«في الشعر الجاهلي» كتاب أصدره طه حسين سنة 1926. كان في الأصل محاضرات ألقاها على طلابه في الجامعة المصرية، وقال فيه إن معظم الشعر المنسوب إلى العصر الجاهلي نُظم بعد ظهور الإسلام ونُسب زوراً إلى شعراء ما قبل الإسلام. ما أشعل الغضب هو تشكيكه في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة. بعد ذلك جاءت بلاغات للنيابة، وخطاب من شيخ الأزهر، ونقاش حاد في البرلمان. وكان المتوقع أن يقف المؤلف أمام محكمة، لكن ذلك لم يحدث: في 30 مارس 1927 حفظت النيابة التحقيق إدارياً لعدم توافر القصد الجنائي. وفي العام نفسه أعاد طه حسين نشر الكتاب بعنوان جديد هو «في الأدب الجاهلي».

مرّ على صدور الكتاب مئة عام هذه السنة. ويوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 تحل الذكرى الثالثة والخمسون لوفاة صاحبه، الذي توفي في القاهرة يوم 28 أكتوبر 1973. ولم تنتهِ القضية بانتهاء التحقيق، فما زال الكتاب يُستدعى في كل نقاش عن حدود البحث العلمي حين يقترب من المقدّس.

تتناول هذه القصة فصلاً واحداً من سيرة طويلة. أما الحكاية كاملة، من عزبة الكيلو في المنيا إلى وزارة المعارف، فتجدها في تقريرنا الرئيسي «طه حسين: الحكاية الكاملة لعميد الأدب العربي من قرية في المنيا إلى وزارة المعارف».

ما هو كتاب «في الشعر الجاهلي» ومتى صدر؟

صدر «في الشعر الجاهلي» سنة 1926، وطبعته دار الكتب المصرية. مادته الأصلية محاضرات ألقاها طه حسين على طلابه في الجامعة المصرية، وكان وقتها أستاذاً شاباً عاد من فرنسا وتعلّم فيها مناهج النقد الحديثة.

لم يقدّم المؤلف كتابه على أنه رأي عابر. كان يعرض فيه منهجاً. استلهم طه حسين «منهج الشك» من الفيلسوف الفرنسي ديكارت، وقال إن الباحث عليه أن يتخلى عن كل ما يعرفه مسبقاً، وأن يتعامل مع النصوص الموروثة كأنه يقرؤها أول مرة، ثم يقبل منها ما تثبته الأدلة.

طبّق هذا المنهج على الشعر الجاهلي. وهذا الشعر لم يكن تراثاً أدبياً عادياً، لأن المفسرين واللغويين استندوا إليه قروناً في فهم لغة القرآن نفسه. فالتشكيك في صحته كان يعني، عند كثيرين، التشكيك في أداة مركزية من أدوات فهم النص الديني.

ولم يكن طه حسين وحده في هذا الطريق. في الفترة نفسها تقريباً نشر المستشرق البريطاني مرجليوث آراء قريبة في بحثه «أصول الشعر العربي»، ورد عليه المستشرق الألماني إريش براونليش سنة 1926. وقد استخدم خصوم طه حسين هذا التزامن لاحقاً دليلاً على أنه ينقل عن المستشرقين.

مبنى الجامعة المصرية حيث ألقى طه حسين محاضرات في الشعر الجاهلي
الجامعة المصرية، حيث بدأت محاضرات «في الشعر الجاهلي» قبل أن تصبح كتاباًرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ماذا قال طه حسين في الشعر الجاهلي بالضبط؟

الفكرة الأساسية في الكتاب أن معظم ما وصلنا على أنه شعر جاهلي نُظم بعد الإسلام ثم نُسب إلى شعراء الجاهلية. لذلك رأى أن هذا الشعر يصوّر حياة المسلمين أكثر مما يصوّر حياة العرب قبل الإسلام.

ومن أقوى حججه حجة اللهجة. الشعراء المنسوب إليهم هذا الشعر ينتمون إلى قبائل متفرقة في الجزيرة العربية، ولكل قبيلة لهجتها. ومع ذلك جاءت قصائدهم كلها بلغة واحدة متجانسة. وتساءل طه حسين عن تفسير ذلك إن لم تكن القصائد قد صيغت لاحقاً بلغة قريش، أي لغة القرآن.

وسأل بعد ذلك عن الدافع وراء الانتحال، فوجد إجابته في العصبية القبلية والسياسة. القبائل بعد الإسلام كانت تتفاخر بأمجاد قديمة وتنسب إلى أجدادها شعراً يرفع مكانتها. ورأى أن مصالح قريش السياسية دفعت أيضاً إلى صناعة ماضٍ يناسب حاضرها.

