يوم السبت 31 أكتوبر 2026 اتهم السودان إثيوبيا رسمياً بالمشاركة في هجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت حيوية داخل أراضيه، وقال إن مطار «أصوصا» في غرب إثيوبيا يُستخدم منصةً لإطلاق هذه المسيّرات وقاعدةً لتوصيل السلاح والعتاد لقوات الدعم السريع. وفي اليوم نفسه أصدرت الخارجية المصرية بياناً يدين تصاعد هجمات المسيّرات في السودان، ويطالب دول الجوار بوقف تدفق السلاح إلى «ميليشيا الدعم السريع»، لكنه لم يذكر إثيوبيا بالاسم.
البيان المصري قصير، وتوقيته يقول الكثير. أصوصا مدينة صغيرة لا يعرفها أغلب المصريين، وهي عاصمة إقليم بني شنقول-جوموز، الإقليم نفسه الذي بنت فيه إثيوبيا سد النهضة. لذلك لم تقرأ القاهرة الاتهام السوداني كخلاف حدودي بين جارين، بل كإشارة إلى أن حرب السودان تقترب من أكثر نقطة حساسة في الحسابات المصرية: منبع النيل الأزرق.
تبدأ الحكاية من مطار تُبنى فيه حظيرة طائرات جديدة، وتمر بمعسكر تدريب على بعد كيلومترات من الحدود، ومدن سودانية أصابت الضربات محطات الكهرباء والمياه فيها، ثم تصل إلى سؤال يشغل صانع القرار في القاهرة: ماذا لو صار الجار الجنوبي ساحة مفتوحة لحرب يديرها آخرون؟
ماذا قال السودان بالضبط عن مطار أصوصا والمسيّرات؟
قالت الخرطوم إن إثيوبيا تشارك في الهجمات بالمسيّرات على السودان، وإن مطار أصوصا يعمل منصة إطلاق وقاعدة إمداد بالسلاح لقوات الدعم السريع. ونقل الاتهام وكيل وزارة الخارجية السفير معاوية عثمان خالد، بعد إحاطة قدّمتها الوزارة مع الأجهزة الأمنية للبعثات الدبلوماسية المعتمدة في السودان.
ذهب وكيل الخارجية أبعد من مسألة المطار. قال إن إثيوبيا تسهّل دخول مقاتلين أجانب ومرتزقة، واتهمها بخوض «حرب بالوكالة» لصالح أطراف ودول في المنطقة لم يسمّها، مستخدمةً الدعم السريع أداةً لذلك. وأضاف أن الخرطوم متمسكة بخفض التصعيد والحل الدبلوماسي، لكنها تحتفظ بحق الرد وفق القانون الدولي. الباب مفتوح للتفاوض إذن، والتلويح بالرد حاضر.
في الإحاطات الأمنية التي سبقت الإعلان، عرض المسؤولون السودانيون تفاصيل أكثر. قالوا إن المسيّرات تنطلق من قواعد في أصوصا وبحر دار ومن نقاط على الحدود السودانية، وتطير في مسارات بمحاذاة جنوب السودان، وإنها تشمل مسيّرات صينية الصنع وطرازَي «بيرقدار أكينجي» و«TB2» التركيين. أما عدد الهجمات فتختلف فيه الأرقام المتداولة باختلاف المصدر وطريقة العدّ، ولم يتحقق أي طرف مستقل من الرواية السودانية حتى الآن.
وبحسب الخرطوم، أصابت الضربات محطات كهرباء ومياه ومدارس ومستشفيات ومحطات وقود، ومن بين الأهداف مطار الخرطوم، وأوقعت مئات القتلى والجرحى. وتضم قائمة المدن التي قال السودان إنها استُهدفت الدمازين وسنار وكوستي وربك والكرمك والدندر والأبيض وبارا وأم روابة. وقال وزير الدفاع حسن داود كبرون إن أكثر من 20 دولة تدعم الدعم السريع.

لماذا يتجه الشك إلى أصوصا تحديداً؟
يتجه الشك إلى أصوصا لأن تحقيقاً صحفياً سابقاً رصد فيها أعمال إنشاء تخص المسيّرات، ووضعها على بعد عشرات الكيلومترات من معسكر لتدريب مقاتلي الدعم السريع. فالاتهام السوداني الأخير لم يأتِ من فراغ.
