يعني فوز لولا دا سيلفا لمصر أن التبادل التجاري بين مصر والبرازيل، أكبر مورّد للذرة إلى السوق المصرية، سيجري أربع سنوات أخرى تحت حكم رئيس يراهن على شراكات الجنوب وعلى مجموعة بريكس، ويقف في قضايا الشرق الأوسط قريباً من موقف القاهرة. وأقرب أثر لهذا الفوز على المواطن المصري سيظهر في أسعار الأعلاف والدواجن، وتأثيره هناك أكبر من أثره في القاعات الدبلوماسية.
فاز لولا في جولة الإعادة يوم الأحد 25 أكتوبر 2026 على السيناتور فلافيو بولسونارو، وحصل على نحو 51.8% من الأصوات الصحيحة مقابل 48.2% بحسب فرز المحكمة الانتخابية العليا. والفارق ليس كبيراً، لكنه يكفي ليبدأ الرجل ولاية رئاسية رابعة وهو على وشك إتمام 81 عاماً.
ومن القاهرة تبدو الأرقام أهم من الشعارات. ففي 2024 أصبحت مصر أكبر مشترٍ للذرة البرازيلية في العالم، والبرازيل تمد مصر بنحو نصف ما تستورده من هذه السلعة. لذلك يهم المصريين أن يعرفوا من يحكم برازيليا، وبأي سياسة خارجية وتجارية سيحكم.
كيف فاز لولا بعد أن كان متأخراً في الجولة الأولى؟
فاز لولا لأنه قلب تأخره في الجولة الأولى إلى تقدم في الإعادة. ففي 4 أكتوبر 2026 حصل على 45% مقابل 47% لفلافيو بولسونارو، بفارق نحو 2.2 مليون صوت، ثم عاد بعد ثلاثة أسابيع وحسم السباق.
وجاءت الجولة الأولى بنسبة امتناع مرتفعة، إذ لم يصوّت أكثر من 33 مليوناً من نحو 160 مليون ناخب. وكان هذا الخزان من الأصوات الغائبة هو ساحة المعركة الحقيقية في الإعادة. وفي يوم الإعادة مدّ قاضي المحكمة العليا كريستيانو زانين التصويت ساعتين في أنحاء البلاد بطلب من الحملتين، وهو قرار قد يطعن عليه معسكر بولسونارو أمام القضاء، ولذلك يبقى الملف القانوني مفتوحاً حتى إشعار آخر.
وكان الاستقطاب بين المرشحين خارجياً بقدر ما كان داخلياً. فلولا من أشد منتقدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية مرتفعة على الصادرات البرازيلية، أما فلافيو بولسونارو فبنى حملته على قربه من البيت الأبيض. ويعني هذا للقاهرة أن البرازيل ستواصل البحث عن أسواق وشركاء بعيداً عن واشنطن، ومصر من الأسواق المرشحة.
وتبدأ الولاية الجديدة في 5 يناير 2027. ولولا يعرف المنطقة العربية جيداً، فقد حكم البرازيل من 2003 إلى 2010، ثم عاد في 2022 بفوز ضئيل على جايير بولسونارو، والد منافسه الحالي.
ما حجم التبادل التجاري بين مصر والبرازيل؟
بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 4.919 مليار دولار في 2024 بحسب التمثيل التجاري المصري، مقابل نحو 2.8 مليار دولار في 2023، أي بزيادة 75.1% في عام واحد.
لكن الرقم الإجمالي يخفي خللاً واضحاً. فقد استوردت مصر من البرازيل في 2024 ما قيمته نحو 3.9 مليار دولار، ولم تتجاوز صادراتها إليها نحو 940.5 مليون دولار. والنتيجة عجز تجاري كبير لغير صالح مصر، فمقابل كل دولار تبيعه القاهرة للبرازيل تشتري منها بأربعة دولارات تقريباً.
واستقرت الأرقام في 2025 عند مستوى مرتفع. فبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت واردات مصر من البرازيل نحو 2.9 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2025، مقابل نحو 3 مليارات دولار في الفترة نفسها من 2024، بتراجع طفيف قدره 0.8%. أما بيانات UN COMTRADE التي ينشرها موقع Trading Economics، فتقدّر صادرات البرازيل إلى مصر في 2025 كاملاً بنحو 3.73 مليار دولار. ويعود الاختلاف بين الأرقام إلى اختلاف المصدر وطريقة الحساب، لكن الصورة واحدة: البرازيل شريك تجاري ثقيل الوزن، والميزان يميل إلى جهتها.