إلى هنا كان الخلاف أكاديمياً يمكن احتماله. لكن الكتاب قال كذلك إن ورود إبراهيم وإسماعيل في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، وإن قصة بنائهما للكعبة رُويت لخدمة مصالح قريش. وأشار إلى أن القرآن لا يصح اعتباره مصدراً موضوعياً للتاريخ بالمعنى الذي يقصده المؤرخ. هذه الصفحات القليلة هي التي حوّلت الجدل من قاعة الدرس إلى مكتب النيابة.

لماذا أغضب الكتاب الأزهر والبرلمان؟

كان الغضب بسبب الدين أكثر منه بسبب الشعر. فقد اعتبر علماء الأزهر أن الكتاب يكذّب القرآن صراحة حين يشكّك في قصة إبراهيم وإسماعيل. أما الشك في امرئ القيس وعنترة فكان يمكن أن يبقى خلافاً بين المتخصصين.

لخّص محمد نور، المحقق في القضية، الاتهامات في أربع نقاط: تكذيب القرآن فيما ذكره عن إبراهيم وإسماعيل، والطعن في نسب النبي ﷺ، والتعرض للقراءات السبع المجمع عليها، وإنكار أن للإسلام أولوية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم. وتصفه بعض المصادر بأنه رئيس نيابة مصر، بينما تسميه مصادر أخرى النائب العام.

وكان التوقيت سبباً آخر. فقد جاء الكتاب بعد عام واحد من معركة كتاب علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم»، وتُعد المعركتان أكبر معركتين فكريتين عرفتهما مصر في العشرينيات. وكانت الجامعة المصرية الحديثة في نظر بعض المحافظين منافساً للأزهر في تعريف المعرفة الصحيحة، فبدا الكتاب لهم دليلاً على خطرها.

ثم انتقل الأمر إلى السياسة. في 13 ديسمبر 1926، أثناء مناقشة ميزانية الجامعة في مجلس النواب، طالب نواب بمصادرة الكتاب وإلغاء وظيفة مؤلفه، وكان علي الشمسي وقتها وزيراً للمعارف. وفي 21 مايو 1927 قدّم الشيخ محمود رشاد سؤالاً عن الكتاب في مجلس الشيوخ، فوصلت القضية إلى مجلسي البرلمان.

صحن الجامع الأزهر في القاهرة الذي اعترض على كتاب في الشعر الجاهلي
الجامع الأزهر، وقد أرسل شيخه خطاباً يعترض فيه على الكتابالصورة: Ivan Bilibin — ويكيميديا كومنز (Public domain)

كيف تحوّل الكتاب إلى قضية أمام النيابة؟

بدأت القضية ببلاغ من طالب أزهري في 30 مايو 1926، ثم أضيف إليه خطاب شيخ الأزهر وبلاغ نائب في البرلمان. وقبل البلاغات كانت الجامعة قد تحركت.

في 12 مايو 1926 كتب طه حسين خطاباً إلى مدير الجامعة أكد فيه أنه مسلم، ونفى أنه قصد إهانة الدين. وبعد خمسة أيام، في 17 مايو 1926، وضع النسخ المتبقية من الكتاب تحت تصرف الجامعة. وبحسب وثائق نشرتها جريدة «الدستور»، اشترت الجامعة معظم هذه النسخ من المؤلف نفسه، وأخذت الباقي من مكتبة الهلال، وحفظتها في صندوقين مختومين بالشمع الأحمر. والأرقام الواردة في تلك الوثائق عن عدد النسخ ليست متسقة فيما بينها.

لم يُنهِ سحب النسخ القضية. في 30 مايو 1926 قدّم طالب في القسم العالي بالأزهر أول بلاغ إلى النائب العمومي، واتهم الكتاب بالطعن في القرآن. وتختلف المصادر في كتابة اسم هذا الطالب. وفي 5 يونيو 1926 أرسل شيخ الأزهر خطاباً إلى النيابة ومعه تقرير من علماء الأزهر يقول إن الكتاب «كذّب فيه القرآن صراحة»، وطالب بتقديم طه حسين للمحاكمة.

وجاء البلاغ الثالث في 14 سبتمبر 1926، وقدّمه عبد الحميد البنان أفندي، عضو مجلس النواب. وأضاف فيه أن الكتاب ما زال يُوزَّع ويُباع للناس علناً، أي أن سحب النسخ لم يمنع تداوله. وبحسب موقع «المصلح» جرى استجواب طه حسين بعد عودته من السفر في 19 أكتوبر 1926.