في 10 فبراير 2026 نشرت وكالة رويترز تحقيقاً عن معسكر سري في منطقة «منجي» بإقليم بني شنقول-جوموز، على بعد نحو 32 كيلومتراً من حدود السودان، يتدرب فيه مقاتلون للدعم السريع. وأشارت مذكرة أمنية إثيوبية، بحسب التحقيق، إلى نحو 4300 مقاتل في المعسكر مطلع يناير. ولم ترد الحكومة الإثيوبية على أسئلة الوكالة وقتها.
التحقيق نفسه ذكر أن مطار أصوصا يشهد منذ أغسطس 2025 أعمال إنشاء تشمل حظيرة طائرات جديدة، ومحطة تحكم أرضي للطائرات المسيّرة، وهوائياً للاتصال بالأقمار الصناعية، وأن الجيش الإثيوبي يخطط لتحويل المطار إلى مركز لعمليات المسيّرات. والمسافة بين المطار والمعسكر نحو 53 كيلومتراً فقط.
هذه المعطيات لا تثبت وحدها أن المسيّرات التي ضربت المدن السودانية أقلعت من أصوصا. لكنها تفسر لماذا اختارت الخرطوم هذا الاسم بالذات، ولماذا وجد الاتهام صدى سريعاً في عواصم المنطقة.

كيف ردّت إثيوبيا على اتهامات السودان؟
لم تعلّق إثيوبيا حتى الآن، بحسب الروايات المتاحة، على الاتهامات الأخيرة الخاصة بمطار أصوصا. لكنها رفضت من قبل اتهامات دعم الدعم السريع ووصفتها بأنها «لا أساس لها».
الأزمة الحالية لها سابقة قريبة. في مايو 2026 قال السودان إن مسيّرات انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي وضربت مطار الخرطوم الدولي يوم 4 مايو، فاستدعى سفيره من أديس أبابا للتشاور. وفي اليوم التالي، 5 مايو، ردت الخارجية الإثيوبية بأن الاتهامات «لا أساس لها»، وقلبت الطاولة باتهام الجيش السوداني بتقديم السلاح والمال لمقاتلي جبهة تحرير تيجراي.
هذا الاتهام المضاد مهم لفهم المشهد. فأديس أبابا تقدّم نفسها ضحيةً لتدخل سوداني في حربها الداخلية، لا طرفاً في حرب السودان. وبهذا يتحول الخلاف من سؤال واحد عن مطار إلى تبادل اتهامات بين بلدين يتهم كل منهما الآخر بدعم متمردين على أرضه.
ما علاقة مصر بالحكاية؟
دخلت مصر الحكاية من بابين: بيان يدين الهجمات ويطالب بوقف تدفق السلاح عبر دول الجوار، واتهام إثيوبي سابق لها بدعم مسلحين في شمال إثيوبيا. القاهرة إذن طرف في السجال، سواء أرادت ذلك أم لا.
في 31 أكتوبر 2026 أدانت الخارجية المصرية تصاعد هجمات المسيّرات على المنشآت المدنية والحيوية في السودان، ووصفتها بأنها «انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي الإنساني». وجدد البيان الدعوة إلى وقف تدفق السلاح إلى «ميليشيا الدعم السريع» عبر الدول المجاورة، وطالب دول الجوار باحترام سيادة السودان وعدم التدخل في شؤونه، ودعا إلى وقف إطلاق النار ووصول المساعدات وتسوية سياسية شاملة.
غياب اسم إثيوبيا عن البيان مقصود على الأرجح. القراءة التحليلية الأقرب أن القاهرة أرادت أن تقف مع الخرطوم في مضمون الاتهام، من دون أن تمنح أديس أبابا ذريعة لتصوير الأزمة على أنها مواجهة مصرية إثيوبية. فعبارة «الدول المجاورة» تكفي لإيصال الرسالة، وتترك مساحة للتهدئة.