والاستثمار هو الحلقة الأضعف في العلاقة. فقد بلغت الاستثمارات البرازيلية في مصر نحو 34 مليون دولار حتى فبراير 2025، عبر قرابة 80 شركة. وهذا مبلغ متواضع جداً مقارنة بحجم التجارة، ويدل على أن البرازيل تعامل مصر حتى الآن سوقاً لبيع السلع أكثر منها وجهة للاستثمار.
ماذا تستورد مصر من البرازيل؟ وهل القمح من بينها؟
تستورد مصر من البرازيل في الأساس الذرة وفول الصويا ومستلزمات الأعلاف والسكر واللحوم والحيوانات الحية. وتمثل ثمانية بنود جمركية نحو 90% من هذه الواردات. أما القمح، الذي يتصدر النقاش العام في مصر، فليس السلعة الرئيسية في التجارة مع البرازيل. السلعة الأهم هنا هي الذرة.
وتبيّن أرقام الأشهر التسعة الأولى من 2025 اتجاه هذه التجارة. فقد ارتفعت واردات مصر من الحبوب البرازيلية بنسبة 87% إلى 1.081 مليار دولار، وزادت واردات اللحوم والأحشاء بنسبة 7.2% إلى 300.4 مليون دولار، وقفزت واردات الحيوانات الحية بنسبة 98.6% إلى 171.7 مليون دولار. وفي الاتجاه المعاكس تراجعت واردات السكر بنسبة 40.5% إلى 463.5 مليون دولار.
وقد بدأت هذه القفزة في 2024، حين ارتفعت صادرات الذرة البرازيلية إلى مصر بنسبة 174.2% لتصل إلى 1.103 مليار دولار، وبلغت الصادرات الزراعية البرازيلية إلى مصر 3.3 مليار دولار بزيادة 91.4%. وفي بيانات 2025 التي ينشرها Trading Economics تتصدر الحبوب القائمة بقيمة 1.56 مليار دولار، ثم السكر بنحو 582.6 مليون دولار، ثم اللحوم بنحو 447.7 مليون دولار.
ومن الجهة الأخرى، تتركز صادرات مصر إلى البرازيل في عدد محدود من البنود يمثل نحو 67.7% منها، أبرزها الجازولين والأسمدة الفوسفاتية واليوريا وقضبان الحديد والبولي بروبلين. وحصلت مصر على موافقات لتصدير الموالح والجوافة والمانجو إلى السوق البرازيلية، وهي فرصة مهمة لتقليص العجز إذا استُغلت فعلاً.
لماذا ترتبط أسعار الدواجن في مصر بالذرة البرازيلية؟
ترتبط بها لأن الذرة هي المكوّن الأساسي في أعلاف الدواجن، والبرازيل أكبر مورّد للذرة إلى مصر. وأي اضطراب في الشحنات البرازيلية أو في أسعارها يصل خلال أشهر إلى سعر كيلو الفراخ وطبق البيض.
واستحوذت البرازيل على 48% من واردات مصر من الذرة حتى سبتمبر 2025، بعد أن كانت حصتها 55% في 2024. وتأتي بعدها الأرجنتين بنسبة 24%، ثم أوكرانيا بنسبة 17%، والولايات المتحدة بنسبة 8%. وانخفاض الحصة البرازيلية قليلاً يعني أن القاهرة توزع مشترياتها على أكثر من مورد، لكن البرازيل ما زالت المورد الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
والطلب المصري مستمر في الصعود. فشركة S&P Global تقدّر أن تصل واردات مصر من الذرة إلى 9.5 مليون طن في موسم 2025/2026، وأن يرتفع الاستهلاك المحلي إلى 17 مليون طن بدفع من توسع قطاع الدواجن. ومعنى ذلك أن أكثر من نصف الذرة التي تستهلكها مصر يأتي من الخارج، وأن أكبر جزء من هذه الواردات يُشحن من الموانئ البرازيلية.
ولا يحدد فوز لولا وحده سعر الذرة. فالسعر يتحكم فيه المحصول والطقس والشحن وسعر صرف الدولار في مصر. ما يقدمه الفوز هو قدر من الاستقرار السياسي: حكومة برازيلية تتعرض لضغط جمركي أمريكي ستكون أكثر حرصاً على عملائها الكبار في الجنوب، ومصر في مقدمتهم. وهذه قراءة تحليلية، لا وعد بأسعار أقل.
