وافق مجلس النواب المصري نهائياً اليوم، الاثنين 26 أكتوبر 2026، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي «باتخاذ ما يلزم بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية للدفاع عن أراضيها». يمنح هذا التفويض الرئيس الأساس الدستوري لإرسال قوات مصرية في مهمة قتالية خارج الحدود إذا تطلب الأمر، استناداً إلى المادة 152 من الدستور، لكنه ليس إعلان حرب على طرف بعينه، ولا يعني أن التدخل العسكري صار أمراً محسوماً.

جرى التصويت بالنداء بالاسم في جلسة سرية ترأسها المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب. وكانت هذه الجلسة الثالثة التي يناقش فيها النواب الملف، بعد جلستين يومي 18 و19 أكتوبر. وبدأ المسار كله قبل تسعة أيام فقط، يوم السبت 17 أكتوبر، حين طلب السيسي التفويض علناً في كلمته خلال حفل تخريج الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية المصرية.

عبارتا «تفويض البرلمان» و«البرلمان يوافق» من أكثر ما يبحث عنه الناس منذ صباح اليوم، والأسئلة كثيرة: ما الذي وافق عليه النواب بالضبط؟ ولماذا يحتاج الرئيس إلى موافقة البرلمان من الأساس؟ وهل تذهب القوات المصرية إلى اليمن؟ الإجابات موجودة في نص الدستور ولائحة المجلس، وفي سابقتين قريبتين: اليمن عام 2015 وليبيا عام 2020.

ما الذي وافق عليه مجلس النواب يوم 26 أكتوبر 2026 بالضبط؟

وافق المجلس على تفويض رئيس الجمهورية باتخاذ ما يلزم، بالتنسيق مع الرياض، للدفاع عن الأراضي السعودية. وبحسب ما نقلته قناة «الشرق»، يتيح التفويض للرئيس دعم المملكة في الدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها في مواجهة أي اعتداءات خارجية، «إذا تطلب الأمر وبعد التنسيق بين البلدين».

صياغة القرار مشروطة. فهو لا يحدد عدد القوات، ولا نوع المهمة، ولا مكانها، ولا مدتها، ويعلّق أي تحرك على شرطين: أن يتطلب الأمر ذلك، وأن يسبقه تنسيق مع السعودية. وكان السيسي قد قال يوم 17 أكتوبر إن الدعم العسكري سيكون «إذا طلبت المملكة ذلك»، وأكد أن مصر «لن تسمح بالمساس بأمن السعودية».

هذا النمط من التفويض المفتوح ليس جديداً على البرلمان المصري. فالصيغة تترك للرئيس والقيادة العسكرية تقدير التوقيت والحجم، وهو ما دفع عدداً من النواب خلال الجلسات السرية إلى طلب توضيحات بشأن طبيعة المهمة ونطاقها ومدتها.

ماذا يقول الدستور المصري عن إرسال القوات المسلحة خارج الحدود؟

تنص المادة 152 من الدستور على أن رئيس الجمهورية لا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. لذلك لم يكن السيسي يملك أن يتحرك منفرداً، وقال بنفسه إن الأمر «يتطلب تصديقاً من البرلمان».

وتعالج المادة نفسها الحالة التي لا يكون فيها البرلمان قائماً. ففي هذه الحالة يشترط الدستور أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وموافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني. أي أن القرار لا يُترك في أي ظرف لشخص واحد، وإن تغيّرت الجهات التي يجب الرجوع إليها.

الكلمة المفتاحية في النص هي «مهمة قتالية». فالدستور لا يقيّد أي نشاط عسكري في الخارج، وإنما يقيّد المهام القتالية وإعلان الحرب. ولهذا جاء الطلب الرئاسي هذه المرة في صورة تفويض يغطي احتمال القتال، حتى لو اقتصر الدور الفعلي في النهاية على مهام دفاعية.