وللحذر المصري سبب آخر. ففي 29 سبتمبر 2026 قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا إن إريتريا والسودان ومصر تدعم القوات التي سيطرت على مدن في شمال إثيوبيا. ورد المتحدث باسم الخارجية المصرية السفير نادر زكي بأن هذه الادعاءات «لا قيمة لها»، وأن مصر لا تتدخل في شؤون الدول. وفي الوقت نفسه رفض الجيش السوداني الادعاءات الإثيوبية، وقال إن لديه معلومات عن دعم الدعم السريع من الأراضي الإثيوبية بالتدريب والإمداد وتشغيل المسيّرات.
لماذا يقلق الملف أمن مصر المائي؟
يقلق الملف القاهرة لأن ساحة الاتهامات هي الإقليم الذي يقع فيه سد النهضة، ومصر تعتمد على النيل في نحو 90% من احتياجاتها من المياه العذبة. أي حرب قرب السد تعني خطراً مباشراً على أهم ملف استراتيجي لمصر.
افتتحت إثيوبيا سد النهضة رسمياً يوم الثلاثاء 9 سبتمبر 2025، بتكلفة نحو 5 مليارات دولار وقدرة 5150 ميجاوات عند اكتماله. ومنذ ذلك الحين تحوّل السد من مشروع قيد الإنشاء إلى أمر واقع على النيل الأزرق، وظل الخلاف المصري معه قائماً حول الإجراءات الأحادية وقواعد الملء والتشغيل.
الجغرافيا هنا شديدة القرب. بحسب تحقيق رويترز، يبعد معسكر منجي نحو 101 كيلومتر فقط عن سد النهضة، وأبدى مسؤولون قلقهم من احتمال تضرر السد إن وصل القتال إلى المنطقة. وأي سيناريو يمس منشأة بهذا الحجم على النهر سيكون له أثر على دولتي المصب، السودان ومصر.
وهناك قلق من نوع أهدأ. إذا تحوّل إقليم بني شنقول إلى قاعدة خلفية لحرب السودان، فإن التفاوض حول النيل يصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع ملف المياه. وهذا، في تقدير كثير من المحللين، سيصعّب أي مسار تفاوضي مستقبلي.

ماذا يعني ذلك لحدود مصر الجنوبية، وما الذي قد يحدث بعد ذلك؟
يعني ذلك أن الحرب التي تريد مصر حصرها داخل السودان قد تتوسع إقليمياً، وأن «الخطوط الحمراء» التي أعلنتها القاهرة قبل أقل من عام صارت تحت اختبار. فالسودان يشترك مع مصر في حدود طويلة، وأي انهيار لمؤسسات الدولة هناك ينعكس مباشرة على الأمن المصري.
في 18 ديسمبر 2025، بعد استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للفريق عبد الفتاح البرهان في قصر الاتحادية، أعلنت الرئاسة المصرية «خطوطاً حمراء» في السودان لأنها تمس الأمن القومي المصري: وحدة السودان وسلامة أراضيه، ورفض إنشاء كيانات موازية أو الاعتراف بها، وعدم المساس بمؤسسات الدولة. وأكدت مصر في البيان نفسه حقها في اتخاذ كل التدابير التي تكفلها اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان، وتناولت المباحثات الأمن المائي في حوض النيل ورفض الإجراءات الأحادية على النيل الأزرق.
الربط بين الملفين في بيان واحد يلخص طريقة تفكير القاهرة: وحدة السودان والنيل الأزرق قضية واحدة. وما يجري في ولاية النيل الأزرق السودانية، المتاخمة لإقليم بني شنقول، يوضح السبب. فقد سيطرت قوات الدعم السريع والحركة الشعبية (جناح الحلو) على مدينة الكرمك في 24 مارس 2026، ثم استعادها الجيش السوداني في 8 يوليو، وكان قد أعلن في 23 مايو اعتراض مسيّرة «أكينجي» قال إنها قادمة من إثيوبيا.
ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟ السيناريو الأقرب، تحليلياً، استمرار حرب البيانات والإحاطات من دون مواجهة مباشرة بين الدول، مع ضغط سوداني ومصري في المحافل الإقليمية والدولية لوقف الإمداد عبر الحدود. أما السيناريو الأخطر فهو أن يستخدم السودان حقه المعلن في الرد، أو أن يمتد القتال إلى المنطقة الحدودية القريبة من السد، وعندها سيجد الجميع، ومصر في مقدمتهم، أنفسهم أمام حسابات أكثر تعقيداً بكثير.