ما دور بريكس في العلاقة بين القاهرة وبرازيليا؟
توفر بريكس للبلدين منصة سياسية ومالية مشتركة. فالبرازيل من الأعضاء المؤسسين، وانضمت مصر رسمياً يوم الاثنين 1 يناير 2024 مع إيران والسعودية والإمارات وإثيوبيا، بعد أن دُعيت في قمة جوهانسبرغ في أغسطس 2023.
وأحدث محطة كانت القمة الثامنة عشرة في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 برئاسة الهند. ومثّل مصر فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومثّل البرازيل وزير الخارجية ماورو فييرا. واعتمدت القمة «إعلان نيودلهي» الذي انتقد الرسوم الجمركية الأحادية ودعم التسوية بالعملات المحلية، دون أن يقر عملة موحدة. وتتولى الصين رئاسة المجموعة في 2027.
وتهم مسألة العملات المحلية مصر مباشرة. فالقاهرة تدفع ثمن الذرة واللحوم البرازيلية بالدولار، ونقص العملة الصعبة يرفع تكلفة الاستيراد على الجميع. وأي آلية داخل بريكس تسمح بتسوية جزء من التجارة بعملات أخرى قد تخفف الضغط على الدولار، لكنها ما زالت حتى الآن فكرة على الورق أكثر منها نظاماً قائماً.
والمسار المالي حاضر كذلك. فمصر عضو في بنك التنمية الجديد التابع لبريكس ومقره شنغهاي، وقد أُعلن قبولها في التوسعة الأولى للبنك في ديسمبر 2021، أي قبل عضويتها الكاملة في المجموعة. ورئيس برازيلي متحمس لبريكس مثل لولا سيدفع على الأرجح نحو توسيع دور البنك وأدوات التمويل البديلة، وهذا يصب في مصلحة دولة مثل مصر تبحث عن مصادر تمويل متنوعة.
ما موقف لولا من الشرق الأوسط وغزة وإيران؟
لولا من أكثر قادة العالم انتقاداً للحرب الإسرائيلية على غزة، ويقول صراحة إنه لا سلام دون دولة فلسطينية. وهذا موقف يتقاطع إلى حد بعيد مع الخطاب المصري الرسمي.
وقد ظهر هذا التقارب في القاهرة نفسها. ففي 15 فبراير 2024 زار لولا مصر والتقى الرئيس السيسي في قصر الاتحادية، في أول زيارة لرئيس برازيلي منذ نحو 20 عاماً. واتفق الرئيسان على ضرورة وقف إطلاق النار في غزة وإدخال المساعدات، ورفعا العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، في عام صادف مرور 100 عام على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وفي الشهر نفسه أعلنت إسرائيل لولا «شخصاً غير مرغوب فيه»، بعد أن وصف حربها على غزة بالإبادة الجماعية وشبّهها بما فعله هتلر باليهود، فاستدعت البرازيل سفيرها من تل أبيب للتشاور. ثم قدّمت البرازيل في سبتمبر 2025 إعلان تدخل رسمياً أمام محكمة العدل الدولية بموجب المادة 63، دعماً لدعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.
واختارت حكومته في الملف الإيراني لغة التهدئة. يوم السبت 28 فبراير 2026 أدانت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على أهداف إيرانية، ودعت إلى أقصى درجات ضبط النفس. وذكّرت بأن الضربات جاءت في أثناء مسار تفاوضي، وصفته بأنه «الطريق الوحيد الممكن للسلام». ولو فاز فلافيو بولسونارو، القريب من واشنطن، لكانت البرازيل على الأرجح أقرب إلى المواقف الأمريكية والإسرائيلية. أما مع لولا فتحتفظ القاهرة بصوت مؤيد لها في أمريكا اللاتينية وداخل بريكس.
أهم النقاط
- فاز لولا يوم الأحد 25 أكتوبر 2026 بنحو 51.8% مقابل 48.2% لفلافيو بولسونارو، وتبدأ ولايته الرابعة في 5 يناير 2027.
- بلغ التبادل التجاري بين مصر والبرازيل نحو 4.919 مليار دولار في 2024، منه نحو 3.9 مليار واردات مصرية.
