللعنة بعد وفاة اللورد كارنارفون؟

بدأت الشائعة بقرار تجاري، قبل أي وفاة. منح كارنارفون صحيفة «التايمز» حقاً حصرياً في تغطية الكشف، فغضب الصحفيون الآخرون، وأبرزهم آرثر ويغال مراسل «ديلي ميل». ولأنهم ممنوعون من دخول المقبرة، راحوا يملؤون تقاريرهم بمواد مثيرة بدل المعلومات.

روى ويغال نفسه في كتابه «توت عنخ آمون ومقالات أخرى» الصادر عام 1923 أنه قال لزميل إن كارنارفون إذا دخل المقبرة بتلك الروح المرحة فلن يعيش أكثر من ستة أسابيع. وقبل وفاة اللورد بنحو أسبوعين نشرت الروائية ماري كوريلي رسالة تحذير في صحيفة «نيويورك وورلد»، استندت فيها إلى «كتاب نادر» يتحدث عن سموم خفية في المقابر.

ثم مات كارنارفون في 5 أبريل 1923. كانت بعوضة قد لدغته، فجرح موضع اللدغة أثناء الحلاقة، وأصيب بتسمم في الدم وحمّى. وأرجعت مجلة «ذا لانسيت» الطبية وفاته إلى التهاب رئوي أعقب حُمرة، وهي عدوى جلدية في الوجه. لكن الصحف كانت مستعدة لرواية أخرى: قيل إن أنوار القاهرة انقطعت لحظة وفاته، وإن كلبته «سوزي» عوت وماتت في إنجلترا. والحقيقة أن انقطاع الكهرباء كان أمراً معتاداً جداً في القاهرة وقتها.

وفي اليوم التالي، 6 أبريل 1923، نشرت «ويسترن ديلي برس» تصريحاً لآرثر كونان دويل، مؤلف «شرلوك هولمز»، أرجع فيه الوفاة إلى «روح شريرة» صنعها كهنة توت عنخ آمون لحماية المقبرة. وتداولت الصحف عبارة «سيأتي الموت على أجنحة سريعة» على أنها نقش تحذيري داخل المقبرة، مع أن كارتر نفى وجودها ولم يعثر عليها أحد في الموقع. حتى قصة الكوبرا التي قيل إنها قتلت كناري كارتر مشكوك فيها، إذ تقول رواية إنه أعطى الطائر لصديقته ميني بيرتون لترعاه أثناء عمله.

اللورد كارنارفون ممول حفائر مقبرة توت عنخ آمون قبل وفاته عام 1923
اللورد كارنارفون الذي أشعلت وفاته شائعة لعنة الفراعنةالصورة: Harry Burton — ويكيميديا كومنز (Public domain)

من مات فعلاً ومن عاش طويلاً من فريق الاكتشاف؟

مات بعض من ارتبطوا بالمقبرة خلال السنوات التالية لأسباب معروفة، وعاش آخرون عمراً طويلاً، وأبرزهم كارتر نفسه. وحين تُعرض الحالتان معاً تفقد اللعنة معظم قوتها.

من بين من ماتوا آرثر ميس، أحد أعضاء فريق الحفائر، الذي توفي في أبريل 1928 بالتهاب الجنبة والرئة. وعُثر على ريتشارد بيثيل، سكرتير كارتر، ميتاً في 15 نوفمبر 1929، وربما مات اختناقاً في نادٍ بحي مايفير في لندن. وفي فبراير 1930 انتحر والده اللورد ويستبري بالقفز من شقة في الطابق السابع، وأرجع الطبيب الشرعي ذلك إلى الحزن واعتلال الصحة. وربطت الصحف حرائق في منزل بيثيل باللعنة، ثم اتُّهم خادم بإشعالها.

