سجّل سليم شبلي حداد، وهو رسام كان يعيش في القاهرة، أول براءة اختراع معروفة لحروف آلة كاتبة عربية، وهي البراءة الأمريكية رقم 637,109 التي صدرت في 14 نوفمبر 1899. لكن اللقب لم يبقَ له وحده. فيليب واكد، المولود في بيروت عام 1871 والمقيم هو الآخر في القاهرة، قال إنه صاحب الاختراع، وتقول عائلته إنه أول من كتب وثيقة بالعربية على آلة كاتبة. وأدق إجابة حتى اليوم أن الرجلين يتقاسمان الفضل، ولكل منهما حجته.
وُلدت أول آلة كاتبة عربية في العالم في القاهرة سنة 1899، واختلف على أبوّتها رجلان. لم يُحسم الخلاف في حياتهما، فورثته العائلتان، وبقي قائماً إلى أن نشرت جريدة الأهرام عام 1939 سلسلة مقالات أشعلت جدلاً حاداً حول السؤال نفسه: من صاحب الآلة؟
يوم السبت 14 نوفمبر 2026 تمر 127 سنة على صدور براءة حداد. وخلف النزاع على الاسم قصة أخرى: كيف تعاملت آلة صُمّمت لحروف لاتينية منفصلة مع خط عربي يتصل حرفه بما قبله وما بعده ويتغير شكله حسب موضعه في الكلمة، ولماذا لم تنتشر الآلة فعلاً إلا بعد عشرين سنة من اختراعها.
من اخترع الآلة الكاتبة العربية فعلاً؟
الوثائق تقول إن سليم حداد أول من سجّل براءة. والرواية العائلية تقول إن فيليب واكد أول من كتب بالعربية على آلة. كل طرف يمسك ورقة، ولهذا بقي السؤال مفتوحاً أكثر من قرن.
قدّم حداد طلبه الأصلي في 12 أغسطس 1899، ثم فصل منه طلباً مستقلاً في 13 أكتوبر من السنة نفسها، وبهذا الطلب صدرت البراءة الأمريكية رقم 637,109 في 14 نوفمبر 1899 بعنوان «حروف للآلات الكاتبة أو المطابع». وتنسب إليه موسوعة ويكيبيديا أول براءة اختراع لآلة كاتبة بلوحة مفاتيح عربية، وتصفه بأنه «فنان ومخترع سوري».
حصل واكد هو الآخر على براءة باسمه في الفترة نفسها تقريباً، وعثر حفيد حفيده وليد واكد على وثائق براءة أمريكية تخص اختراعه. أما ترتيب الأحداث بين الرجلين فالمصادر مختلفة فيه: بعضها يجعل براءة واكد لاحقة لبراءة حداد، وبعضها يقول إن واكد طبع أول خطاب بالعربية قبل أن يسجّل حداد براءته. ولا يوجد حتى الآن مصدر موثّق يحسم هذه النقطة.
حلقة بودكاست «كيرنينغ كلتشرز» التي خصّصها للخصومة بعنوان «حكاية مخترعَين» (A Tale of Two Inventors)، ومدتها 29 دقيقة و45 ثانية، خرجت بنتيجة متوازنة: لكل من الرجلين حق مبرَّر في اللقب، وكلاهما أثبت أن الآلة الكاتبة العربية تصلح للنجاح التجاري.
من هو سليم شبلي حداد ومن هو فيليب واكد؟
حداد رسام شامي الأصل عاش في القاهرة. وواكد بيروتي المولد استقر فيها هو الآخر. كلاهما جاء من خارج مصر وجعل القاهرة قاعدته، وكلاهما اشتغل في تجارة الآلات الكاتبة.
اشتهر حداد أولاً بالريشة، ورسم عام 1897 صورة سلاطين باشا، وتقول بعض المصادر إنه رسم لملك ذلك الزمان. ثم انتقل إلى الحروف. في أغسطس 1904 كان في الولايات المتحدة يروّج لآلته، وقال لصحيفة نيويورك تايمز إنه أمضى خمس سنوات في العمل عليها، وإنها تُصنع في أمريكا، وإن المحاولات السابقة لآلة كاتبة عربية لم تنجح. وذكرت الصحف الأمريكية وقتها أنه كان في واشنطن ليرتّب إهداء نموذج إلى سلطان تركيا عبر السفارة العثمانية، وأن آلة أخرى ستذهب إلى خديوي مصر.