لماذا حُفظ التحقيق ولم يُحاكم طه حسين؟

لم يُحاكم طه حسين لأن النيابة لم تجد قصداً جنائياً. في 30 مارس 1927 قرر محمد نور حفظ التحقيق إدارياً، وكتب أن المؤلف لم يقصد الطعن في الدين، وأن العبارات التي تمس الدين وردت في سياق بحث علمي.

لذلك فكلمة «محاكمة» الشائعة في وصف القضية غير دقيقة. ما حدث تحقيق نيابي طويل استمر قرابة عشرة أشهر من أول بلاغ، وانتهى قبل أن تصل القضية إلى المحكمة. واستند القرار، بحسب موقع «المصلح»، إلى المادة 12 من دستور 1923 الخاصة بحرية الاعتقاد، والمادة 14 الخاصة بحرية الرأي.

تميّز قرار نور بأنه فصل بين أمرين. فقد ناقش في مذكرته آراء طه حسين وانتقد بعضها علمياً، لكنه رأى أن الخطأ في البحث لا يكفي لإدانة صاحبه جنائياً. وبعد عقود عثر الروائي خيري شلبي على أوراق التحقيق ومذكرة نور عند بائع كتب قديمة، وقال عنها إن القضية «ليست جنائية بالمرة».

وكان لطه حسين نفسه موقف يلخّص دفاعه. فقد رد على مهاجميه بعبارة تُنقل عنه كثيراً: «جادلوني بدلاً من أن تتهموني». وقد جادله كثيرون منهم فعلاً. صدرت للرد عليه كتب كاملة، من بينها «تحت راية القرآن» لمصطفى صادق الرافعي و«الشهاب الراصد» لمحمد لطفي جمعة. ورد محمد الخضر حسين بكتاب «نقض كتاب في الشعر الجاهلي»، ومحمد أحمد الغمراوي بكتاب «النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي»، وكتب محمد فريد وجدي كتاباً آخر في الرد عليه.

ملف تحقيق النيابة في قضية كتاب في الشعر الجاهلي سنة 1927
في مارس 1927 حفظت النيابة التحقيق لعدم توافر القصد الجنائيرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ماذا تغيّر في «في الأدب الجاهلي» وما الثمن الذي دفعه طه حسين؟

في 1927 أعاد طه حسين نشر الكتاب بعنوان «في الأدب الجاهلي»، وحذف منه الأجزاء الخاصة بالقرآن. لكن مصادر عديدة ترى أن الفكرة الأساسية، أي الشك في صحة الشعر الجاهلي، بقيت كما هي مع تعديلات محدودة.

وتذكر جريدة «القدس العربي» أن مقدمة الطبعة الثانية الصادرة في مايو 1927 تقول إن المؤلف حذف فصلاً ووضع مكانه فصلاً آخر، وأضاف فصولاً جديدة، وغيّر العنوان. ولم يُرضِ ذلك خصومه، فقالوا إن المضمون لم يتغير وإن العنوان وحده هو الذي تبدّل.

وفحصت الدولة الطبعة الجديدة بنفسها. في 2 نوفمبر 1927 شكّلت وزارة المعارف لجنة لفحص «في الأدب الجاهلي»، ورفضته اللجنة الأولى في 8 ديسمبر 1927. أما أحمد أمين، عضو اللجنة الثالثة، فانتهى إلى أن الكتاب «ليس فيه شيء يمس أصلاً من أصول الدين». وهكذا اختلفت لجان الوزارة نفسها في الحكم عليه.

دفع طه حسين ثمن المعركة في وظيفته. وقف إلى جانبه أحمد لطفي السيد، مدير الجامعة، لكن ذلك لم يمنع نقله من الجامعة إلى وزارة المعارف في مطلع الثلاثينيات، في عهد حكومة إسماعيل صدقي، بعد استجواب في البرلمان. والمصادر تختلف في سنة النقل بالتحديد. وعاد إلى منصبه في الجامعة سنة 1936 بعد رجوع حزب الوفد إلى الحكم، ثم أصبح وزيراً للمعارف سنة 1950، أي الوزارة نفسها التي فحصت لجانها كتابه قبل أكثر من عشرين عاماً.