في المقابل، عاش هوارد كارتر، أول من فتح المقبرة ودخل حجرة الدفن، نحو 16 عاماً بعد الكشف، ومات في 2 مارس 1939 بسرطان الغدد الليمفاوية. وكان يصف حكايات اللعنة بأنها «هراء». أما الليدي إيفلين هربرت، ابنة كارنارفون وإحدى أوائل من دخلوا المقبرة، فتوفيت عام 1980 عن 79 عاماً، أي أنها عاشت أطول من كل الرجال الذين دخلوها.

وحتى آرثر ويغال، صاحب نبوءة الأسابيع الستة، لم يسلم من القصة. فحين توفي في يناير 1934 ربطت «ديلي ميل»، صحيفته السابقة، وفاته باللعنة. هكذا كانت الأسطورة تعمل: أي وفاة تُضاف إلى القائمة، ومن تجاوزوا السبعين لا يذكرهم أحد.

ماذا تقول الأرقام والدراسات عن لعنة توت عنخ آمون؟

الأرقام لا تدعم وجود لعنة. فلا الإحصاء القديم ولا الدراسة الحديثة وجدا أن من دخلوا المقبرة ماتوا أبكر من غيرهم بفارق له معنى.

أول من أحصى الموتى كان هربرت وينلوك، أمين متحف المتروبوليتان في نيويورك. وجد أن 26 شخصاً حضروا فتح حجرة الدفن، مات منهم 6 فقط خلال عشر سنوات. ومن بين 22 حضروا فتح التابوت مات اثنان فقط. أما العشرة الذين حضروا فك لفائف المومياء، وهم الأقرب إلى الملك نفسه، فلم يمت منهم أحد في تلك الفترة.

وبعد ثمانية عقود عاد الباحث مارك نيلسون من جامعة موناش الأسترالية إلى السؤال نفسه بأدوات أدق. نشر دراسته في «المجلة الطبية البريطانية» في عدد 21-28 ديسمبر 2002، واعتمد فيها على يوميات كارتر وسجلات النعي ليتتبع الغربيين الذين دخلوا المقبرة بين 1923 و1926. النتيجة: متوسط عمر 24 رجلاً دخلوا المقبرة بلغ 70 عاماً، مقابل 75 عاماً لسبعة رجال رافقوا البعثة دون أن يدخلوها. والفرق بين الرقمين لا يحمل دلالة إحصائية، أي أنه لا يكفي لاستنتاج أي أثر للمقبرة على أعمارهم.

وهنا ملاحظة مفيدة لمن يقرأ أي قصة من هذا النوع: السؤال الصحيح ليس «كم شخصاً مات؟» بل «هل ماتوا أكثر أو أبكر من أشخاص مشابهين لم يتعرضوا للأمر نفسه؟». في عشرينيات القرن الماضي، ومع أدوية تلك الأيام، لم يكن غريباً أن يموت رجال في منتصف العمر بالتهابات كانت قاتلة قبل انتشار المضادات الحيوية.

هل للعفن والفطريات دور في وفيات المقابر المغلقة؟

الفطريات تفسير علمي مطروح، لكنه لم يثبت في حالة كارنارفون. والفكرة أن المقابر المغلقة منذ آلاف السنين قد تحتوي على جراثيم فطرية خطيرة على من يستنشقها، خصوصاً من كانت مناعتهم ضعيفة.

أكثر فطرين ذُكرا في هذا الباب هما «الرشاشيات الصفراء» (Aspergillus flavus) و«العفن الأسود» (Aspergillus niger). طُرحت جراثيم الأول تفسيراً محتملاً لوفيات نُسبت إلى اللعنة، منها وفاة كارنارفون وجورج جاي جولد وآرثر ميس، لكن هذه الصلة محل جدل، على الأقل في حالة كارنارفون الذي وثّقت «ذا لانسيت» سبب وفاته بعدوى بدأت من لدغة بعوضة. أما الثاني فتُنسب إليه بعض الوفيات المرتبطة بفتح مقابر مغلقة منذ زمن طويل، لأنه قد يكون ساماً عند استنشاقه ويسبب فشلاً تنفسياً.