واكد المعلومات عنه أقل. وُلد في بيروت عام 1871، وتصفه بعض المصادر بأنه مصري، وعمل وكيلاً للآلات الكاتبة في القاهرة. عائلته هي التي حملت روايته عبر الأجيال، وهي التي قدّمت الوثائق التي يستند إليها أنصاره اليوم.
وفي الصحافة العربية رواية ثالثة نشرتها صحيفة عكاظ في 29 سبتمبر 2025، تقول إن الرجلين صمّما الآلة معاً عام 1914 وسمّياها «حداد». هذه الرواية لا تتفق مع وثائق براءة 1899، وتشير مدونة oz.Typewriter المتخصصة إلى أن مصادر كثيرة تجعل الرجلين شريكين في لوحة مفاتيح 1914، بينما تدل البراءات الأمريكية ومقابلة حداد عام 1904 على أنه عمل وحده.
كيف حُلّت مشكلة الحروف المتصلة وأشكال الحرف الأربعة؟
حلّ حداد المشكلة بخطوتين: وحّد مستوى نقاط الاتصال بين الحروف على خط أفقي واحد، ودمج أشكال الحرف الأربعة في شكلين. والنتيجة أن عدد الأشكال المطلوبة انخفض من نحو 638 إلى 58 شكلاً فقط، بحسب ما كتبه في براءته.
الأرقام توضح حجم المشكلة. تقول وثيقة البراءة إن الأبجدية العربية الشائعة كانت تحتاج إلى نحو 638 شكلاً، لأن لكل حرف أربع صور: في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي آخرها، ومنفرداً. هذا العدد مقبول في المطبعة حيث يرصّ العامل الحروف يدوياً، لكنه مستحيل على آلة تتسع لوحة مفاتيحها لعدد محدود من الأزرار.
الخطوة الأولى هندسية. وضع حداد نقاط الاتصال كلها على خط واحد فوق خط القاعدة بقليل، فإذا ضغط الكاتب على حرف ثم على الذي يليه وتحركت الآلة في خط مستقيم، التقى طرف الحرف الأول بطرف الثاني أفقياً وبدت الكلمة متصلة. الخطوة الثانية تخص الشكل: صار شكل واحد للحرف يخدم أول الكلمة ووسطها، وشكل آخر يخدم آخرها والحرف المنفرد. أما حروف مثل الألف والدال والراء والواو، التي لا تتصل بما بعدها، فبقي لها شكل واحد في المواضع الأربعة.
بقيت مشكلة الاتجاه. تقول الصحف الأمريكية إن أسطوانة آلة حداد كانت تتحرك من اليسار إلى اليمين، عكس الآلات الأمريكية، حتى تكتب من اليمين كما تُكتب العربية. وذكرت صحف 1904 أن الآلات المصنوعة لسوريا ستستخدم أبجدية من 53 حرفاً رتّبها حداد.

هل رأى الرجلان النموذج نفسه في معرض شيكاغو 1893؟
هذا احتمال قوي، لكنه غير موثّق. يرجّح أحمد الليثي، مدير مكتب نقل التكنولوجيا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن الرجلين شاهدا نموذجاً أولياً بدائياً في معرض شيكاغو العالمي (المعرض الكولومبي) عام 1893، ثم طوّر كل منهما نموذجاً أفضل بمعزل عن الآخر.
مجلة إيجيبشن ستريتس تذهب أبعد قليلاً، فتقول إن واكد وحداد حضرا المعرض كلاهما، وإن اختراعيهما كانا على الأرجح نسختين مطوّرتين من نموذج عُرض هناك. والمجلة نفسها تستخدم كلمة «على الأرجح»، فالفكرة تبقى قراءة للأحداث وليست حقيقة مسجّلة.