نسخة من الدستور المصري على مكتب داخل مجلس النواب تشير إلى المادة 152
المادة 152 من الدستور تشترط موافقة ثلثي النواب لإرسال القوات للخارجرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

من يجب أن يوافق على إرسال القوات وبأي أغلبية؟

يلزم لإرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود أمران: رأي مجلس الدفاع الوطني، ثم موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. والمقصود ثلثا إجمالي أعضاء المجلس، لا ثلثا الحاضرين في الجلسة، وهذا يفسر لجوء المجلس إلى التصويت بالنداء بالاسم، حيث يُسجَّل صوت كل نائب على حدة.

الخطوة الأولى اكتملت يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، حين وافق مجلس الدفاع الوطني برئاسة السيسي على دعم السعودية. ويضم هذا المجلس رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية، إلى جانب كبار القادة العسكريين ورؤساء أجهزة الاستخبارات. وأعلن المجلس تضامنه الكامل مع المملكة، وقال إن أمنها القومي مرتبط بالأمن القومي المصري والعربي، ووصفها بأنها «قلب الأمة العربية».

أما الإجراءات داخل البرلمان فتنظمها المادة 130 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، التي تنص على أن يجري التصويت في جلسة سرية عاجلة بناءً على طلب رئيس الجمهورية، وبعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني. وطبّقت الأمانة العامة للمجلس ذلك سريعاً، فحددت جلسة طارئة في الواحدة ظهر الأحد 18 أكتوبر، أي بعد أقل من 24 ساعة على كلمة الرئيس.

سرية الجلسات تعني أن المناقشات التفصيلية لن تُنشر في المضابط العلنية. وما عرفه الرأي العام جاء من تصريحات نواب بعد الجلسات ومن بيانات أحزاب، ولذلك تتباين الروايات المنشورة حول أعداد المؤيدين والمعارضين، بينما الثابت أن القرار حصل على الأغلبية الدستورية المطلوبة.

ما الفرق بين تفويض البرلمان وإعلان الحرب رسمياً؟

التفويض موافقة مسبقة تمنح الرئيس الغطاء القانوني لاستخدام القوات إذا لزم الأمر، أما إعلان الحرب فهو قرار بالدخول في حالة حرب مع طرف محدد. المادة 152 تضع الأمرين تحت الشرط نفسه، أي موافقة ثلثي النواب، لكنها لا تجعلهما شيئاً واحداً.

قرار اليوم لا يسمّي عدواً. لا ذكر لإيران ولا لجماعة الحوثي في نص التفويض المنشور، وإنما حديث عن «الدفاع عن أراضي» السعودية في مواجهة «أي اعتداءات خارجية». الفرق جوهري سياسياً: إعلان الحرب يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع خصم معلن، بكل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية ودبلوماسية، بينما يبقي التفويض الباب مفتوحاً على كل الاحتمالات، من عدم التحرك إطلاقاً إلى إرسال قوات.

وبالتالي فإن الموافقة لا تعني أن جنوداً مصريين في طريقهم الآن إلى السعودية. هي ورقة دستورية في يد الرئيس، قد تُستخدم وقد لا تُستخدم، ويرتبط استخدامها بتطور الهجمات على المملكة وبطلب سعودي وتنسيق بين البلدين.

ماذا حدث في تفويضات سابقة مثل اليمن وليبيا؟

استخدمت مصر آلية التفويض مرتين على الأقل خلال العقد الماضي: في اليمن بدءاً من 2015، وفي ليبيا عام 2020. وفي الحالتين جاءت الصيغة واسعة، وتُركت التفاصيل للقيادة العسكرية.

في مارس 2015 لم يكن هناك برلمان قائم. فاعتمدت مشاركة القوات المصرية في التحالف العربي باليمن على المسار البديل الذي تحدده المادة 152: موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني. ثم مُددت المشاركة في أغسطس 2015 لستة أشهر. وبعد انعقاد البرلمان انتقل القرار إليه، فمدد مجلس النواب، مع موافقة مجلس الدفاع الوطني، مشاركة عناصر من القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود ضمن التحالف، في 14 يناير 2016 ثم في يناير 2017.

