«اتفاق مكة» هو اتفاقية دفاع مشترك وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان يوم الجمعة 7 أغسطس 2026 في مكة المكرمة، وتنص على أن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً. واليوم، الاثنين 26 أكتوبر 2026، جلس ممثلو الحلف في طهران مع المسؤولين الإيرانيين، والهدف المعلن هو خفض التصعيد ودعم الوساطة التي تقودها قطر وباكستان.
قبل الاجتماع بساعات، وفي فجر اليوم نفسه، أعلن التحالف بقيادة السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه الرياض. وقال الحوثيون إنهم استهدفوا بمسيّرات محطات ضخ النفط على خط أنابيب شرق-غرب، ولم يصدر تأكيد سعودي لذلك. وكانت العاصمة السعودية قد عاشت قبلها أسابيع صعبة: بين 8 و25 أكتوبر أُلغيت 4071 رحلة منتظمة من أصل 4736 في مطار الملك خالد، أي نحو 86% منها، بحسب بيانات شركة سيريم.
في هذا التوقيت وصل وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران، ومعه قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يبحث عنه الناس: ما هذا الحلف الذي وُلد في مكة قبل أقل من ثلاثة أشهر؟ ولماذا يذهب قادته إلى عاصمة الدولة التي يتحالف معها الحوثيون؟
ما هو اتفاق مكة ومن أطرافه؟
اتفاق مكة، واسمه الرسمي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، حلف عسكري ثلاثي يضم السعودية وتركيا وباكستان. وقّعه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في قصر الصفا بمكة المكرمة، خلال «قمة مكة المكرمة للدفاع المشترك» يوم 7 أغسطس 2026، الموافق 24 صفر 1448هـ.
لم يبدأ الاتفاق في تلك القمة. ففي 17 سبتمبر 2025 وقّعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية ثنائية باسم «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك»، وجمعت هذه الاتفاقية أكبر اقتصاد عربي بالدولة الإسلامية الوحيدة التي تملك سلاحاً نووياً. وفي مطلع 2026 انضمت أنقرة إلى المشاورات، وأعدّت العواصم الثلاث مسودة اتفاق ثلاثي منفصل عن الاتفاق الثنائي.
الاسم مقصود. فقد اختارت الدول الثلاث مكة مكاناً للتوقيع وعنواناً للحلف، ويرى محللون في ذلك محاولة لإعطاء التحالف بُعداً إسلامياً جامعاً يفتح الباب لدول أخرى. وهذا ما قاله أردوغان صراحة حين وصف التحالف بأنه مفتوح لدول أخرى.
ماذا تقول بنود اتفاق مكة بالتحديد؟
تتكون الاتفاقية من 16 مادة، وأهمها المادة الثانية التي تعدّ أي هجوم مسلح خارجي على أحد الأطراف «هجوماً على الجميع»، وتستند في ذلك إلى حق الدفاع عن النفس الوارد في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. الصياغة تذكّر بالمادة الخامسة في ميثاق حلف الناتو، لكن التطبيق مختلف.
الفرق تشرحه المذكرة التفسيرية التركية: بند الدفاع الجماعي لا يُفعَّل تلقائياً. القرار يأتي بالتوافق بعد التشاور، ويُحدَّد حجم الدعم بعد تقييم الاحتياجات وفي حدود إمكانات كل دولة. معنى ذلك أن الرياض لا تستطيع أن تطلب من أنقرة أو إسلام آباد إرسال جيوشهما بمجرد تعرضها لهجوم، فالأمر يمر بمشاورات أولاً.
وللاتفاقية جانب صناعي واستخباراتي أيضاً. المادة السابعة تنظم الإنتاج الدفاعي المشترك والبحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، وتنظم المادتان التاسعة والعاشرة تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي بالأسلحة والذخائر والوقود. أما ما غاب عن النص فلافت أكثر: لا تنص الاتفاقية على «مظلة نووية»، مع أن باكستان تملك السلاح النووي.