لو صحّ هذا الاحتمال فهو يفسّر أشياء كثيرة. رجلان من المدينة نفسها يعملان في التجارة نفسها، ويصلان إلى الفكرة في السنة نفسها، وكل منهما مقتنع بصدق أنه صاحبها. في هذه الحالة لم يسرق أحدهما الآخر. كل واحد طوّر بذرة رآها في المكان نفسه، والخلاف على الأولوية كان شبه محتوم.
ولم يكن الرجلان وحدهما في هذا الميدان. في 1899 نفسها صمّم آرثر غيست وإرنست ريتشموند حروفاً عربية للآلة الكاتبة وحصلا على البراءة الأمريكية رقم 639379، وفي 1908 أطلقت شركة بليكنسدرفر طرازها «أورينتال» بعجلة حروف عربية. أي إن فكرة الآلة العربية كانت موجودة في أكثر من مكان في ذلك الوقت.

لماذا وصلت الخصومة إلى صفحات الأهرام عام 1939؟
لأن أحداً لم يحسمها في حياة الرجلين، فانتقلت إلى العائلتين. ادّعى كل من واكد وحداد أنه وحده مخترع آلة الكتابة العربية، وورثت العائلتان الادعاء، إلى أن نشرت الأهرام عام 1939 سلسلة مقالات أثارت جدلاً حاداً حوله.
بين 1899 و1939 أربعون سنة، وفي هذه المدة تغيّر وضع الآلة نفسها. في البداية كانت تحفة تُهدى إلى السلطان والخديوي، وفي النهاية صارت أداة تُشترى بالجملة للدواوين والشركات. وحين يصبح لاختراع سوق، يصبح للقب «المخترع» قيمة معنوية وتجارية في الوقت نفسه.
ساعد على استمرار الخلاف أن الرجلين كانا يعملان في السوق نفسها. عام 1914 كيّف حداد لوحة مفاتيحه لآلة «مونارك» التي كان يحمل توكيلها في القاهرة، بعد أن صمّمها أولاً لآلة «نيو سينشري»، بحسب مجلة Typewriter Topics في عددها الصادر في يناير 1915. وكان واكد وكيلاً لآلات كاتبة أخرى في المدينة. لم يكن النزاع على التاريخ وحده، فقد كان كل منهما يبيع آلاته لزبائن يمكن أن يشتروا من الآخر.

ماذا حدث حين انتهت البراءتان سنة 1919؟
سقط الاحتكار وبدأ الإنتاج الواسع. تذكر ويكيبيديا أن براءتَي حداد وواكد انتهتا عام 1919، وأن ذلك فتح الباب لإنتاج الآلة الكاتبة العربية على نطاق واسع في مصر وخارجها.
حتى ذلك الوقت كانت الآلة محمية باسمَي صاحبيها. وبعد 1919 صار لأي مصنع الحق في أن يبني عليها دون إذن. وهنا خسر الرجلان الحق الحصري، لكن الفكرة كسبت الانتشار.
ومع ذلك احتاج الانتشار وقتاً طويلاً. تقول عكاظ إن دخول الآلة الكاتبة العربية إلى الدوائر الحكومية والبنوك والمدارس العربية استغرق نحو ثلاثة عقود، لأن المصانع الغربية وجدت صعوبة في تصنيع آلات تكتب في اتجاه معاكس للإنجليزية. فخطوط الإنتاج كانت مبنية على اتجاه واحد، وكان تعديلها يكلّف كثيراً.
أثر حداد ظاهر في البراءات اللاحقة. فقد استُشهد ببراءته لعام 1899 في براءات تالية، منها آلة لين يوتانغ الكاتبة الصينية عام 1946، وتصميم سيد خليل لشركة رويال ماكبي عام 1957. ويرى كاتب مدونة oz.Typewriter أن لوحة مفاتيح حداد تكاد تطابق لوحة آلة أوليمبيا SM5 لعام 1964، وهو ما يعني أن ترتيب الحروف الذي وضعه رسام في القاهرة ظل مستخدماً بعد صدوره بأكثر من ستين عاماً.