السابقة الثانية أقرب في صياغتها إلى قرار اليوم. ففي 20 يوليو 2020 وافق مجلس النواب، برئاسة علي عبد العال، في جلسة سرية وبإجماع النواب الحاضرين، على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج الحدود للدفاع عن الأمن القومي في «الاتجاه الاستراتيجي الغربي»، أي ليبيا، حتى انتهاء المهمة. ومنح القرار القوات المسلحة وقيادتها صلاحية تحديد زمان ومكان الرد على التهديدات.

الدرس من ليبيا مفيد لفهم ما يجري اليوم. فالتفويض الصادر عام 2020 لم يتحول إلى انتشار عسكري مصري واسع داخل الأراضي الليبية، وأدى في الأساس وظيفة الردع وإرسال رسالة سياسية واضحة. وهذا لا يعني أن تفويض السعودية سيسلك المسار نفسه بالضرورة، لكنه يوضح أن التفويض قد يؤدي غرضه دون أن تتحرك القوات فعلاً.

فرقاطة من البحرية المصرية في البحر الأحمر، تذكّر بتفويض اليمن عام 2015
مشاركة البحرية المصرية في تأمين البحر الأحمر بعد تفويض اليمن 2015الصورة: U.S. Navy photo by Mass Communication Specialist 2nd Class Tyrell K. Morris — ويكيميديا كومنز (Public domain)

لماذا طلب السيسي التفويض الآن وماذا يحدث بعد الموافقة؟

جاء الطلب بعد أن صعّدت جماعة الحوثي المدعومة من إيران هجماتها على السعودية، في ظل حرب أمريكية-إيرانية. وبحسب مجلة «نيولاينز»، قتلت ضربات الحوثيين بالمسيّرات على ثلاثة مطارات سعودية خلال شهر واحد 19 شخصاً على الأقل وأصابت 364، وألحقت أضراراً بمنشآت نفطية.

وللعلاقة المصرية السعودية حسابات إضافية. يشكّل المصريون نحو 11% من الأجانب المقيمين في السعودية، أي أن أي تهديد لأمن المملكة يمس مباشرة شريحة واسعة من الأسر المصرية. وعلى الجانب الاقتصادي، ذكرت «بلومبرغ» أن القاهرة تتفاوض مع الرياض على تجديد ودائع سعودية قيمتها 5.3 مليار دولار في البنك المركزي المصري، كانت مستحقة السداد في أكتوبر 2026.

داخل البرلمان لم تكن الصورة موحدة تماماً. أعلن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بحسب «نيولاينز»، موقفه بالامتناع عن التصويت، ودعا إلى إعطاء الأولوية للدبلوماسية وتجنب الالتزامات العسكرية التي تتجاوز ما تفرضه الضرورة الوطنية. في المقابل، قال النائب رضا عبد السلام إن أي دور مصري سيقتصر على حماية المنشآت الحيوية والمطارات ومحطات المياه والكهرباء، من دون إرسال قوات إلى اليمن. وقال النائب مصطفى بكري إن مصر ما زالت حريصة على حل سياسي. هذه التصريحات تعبّر عن قراءة أصحابها، ولا يحدد نص التفويض المنشور طبيعة المهمة.

خارجياً، جاء أول رد من الحوثيين. فقد حذّر القيادي في الجماعة محمد البخيتي من أن أي مشاركة مصرية مباشرة أو غير مباشرة ستُعد تواطؤاً في الحرب، ودعا شيخ الأزهر إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة من الدول العربية والإسلامية. أما الخطوة التالية فبيد الرئاسة: الغطاء الدستوري اكتمل، ويبقى التحرك الفعلي مرهوناً بطلب سعودي وتنسيق بين البلدين، وبتقدير القيادة لحجم التهديد.

الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي طلب تفويض البرلمان لدعم السعودية
السيسي طلب التفويض خلال حفل تخريج الأكاديمية العسكرية في 17 أكتوبرالصورة: Ministry of Communications and Information Technology in Egypt — ويكيميديا كومنز (CC BY 4.0)