وتنشئ الاتفاقية لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية تضم وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان وتجتمع مرتين سنوياً، وأمانة عامة مقرها السعودية يتناوب على رئاستها أمين عام كل ثلاث سنوات، وأولهم باكستاني. مدة الاتفاقية مفتوحة، ولا يحق لأي طرف الانسحاب قبل مرور عشر سنوات على دخولها حيز التنفيذ، وبإخطار كتابي قبل ثلاثة أشهر على الأقل. ولا تحل الاتفاقية محل التزامات تركيا في حلف الناتو.
كيف انتقل الحلف من الورق إلى أول اختبار؟
جاء الاختبار الأول أسرع مما توقع كثيرون، ومصدره هجمات الحوثيين على السعودية. يوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 عقدت الدول الثلاث اجتماعاً طارئاً في الرياض، وحضره من الجانب التركي وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الدفاع يشار غولر ورئيس الأركان.
قبلها بأسابيع كانت البنية الإدارية للحلف قد بدأت تتشكل. ففي 31 أغسطس 2026 صدر قرار بإنشاء أمانة دائمة مقرها الرياض، وفي أكتوبر تولى الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود منصب أول أمين عام لحلف مكة الدفاعي. أما التصديق فلم يكتمل: صادقت باكستان على الاتفاقية الأسبوع الماضي، وبدأ البرلمان التركي الإجراءات ولم يُنهها حتى اليوم 26 أكتوبر.
في اجتماع الرياض اتفق الوزراء على ضمان «النشر السريع» للقوات والقدرات العسكرية داخل المملكة. لكن مسؤولين أتراكاً أوضحوا أن بلادهم لن ترسل قوات للقتال في اليمن، وأن أي انتشار تركي يحتاج إلى تفويض منفصل من البرلمان. وهنا يظهر حد الحلف بوضوح: الدفاع عن الأراضي السعودية شيء، والدخول في حرب داخل اليمن شيء آخر.
على الأرض كان الضغط حقيقياً. إلغاء أكثر من أربعة آلاف رحلة في مطار العاصمة خلال أقل من ثلاثة أسابيع يكشف حجم الكلفة التي تتحملها السعودية، ويفسر جزئياً لماذا تبحث الرياض عن مخرج سياسي إلى جانب الردع العسكري.

لماذا اجتمع حلف مكة في طهران الآن؟
الجواب المختصر: لأن الطريق إلى وقف هجمات الحوثيين وتهدئة المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران يمر بطهران. قال وكيل الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة رائد قرملي إن الوفود ستلتقي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، وإن الهدف خفض التصعيد ودعم الوساطة التي تقودها قطر وباكستان.
الخلفية تعود إلى 28 فبراير 2026، حين بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران. ردّت طهران بهجمات على إسرائيل وعلى منشآت عسكرية أمريكية في دول عربية، منها السعودية. وفي 18 يونيو وقّعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم، لكنها انهارت لاحقاً، وعادت المنطقة إلى دائرة التوتر.
فكرة الاجتماع نفسها خرجت من زيارة قام بها عاصم منير إلى طهران الأسبوع الماضي. وافقت إيران، ووصفت خارجيتها الخطوة بأنها «خطوة نحو التعاون بشأن الآليات الأمنية الإقليمية على أساس المصالح المشتركة». وقال المتحدث باسمها إسماعيل بقائي إن الاجتماع «حدث مهم»، وإن أمن المنطقة يجب أن يقوم على قدرات دولها بعيداً عن التدخلات الخارجية. وسبق الاجتماع وصول وفد قطري إلى طهران يوم الأحد 25 أكتوبر في إطار المحادثات نفسها.