وأقوى ما يُستشهد به هنا ليس من مصر. فبحسب مجلة «بي بي سي ساينس فوكس»، مات في سبعينيات القرن العشرين 10 من أصل 12 عالماً دخلوا مقبرة ملك بولندي، بعد وقت قصير من تعرضهم لفطر الرشاشيات الصفراء. تبين هذه الحالة أن الخطر البيولوجي في الأماكن المغلقة حقيقي، لكنها لا تثبت أن ما حدث في وادي الملوك من النوع نفسه.

والمفارقة أن الفطر نفسه قد يتحول من متهم إلى علاج. ففي عام 2025 نشر فريق تقوده البروفيسورة شيري (شيوي) غاو من جامعة بنسلفانيا بحثاً في دورية «Nature Chemical Biology»، وجد أن فطر «لعنة الفرعون» ينتج مركبات سُميت «أسبريجيميسين» أظهرت في المختبر فعالية قوية ضد خلايا سرطان الدم. والنتائج ما زالت مخبرية، ولا تعني وجود دواء جاهز. ولهذا يرتدي الأثريون اليوم كمامات ويتركون المدافن المغلقة تتهوى قبل العمل فيها، وهذا إجراء صحي معتاد وليس حماية من لعنة.

بقع بنية على جدران حجرة دفن توت عنخ آمون ودور الفطريات في لعنة الفراعنة
بقع ميكروبية بنية على جدران حجرة دفن الملك الشابرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا لا تزال قصة لعنة الفراعنة تعيش حتى اليوم؟

القصة باقية لأنها حكاية جيدة، ولأن الذاكرة تحتفظ بالمصادفات وتنسى ما يكذّبها. أصلحت إحصاءات وينلوك الصورة مبكراً، لكن الأسطورة استمرت، وجاءت السينما فزادتها رسوخاً، وأشهر مثال فيلم «المومياء» عام 1932.

تفسير ذلك نفسي في جزء كبير منه. حين ترتبط قصة بموت مبكر، يصبح كل موت لاحق دليلاً جديداً، ولا يتحول من عاشوا طويلاً إلى خبر. فلن تكتب صحيفة «امرأة دخلت المقبرة وماتت في التاسعة والسبعين». ومع وجود أسماء كبيرة مثل كونان دويل، صار للقصة صاحب شهرة يرويها.

ولا يقتصر الأمر على الغرب. فعالم الآثار المصري زاهي حواس روى أن ابن عمه مات في يوم نقله قطعاً أثرية، وأن عمه مات في الذكرى الأولى، وعمته في الذكرى الثالثة، وأن أحلاماً طاردته بعد نقل مومياوين لطفلين من الواحات البحرية. وهذه روايات شخصية تحكي كيف يعيش الإنسان مع المصادفة، ولا تُعدّ دليلاً علمياً على شيء.

وما زال الملك الشاب يجذب الناس. ففي 4 نوفمبر 2025، يوم الذكرى الـ103 للاكتشاف، فتح المتحف المصري الكبير قاعات توت عنخ آمون للزوار، وعرض فيها 5339 قطعة مجتمعة لأول مرة على مساحة تقارب 7500 متر مربع. ولمن يزور القاعات في الذكرى المقبلة يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026 أو بعدها، تكفي معرفة صغيرة: هذه القطع خرجت من المقبرة وتعامل معها أشخاص عاش كثيرون منهم حتى الشيخوخة.