أهم النقاط

  • وافق مجلس النواب نهائياً يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026 على تفويض السيسي، بأغلبية ثلثي الأعضاء وبالتصويت بالنداء بالاسم.
  • المادة 152 من الدستور تمنع إعلان الحرب أو إرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود إلا برأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي النواب.
  • التفويض ليس إعلان حرب، فهو لا يسمّي عدواً ويربط أي تحرك بطلب سعودي وتنسيق بين البلدين.
  • المسار كله استغرق تسعة أيام: طلب رئاسي في 17 أكتوبر، وموافقة مجلس الدفاع الوطني في 18 أكتوبر، وثلاث جلسات سرية آخرها اليوم.
  • سابقة ليبيا في 20 يوليو 2020 استخدمت الصيغة المفتوحة نفسها، وتركت للقوات المسلحة تحديد زمان ومكان الرد.
  • يرى بعض النواب أن الدور المصري قد يقتصر على حماية المنشآت الحيوية دون إرسال قوات إلى اليمن، لكن هذه قراءتهم وليست نصاً في القرار.

أسئلة شائعة

هل يعني تفويض البرلمان أن القوات المصرية ستذهب إلى اليمن؟

لا يذكر نص التفويض المنشور اليمن، ويتحدث عن الدفاع عن الأراضي السعودية بالتنسيق مع المملكة. وقال النائب رضا عبد السلام إن أي دور مصري سيقتصر على حماية المنشآت الحيوية دون إرسال قوات إلى اليمن، لكن هذا تصريح نائب وليس جزءاً من القرار.

هل للتفويض الجديد مدة زمنية محددة؟

لم تتضمن الصيغة المعلنة مدة محددة، وطلب عدد من النواب توضيحات في هذا الشأن خلال الجلسات السرية. أما في سابقة اليمن، فكانت المشاركة تُمدد على فترات بقرارات متتالية، مثل تمديدَي يناير 2016 ويناير 2017.

لماذا كانت جلسات التصويت سرية؟

لأن المادة 130 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب تنص على أن يجري التصويت على إرسال القوات في جلسة سرية عاجلة بناءً على طلب رئيس الجمهورية. وتتعلق هذه الجلسات عادة بمعلومات عسكرية وأمنية لا تُعرض علناً.

ما هو مجلس الدفاع الوطني ومن أعضاؤه؟

هيئة دستورية يرأسها رئيس الجمهورية، وتضم رئيس الوزراء ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والمالية وكبار القادة العسكريين ورؤساء أجهزة الاستخبارات. ويشترط الدستور أخذ رأيه قبل إرسال القوات في مهمة قتالية، وقد وافق على دعم السعودية يوم 18 أكتوبر 2026.

ماذا يحدث إذا احتاج الرئيس إلى إرسال قوات ولم يكن البرلمان قائماً؟

تشترط المادة 152 في هذه الحالة أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المسلحة وموافقة مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني. وهذا ما حدث في مارس 2015 عند المشاركة في التحالف العربي باليمن.

ما رد جماعة الحوثي على التفويض المصري؟

حذّر القيادي الحوثي محمد البخيتي من أن أي مشاركة مصرية مباشرة أو غير مباشرة ستُعد تواطؤاً في الحرب. ودعا في الوقت نفسه شيخ الأزهر إلى تشكيل لجنة وساطة وتهدئة من الدول العربية والإسلامية.

الخلاصة

أنهى تصويت اليوم الجانب الدستوري من الملف. أصبح لدى الرئيس الغطاء الذي تشترطه المادة 152، ولم يعد أي تحرك عسكري لدعم السعودية يحتاج إلى العودة للبرلمان، ما دام في حدود هذا التفويض. وهذا لا يعني أن القوات ستتحرك، فالتفويض موافقة مشروطة بطلب سعودي وتنسيق بين البلدين. ثلاثة مؤشرات ستكشف ما إذا كان التفويض سيبقى أداة ردع كما حدث في ليبيا عام 2020، أم سيتحول إلى انتشار فعلي: وتيرة هجمات الحوثيين على المطارات والمنشآت السعودية، وأي إعلان رسمي عن طلب سعودي، ومصير مبادرات التهدئة، ومنها دعوة الوساطة الموجهة إلى الأزهر. وفي القاهرة يبقى سؤال المدة والنطاق، الذي طرحه بعض النواب في الجلسات السرية، دون إجابة علنية حتى الآن، ومن المرجح أن يظل محور النقاش في الأسابيع المقبلة.