التوقيت مزدحم. هذا أول لقاء رفيع المستوى بين إيران والدول الثلاث مجتمعة منذ تصاعد هجمات الحوثيين على السعودية، ويأتي عشية الانتخابات الإسرائيلية المقررة غداً الثلاثاء 27 أكتوبر. قالت الخارجية الإيرانية إنها لا تهتم بمن سيفوز، ونفى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس وجود خلاف بين نتانياهو ورئيس الأركان بشأن تحرك عسكري جديد ضد إيران. ونقلت وسائل إعلام إيرانية أن طهران أبلغت منير بأنها لن تتفاوض مع واشنطن قبل تلبية مطالبها، وهي إشارة إلى أن الطريق ما زال طويلاً.

من هم الرجال الذين جلسوا إلى الطاولة؟
كل دولة أرسلت شخصية تعكس طبيعة دورها. السعودية أرسلت وزير دفاعها الأمير خالد بن سلمان، وهو المسؤول المباشر عن الملف العسكري في دولة تتعرض لهجمات يومية. وباكستان أرسلت قائد جيشها المشير عاصم منير، صاحب الزيارة التي مهّدت للاجتماع، وبلاده شريكة لقطر في الوساطة.
تركيا اختارت رئيس استخباراتها إبراهيم قالن، لا وزير دفاعها. يقرأ بعض المراقبين في هذا الاختيار رغبة أنقرة في إبقاء مشاركتها في إطار أمني ودبلوماسي، بما يتسق مع موقفها المعلن من عدم إرسال قوات قتالية إلى اليمن. ويبقى ذلك تحليلاً، فلم تعلن أنقرة سبباً رسمياً.
على الجانب الإيراني أعلن الاجتماع علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وتلتقي الوفود الرئيس مسعود بزشكيان وأمين المجلس محسن رضائي. وجود المجلس الأعلى للأمن القومي في الصورة يعني أن الملف يُدار في طهران على مستوى أمني، لا دبلوماسي فقط.

ماذا يعني اتفاق مكة لمصر والخليج؟
مصر ليست عضواً في اتفاق مكة حتى الآن، لكنها قريبة منه سياسياً. فهي جزء من «المسار الرباعي» مع السعودية وتركيا وباكستان، وقد استضافت القاهرة يوم 21 يونيو 2026 اجتماعاً لوزراء خارجية الدول الأربع لبحث وقف الحرب بين أمريكا وإيران.
باب الانضمام مفتوح نظرياً. قال هاكان فيدان إن مصر «يمكن أن تنضم» بعد حل بعض المسائل الفنية، لكن لم يصدر ما يؤكد الانضمام. وهناك عائق دستوري واضح: المادة 152 من الدستور المصري تشترط أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين قبل إرسال قوات في مهمة قتالية خارج البلاد. لذلك فأي التزام عسكري مصري داخل الحلف سيمر بإجراءات داخلية طويلة، على غرار ما تواجهه تركيا مع برلمانها.
في الوقت نفسه تتحرك القاهرة على خطين. قال وزير الخارجية المصري اليوم 26 أكتوبر إن بلاده تجري محادثات يومية مع الإيرانيين، وكانت الإمارات قد أعلنت في مايو تمركز مفرزة من المقاتلات المصرية في أبوظبي. الصورة إذن أن مصر حاضرة في أمن الخليج عسكرياً ودبلوماسياً، لكن خارج الإطار القانوني للحلف.
أما الخليج فتختلف حساباته. قطر تقود الوساطة مع باكستان وأرسلت وفدها إلى طهران قبل يوم من الاجتماع. والسعودية تتحمل الكلفة المباشرة للهجمات. ويرى محللون أن نجاح المسار الدبلوماسي في طهران، إن تحقق، قد يخفف الضغط على المطارات وخطوط النفط والملاحة، وأن فشله قد يدفع الحلف إلى اختبار بند «الهجوم على الجميع» بصورة أوضح. وللقارئ الذي يسافر إلى الرياض أو عبرها في الأيام المقبلة نصيحة عملية: راجع حالة الرحلة مع شركة الطيران قبل التوجه إلى المطار، واحجز تذاكر تسمح بالتعديل، وتابع البيانات الرسمية بدلاً من الحسابات غير الموثوقة.