أهم النقاط

  • توفي اللورد كارنارفون في 5 أبريل 1923 بالتهاب رئوي أعقب عدوى جلدية بدأت من لدغة بعوضة جرحها أثناء الحلاقة، بحسب «ذا لانسيت».
  • هوارد كارتر، أول من فتح المقبرة، عاش نحو 16 عاماً بعد الكشف وتوفي في 2 مارس 1939.
  • بدأت الأسطورة في الصحف: حق «التايمز» الحصري أغضب منافسيها، فملأ الممنوعون من الدخول تقاريرهم بالإثارة.
  • لم يُعثر قط على نقش «سيأتي الموت على أجنحة سريعة».
  • وجد وينلوك أن 6 فقط من 26 حضروا فتح حجرة الدفن ماتوا خلال عشر سنوات، ولم يمت أحد من العشرة الذين حضروا فك لفائف المومياء.
  • دراسة نيلسون (2002): متوسط العمر 70 عاماً لمن دخلوا المقبرة و75 لمن لم يدخلوها، والفرق بلا دلالة إحصائية.
  • الفطريات خطر حقيقي في المدافن المغلقة، لكن ربطها بوفاة كارنارفون محل جدل.
  • الليدي إيفلين هربرت دخلت المقبرة بين الأوائل وعاشت حتى 79 عاماً.

أسئلة شائعة

هل كُتبت لعنة على باب مقبرة توت عنخ آمون؟

لا. العبارة التي نشرتها الصحف، «سيأتي الموت على أجنحة سريعة»، نفى كارتر وجودها، ولم يعثر عليها أحد في الموقع.

كم شخصاً مات بسبب لعنة الفراعنة؟

لم يثبت أن وفاة واحدة كان سببها لعنة. وحين أحصى هربرت وينلوك من حضروا فتح حجرة الدفن، وجد أن 6 فقط من 26 ماتوا خلال عشر سنوات، ولكل منهم سبب وفاة معروف.

هل صحيح أن كلب كارنارفون مات في نفس لحظة موته؟

هذه رواية تداولتها الصحف عن كلبته «سوزي» في إنجلترا، ومثلها رواية انقطاع أنوار القاهرة. ولا يوجد ما يثبت أي منهما، وانقطاع الكهرباء كان شائعاً جداً في القاهرة وقتها.

هل آمن آرثر كونان دويل بلعنة الفراعنة؟

نعم، فقد أرجع وفاة كارنارفون إلى «روح شريرة» صنعها الكهنة لحماية المقبرة، ونشرت «ويسترن ديلي برس» تصريحه يوم 6 أبريل 1923. ولم يقدّم دليلاً على ذلك، وكان رأيه سبباً كبيراً في انتشار القصة.

هل دخول المقابر الأثرية خطر على الزوار اليوم؟

المقابر المفتوحة للزوار مهوّاة وتراقبها الجهات المختصة، فخطرها على الزائر العادي ضئيل. أما الخطر الفطري الأكبر فيكون عند فتح مدافن ظلت مغلقة زمناً طويلاً، ولهذا يستخدم الأثريون كمامات ويتركون المدافن تتهوى قبل العمل.

أين تُعرض كنوز توت عنخ آمون الآن؟

في قاعات توت عنخ آمون بالمتحف المصري الكبير، وقد افتُتحت للزوار في 4 نوفمبر 2025. وتضم 5339 قطعة مجتمعة لأول مرة على مساحة تقارب 7500 متر مربع.

الخلاصة

بعد أكثر من قرن على فتح المقبرة، قصة لعنة الفراعنة درس في طريقة صناعة الخبر أكثر منها لغزاً أثرياً. اجتمع حق صحفي حصري، ومراسل غاضب، وروائية وكاتب مشهوران، ووفاة جاءت في توقيت مثير، فخرجت من ذلك أسطورة عاشت أطول من معظم أبطالها. والطريقة نفسها تنفع مع أي قصة رائجة اليوم: اسأل عن الذين لم يصبهم شيء، وابحث عن شهادة الوفاة قبل العنوان المثير، وفرّق بين خطر حقيقي يمكن قياسه، مثل جراثيم الفطريات في مدفن مغلق، وحكاية تتغذى على المصادفات. ومن يزور قاعات الملك الذهبي في المتحف المصري الكبير مع اقتراب ذكرى الاكتشاف يوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026 يمكنه أن يستمتع بالحكاية كما هي: قصة صحف وسينما لا علاقة لها بسحر الكهنة.