- الذرة هي السلعة الأهم في هذه التجارة، وليس القمح: البرازيل وفرت 48% من واردات مصر من الذرة حتى سبتمبر 2025.
- أسعار الأعلاف والدواجن في مصر هي القناة التي يصل منها الأثر البرازيلي إلى المستهلك.
- الاستثمارات البرازيلية في مصر لا تتجاوز نحو 34 مليون دولار عبر قرابة 80 شركة، وهو رقم ضئيل قياساً بحجم التجارة.
- داخل بريكس يدعم البلدان التسوية بالعملات المحلية، وقد أكدها «إعلان نيودلهي» في سبتمبر 2026 دون إقرار عملة موحدة.
- موقف لولا من غزة وإيران قريب من الموقف المصري، ووصل الأمر إلى أن أعلنته إسرائيل شخصاً غير مرغوب فيه في فبراير 2024.
أسئلة شائعة
متى يتسلم لولا ولايته الرئاسية الجديدة؟
تبدأ الولاية الجديدة في 5 يناير 2027. وهي الولاية الرابعة للولا بعد فترتيه بين 2003 و2010، وولايته التي بدأت بعد فوزه في 2022.
هل توجد اتفاقية تجارة حرة بين مصر والبرازيل؟
نعم، عبر اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتكتل ميركوسور الذي يضم البرازيل. وقّعها الطرفان في 2010 ودخلت حيز التنفيذ في سبتمبر 2017، وتنص على تخفيض الجمارك تدريجياً على مدى يصل إلى 10 سنوات.
هل ستنخفض أسعار الدواجن في مصر بعد فوز لولا؟
لا يوجد ما يضمن ذلك، لأن أسعار الدواجن تتأثر بسعر الذرة العالمي والشحن وسعر الدولار في مصر. ما يقدمه فوز لولا هو استمرار علاقة مستقرة مع أكبر مورد للذرة لمصر، وهذا يقلل احتمالات الاضطراب ولا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار.
ماذا تصدّر مصر إلى البرازيل؟
أبرز الصادرات المصرية الجازولين والأسمدة الفوسفاتية واليوريا وقضبان الحديد والبولي بروبلين، وتمثل هذه البنود نحو 67.7% من الصادرات. وحصلت مصر أيضاً على موافقات لتصدير الموالح والجوافة والمانجو إلى السوق البرازيلية.
هل يمكن الطعن على نتيجة الانتخابات البرازيلية؟
قد يطعن معسكر بولسونارو أمام القضاء على قرار القاضي كريستيانو زانين مد التصويت ساعتين، رغم أن المد جاء بطلب من الحملتين. وحتى الآن تبقى النتيجة المعلنة من المحكمة الانتخابية العليا هي فوز لولا.
هل البرازيل مورد رئيسي للقمح إلى مصر؟
لا. أرقام التجارة تبيّن أن البرازيل مورد رئيسي للذرة وفول الصويا والسكر واللحوم، أما القمح فتستورده مصر في الأساس من موردين آخرين. لذلك يظهر أثر البرازيل على مائدة المصريين في الدواجن والأعلاف أكثر مما يظهر في رغيف الخبز.
الخلاصة
بالنسبة للمستهلك المصري، يظهر أثر الفوز في سعر الذرة المستوردة. وفوز لولا يجعل التوقعات هنا أوضح: رئيس يواجه رسوماً أمريكية مرتفعة، ويحتاج إلى أسواق الجنوب، وينظر إلى مصر شريكاً في بريكس وفي ملف غزة. لكن الفرصة الحقيقية للقاهرة ليست في استمرار الشراء، فالعجز التجاري واضح والاستثمار البرازيلي لا يتجاوز 34 مليون دولار. المطلوب في السنوات الأربع المقبلة ثلاثة أمور. أولها الاستفادة من موافقات تصدير الموالح والمانجو والجوافة. والثاني أن تستغل مصر الاقتراب من نهاية جدول التخفيضات الجمركية في اتفاقية ميركوسور. أما الثالث فمكانه بريكس: أن تدفع القاهرة، قبل رئاسة الصين للمجموعة في 2027، نحو آلية عملية لتسوية جزء من فاتورة الغذاء بغير الدولار. والموعد المهم الذي ينبغي متابعته هو 5 يناير 2027، يوم تشكيل الحكومة البرازيلية الجديدة وإعلان أولوياتها التجارية.