أهم النقاط
- سجّل سليم شبلي حداد أول براءة معروفة لحروف آلة كاتبة عربية: البراءة الأمريكية رقم 637,109، وصدرت في 14 نوفمبر 1899.
- تقول عائلة فيليب واكد، المولود في بيروت عام 1871، إنه مخترع الآلة وأول من كتب بها وثيقة بالعربية.
- خفّض حداد عدد أشكال الحروف من نحو 638 إلى 58 شكلاً، فشكل واحد يخدم أول الكلمة ووسطها، وآخر يخدم آخرها والحرف المنفرد.
- وضع نقاط اتصال الحروف كلها على خط واحد فوق القاعدة بقليل.
- أن يكون الرجلان رأيا نموذجاً أولياً في معرض شيكاغو 1893 ترجيح لم يُوثَّق.
- ورثت العائلتان الخصومة، ووصلت عام 1939 إلى سلسلة مقالات في الأهرام.
- انتهت البراءتان عام 1919 فبدأ الإنتاج الواسع، لكن انتشار الآلة في الحكومات والبنوك احتاج نحو ثلاثة عقود.
أسئلة شائعة
متى ظهرت أول آلة كاتبة عربية؟
عام 1899 في القاهرة. قدّم سليم حداد طلب براءته الأصلي في 12 أغسطس 1899، وصدرت البراءة في 14 نوفمبر من السنة نفسها.
هل كان سليم حداد وفيليب واكد شريكين؟
بعض المصادر، ومنها صحيفة عكاظ، تقول إنهما صمّما الآلة معاً عام 1914. لكن البراءات الأمريكية ومقابلة حداد مع نيويورك تايمز عام 1904 تدل على أنه عمل وحده، وأن العلاقة بينهما كانت منافسة وليست شراكة.
كم حرفاً كانت تحتوي لوحة مفاتيح حداد؟
ذكرت الصحف الأمريكية عام 1904 أن الآلات المصنوعة لسوريا ستستخدم أبجدية من 53 حرفاً رتّبها حداد. أما براءته فتتحدث عن 58 شكلاً تكفي لكتابة العربية كلها.
لماذا تأخر انتشار الآلة الكاتبة العربية؟
لأن المصانع الغربية وجدت صعوبة في تصنيع آلات تكتب من اليمين إلى اليسار، عكس الإنجليزية. ولذلك استغرق دخولها إلى الحكومات والبنوك والمدارس العربية نحو ثلاثة عقود.
هل أثّرت آلة حداد في آلات كاتبة لغات أخرى؟
نعم. استُشهد ببراءته في براءة آلة لين يوتانغ الكاتبة الصينية عام 1946، وفي تصميم سيد خليل لشركة رويال ماكبي عام 1957.
هل سبقت حداد محاولات أخرى؟
قال حداد نفسه عام 1904 إن المحاولات السابقة لم تنجح. وفي السنة نفسها التي صدرت فيها براءته، 1899، حصل آرثر غيست وإرنست ريتشموند على براءة أمريكية لحروف عربية برقم 639379.
الخلاصة
من يبحث عن اسم واحد يكتبه في خانة «مخترع الآلة الكاتبة العربية» سيجد أن الوثائق المتاحة لا تسمح بذلك. الثابت أن براءة سليم حداد أقدم براءة موثّقة، وأن حلّه لمشكلة الحروف المتصلة انتقل إلى آلات صدرت بعده بعقود. والثابت أيضاً أن لفيليب واكد براءة ورواية عائلية متماسكة لم يدحضها أحد. والمتاح لمن يريد حسم المسألة هو الأرشيف: مقالات الأهرام عام 1939، وسجلات البراءات البريطانية، ووثائق عائلة واكد. ولم يُنشر أي منها كاملاً حتى الآن. وإلى أن يُنشر، فالأدق أن يُذكر الرجلان معاً، ومعهما تاريخ 1919، السنة التي انتهت فيها البراءتان وصارت الآلة متاحة لكل من يريد أن يصنعها.