أهم النقاط

  • صدر «في الشعر الجاهلي» سنة 1926، وأصله محاضرات ألقاها طه حسين في الجامعة المصرية.
  • فكرته الأساسية أن معظم الشعر الجاهلي نُظم بعد الإسلام، ومن أدلته أن هذا الشعر كله بلهجة واحدة رغم اختلاف لهجات القبائل.
  • سبب الغضب الحقيقي هو تشكيك الكتاب في قصة بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة.
  • التسلسل: خطاب طه حسين لمدير الجامعة في 12 مايو 1926، ثم أول بلاغ في 30 مايو، ثم خطاب شيخ الأزهر في 5 يونيو، ثم بلاغ النائب البنان في 14 سبتمبر.
  • لم تحدث محاكمة؛ ففي 30 مارس 1927 حفظ محمد نور التحقيق إدارياً لعدم توافر القصد الجنائي.
  • صدرت الطبعة المعدّلة بعنوان «في الأدب الجاهلي» سنة 1927، ورأى أحمد أمين أنها لا تمس أصلاً من أصول الدين.
  • نُقل طه حسين من الجامعة في مطلع الثلاثينيات ثم عاد إليها سنة 1936، وأصبح وزيراً للمعارف سنة 1950.

أسئلة شائعة

هل سُجن طه حسين بسبب كتاب في الشعر الجاهلي؟

لا. لم يُسجن طه حسين ولم يقف أمام محكمة. انتهت القضية في مرحلة تحقيق النيابة، وحُفظت إدارياً في 30 مارس 1927 لعدم توافر القصد الجنائي.

هل يمكن قراءة كتاب في الشعر الجاهلي اليوم؟

نعم. طبعة 1926 الأصلية أعيد نشرها في طبعات حديثة متعددة، وطبعة «في الأدب الجاهلي» متاحة كذلك. والأفضل لمن يريد فهم القضية أن يقارن بين النصين ليرى ما حذفه المؤلف وما أضافه.

ما الفرق بين في الشعر الجاهلي وفي الأدب الجاهلي؟

«في الأدب الجاهلي» هو الطبعة المعدّلة التي صدرت سنة 1927. حُذفت منها الأجزاء الخاصة بالقرآن وقصة إبراهيم وإسماعيل، واستُبدل بها فصل آخر وأضيفت فصول جديدة، أما فكرة الشك في صحة الشعر الجاهلي فبقيت.

من أشهر من رد على طه حسين في كتاب الشعر الجاهلي؟

أشهرهم مصطفى صادق الرافعي في «تحت راية القرآن»، ومحمد الخضر حسين في «نقض كتاب في الشعر الجاهلي». ورد عليه أيضاً محمد لطفي جمعة في «الشهاب الراصد»، ومحمد أحمد الغمراوي، ومحمد فريد وجدي.

ما علاقة ديكارت بكتاب طه حسين؟

استلهم طه حسين من ديكارت «منهج الشك»، أي أن يتخلى الباحث عن مسلّماته المسبقة ولا يقبل إلا ما تثبته الأدلة. وطبّق هذا المنهج على الشعر والتاريخ العربي، فانتهى إلى أن معظم الشعر الجاهلي منحول.

متى وأين توفي طه حسين؟

توفي طه حسين في القاهرة يوم 28 أكتوبر 1973. وتحل الذكرى الثالثة والخمسون لوفاته يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في العام نفسه الذي يكمل فيه كتابه «في الشعر الجاهلي» مئة عام.

الخلاصة

بعد قرن من صدوره، لم يعد السؤال المهم هو ما إذا كان طه حسين محقاً في الشعر الجاهلي. فكثير من الدارسين قبلوا جانباً من شكّه ورفضوا تعميمه. السؤال الذي تتركه القضية هو كيف يُرد على كتاب يخالف المستقر. وقد قدّم عام 1926 نموذجين لذلك: الأول بلاغات للنيابة ومطالبات بإلغاء وظيفة المؤلف، والثاني كتب ألّفها الرافعي والخضر حسين والغمراوي ترد على الحجة بحجة. وقرار محمد نور، الذي فرّق بين خطأ الباحث وجريمة المتهم، ما زال يُستشهد به كلما وصل خلاف فكري إلى ساحات القضاء. ومن يريد أن يكوّن رأيه بنفسه يستطيع أن يقرأ الطبعتين، ثم أحد كتب الرد، ويحكم على الحجج كما كتبها أصحابها. والموعد القريب لذلك هو ذكرى رحيل طه حسين يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أما الذكرى المئوية لقرار حفظ التحقيق فتحل يوم الثلاثاء 30 مارس 2027.