أهم النقاط
- اتفاق مكة حلف دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، وُقّع في قصر الصفا بمكة يوم 7 أغسطس 2026.
- المادة الثانية تعدّ الهجوم على طرف واحد هجوماً على الجميع، لكن التفعيل يحتاج إلى قرار توافقي بعد التشاور، لا يأتي تلقائياً.
- لا مظلة نووية في النص رغم السلاح النووي الباكستاني.
- الانسحاب ممنوع قبل عشر سنوات، والأمانة العامة في الرياض، وأول أمين عام لها الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود.
- صادقت باكستان على الاتفاقية، ولم يُكمل البرلمان التركي التصديق حتى 26 أكتوبر.
- اجتماع طهران اليوم هدفه المعلن خفض التصعيد ودعم وساطة قطر وباكستان، ويأتي عشية الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر.
- مصر خارج الحلف، والمادة 152 من دستورها تقيّد أي مشاركة قتالية خارجية.
أسئلة شائعة
هل يمنح اتفاق مكة السعودية حماية نووية باكستانية؟
لا. الاتفاقية لا تنص على أي «مظلة نووية»، مع أن باكستان دولة نووية. يقتصر التعاون المنصوص عليه على الدفاع التقليدي والإنتاج العسكري وتبادل المعلومات والدعم اللوجستي.
هل يتعارض اتفاق مكة مع عضوية تركيا في الناتو؟
تنص الاتفاقية على أنها لا تحل محل التزامات تركيا في حلف الناتو. وتلتزم أنقرة بالحلفين معاً، وتشترط تفويضاً منفصلاً من برلمانها قبل أي انتشار عسكري.
هل سترسل تركيا قوات للقتال في اليمن؟
أكد مسؤولون أتراك أن بلادهم لن ترسل قوات للقتال في اليمن. واتفق الحلف في اجتماع الرياض يوم 5 أكتوبر على النشر السريع للقدرات داخل المملكة، لا في اليمن.
أين مقر أمانة حلف مكة ومن يرأسها؟
مقر الأمانة العامة الدائمة في الرياض بقرار صدر في 31 أغسطس 2026. ويرأسها منذ أكتوبر 2026 الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود، والرئاسة تنتقل بالتناوب كل ثلاث سنوات.
متى يمكن لدولة أن تنسحب من اتفاق مكة؟
لا يحق لأي طرف الانسحاب قبل مرور عشر سنوات على دخول الاتفاقية حيز التنفيذ. وبعدها يجب إرسال إخطار كتابي قبل ثلاثة أشهر على الأقل.
هل إيران عضو في اتفاق مكة؟
لا. إيران ليست طرفاً في الاتفاقية، واجتماع طهران لقاء بين دول الحلف والمسؤولين الإيرانيين لبحث خفض التصعيد ودعم الوساطة، وليس توسيعاً للحلف.
الخلاصة
ما يجري في طهران اليوم يكشف طبيعة الحلف أكثر مما يكشفها نصه. فدول اتفاق مكة لم تذهب إلى هناك لتعلن الحرب، بل ذهبت تبحث عن تهدئة، ومعها ورقة ضغط اسمها «الهجوم على الجميع». المؤشرات التي تستحق المتابعة في الأيام المقبلة واضحة: هل تتراجع هجمات الحوثيين على السعودية؟ وهل تعود الرحلات إلى مطار الرياض بانتظام؟ وهل يُكمل البرلمان التركي التصديق على الاتفاقية؟ ثم يأتي سؤال ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، وما إذا كانت ستفتح باباً لتحرك عسكري جديد ضد إيران أم لا. أما مصر فقرارها مرتبط بحساباتها الدستورية وعلاقاتها مع طهران، وأي خطوة نحو الانضمام ستمر أولاً بمجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب، ولذلك ستظهر علاماتها في القاهرة قبل غيرها.