أهم النقاط
- يوم السبت 31 أكتوبر 2026 اتهمت الخارجية السودانية إثيوبيا بأن مطار أصوصا منصة لإطلاق المسيّرات وقاعدة لإمداد الدعم السريع بالسلاح.
- أصدرت مصر في اليوم نفسه بياناً يدين الهجمات ويطالب بوقف تدفق السلاح عبر دول الجوار، دون تسمية إثيوبيا.
- أصوصا عاصمة إقليم بني شنقول-جوموز، حيث يقع سد النهضة، وهذا سر حساسية الملف لمصر.
- تحقيق رويترز في فبراير 2026 رصد معسكراً لتدريب الدعم السريع على بعد نحو 101 كيلومتر من السد، وأعمال إنشاء للمسيّرات في مطار أصوصا منذ أغسطس 2025.
- إثيوبيا لم تعلّق بعد على الاتهام الأخير، وسبق أن وصفت اتهامات مماثلة بأنها «لا أساس لها».
- الأرقام السودانية عن عدد الهجمات وضحاياها لم يتحقق منها طرف مستقل.
- خطوط مصر الحمراء المعلنة في 18 ديسمبر 2025 تربط وحدة السودان بالأمن المائي في النيل الأزرق.
أسئلة شائعة
أين يقع مطار أصوصا؟
يقع في مدينة أصوصا، عاصمة إقليم بني شنقول-جوموز في غرب إثيوبيا، وهو إقليم محاذٍ للسودان. ويبعد المطار نحو 53 كيلومتراً عن معسكر منجي الذي تحدث عنه تحقيق رويترز.
هل اتهمت مصر إثيوبيا بشكل مباشر؟
لا. أدان البيان المصري هجمات المسيّرات وطالب بوقف تدفق السلاح إلى الدعم السريع عبر الدول المجاورة، لكنه لم يذكر إثيوبيا بالاسم.
ما أنواع المسيّرات التي قال السودان إنها استُخدمت؟
قال مسؤولون سودانيون إنها تشمل مسيّرات صينية الصنع، إضافة إلى طرازَي «بيرقدار أكينجي» و«TB2» التركيين. وأعلن الجيش السوداني في 23 مايو 2026 اعتراض مسيّرة أكينجي قال إنها قادمة من إثيوبيا.
هل هذه أول مرة يتهم فيها السودان إثيوبيا؟
لا. في مايو 2026 قال السودان إن مسيّرات انطلقت من مطار بحر دار وضربت مطار الخرطوم الدولي يوم 4 مايو، واستدعى سفيره من أديس أبابا للتشاور، فردت إثيوبيا بنفي الاتهامات.
هل يمكن أن يتضرر سد النهضة من هذه الحرب؟
أبدى مسؤولون، بحسب تحقيق رويترز، قلقهم من تضرر السد إذا وصل القتال إلى المنطقة، لأن معسكر التدريب يبعد عنه نحو 101 كيلومتر. لا توجد حتى الآن معلومات عن قتال قرب السد نفسه.
ما اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر والسودان التي ذكرتها القاهرة؟
هي اتفاقية تستند إليها مصر في تأكيد حقها في اتخاذ تدابير لدعم السودان. وذكّرت بها الرئاسة المصرية في 18 ديسمبر 2025 عند إعلان خطوطها الحمراء في السودان.
الخلاصة
بالنسبة للقارئ المصري، ما يجري في أصوصا شأن يقترب من بلده أكثر مما توحي به المسافة: الطرف الذي يتحكم في الأرض حول سد النهضة يؤثر في مستقبل التفاوض على النيل. وفي الأسابيع المقبلة تستحق ثلاث إشارات المتابعة. الأولى: هل ترد أديس أبابا رسمياً على اتهام أصوصا، أم تكتفي بالصمت أو بالاتهام المضاد كما فعلت في مايو؟ الثانية: هل تنقل الخرطوم الملف من الإحاطات الدبلوماسية إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي؟ الثالثة: هل تبقى القاهرة على صيغة «الدول المجاورة» أم تسمّي الأطراف؟ كل خطوة من هذه ستكشف إن كانت المنطقة تتجه إلى التهدئة أم إلى حرب أوسع تمتد إلى منبع النيل الأزرق.