زوجة طه حسين هي الفرنسية سوزان بريسو، وُلدت سنة 1895 لعائلة كاثوليكية. التقته أول مرة في مدينة مونبلييه جنوب فرنسا في مايو 1915، حين جاءت لتقرأ له الأدب الفرنسي، وتزوجا في أغسطس 1917. ظلت إلى جانبه حتى وفاته في القاهرة يوم 28 أكتوبر 1973، وكانت قارئته ومعلمته الأولى للفرنسية، أو «عينه الثانية» كما يصفها كثيرون.
بدأت الحكاية بعمل بسيط تكسب منه طالبة مصروفها. كانت سوزان شابة في العشرين تقريباً، وكان طه حسين طالباً مصرياً فقد بصره في طفولته، وصل إلى فرنسا قبل شهور قليلة ويحتاج إلى من يقرأ له نصوصاً بلغة لم يكن يتقنها بعد. بعد سنتين صارت تلك القارئة شريكة حياته، وبقيت معه أكثر من خمسة عقود بين باريس والقاهرة، ثم بقيت في مصر بعد رحيله حتى ماتت.
بعد أسبوع من اليوم، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، تمر الذكرى الثالثة والخمسون لوفاة عميد الأدب العربي. وفي هذه الذكرى نعود إلى الحكاية من أولها: اللقاء والرفض العائلي والزواج، ثم العودة إلى مصر والسنوات الأخيرة في فيلا «رامتان».
من هي سوزان بريسو زوجة طه حسين؟
سوزان بريسو امرأة فرنسية وُلدت سنة 1895 لعائلة كاثوليكية. وحين قامت الحرب العالمية الأولى انتقلت مع أسرتها إلى مونبلييه في جنوب فرنسا هرباً من الحرب. في هذه المدينة الجامعية تحديداً كان القدر يجهّز لها لقاءً لم تتوقعه.
يُكتب اسمها بالفرنسية بأكثر من صيغة، فبعض المصادر تكتبه Bresseau وبعضها Brisseau، أما المراجع العربية فاستقرت على «بريسو». وبعد الزواج اشتهرت باسم «سوزان طه حسين» على عادة الفرنسيين في حمل المرأة اسم زوجها، وبهذا الاسم وقّعت مذكراتها بعد عقود.
لم تأتِ سوزان من وسط أكاديمي يجعلها تبحث عن مفكر لامع. كانت طالبة تحتاج إلى دخل إضافي، والقراءة بصوت عالٍ لطالب كفيف كانت عملاً مناسباً لها. ومن هذه البداية العادية جداً تكوّنت إحدى أشهر قصص الحب في تاريخ الثقافة العربية الحديثة.
كيف التقى طه حسين بسوزان في مونبلييه؟
التقيا أول مرة في مونبلييه في مايو 1915، وحدّدت صحيفة «صوت الأمة» اليوم بأنه 12 مايو. جاءت سوزان لتقرأ له نصوصاً من الأدب الفرنسي، وكانت أمها معها في ذلك اللقاء الأول.
كان طه حسين قد وصل إلى مونبلييه في نهاية 1914، طالباً موفداً من الجامعة المصرية، والتحق بجامعة المدينة ليدرس الأدب والتاريخ والفرنسية واللاتينية. وكان الشاب القادم من عزبة الكيلو في محافظة المنيا، الذي وُلد سنة 1889 وفقد بصره صغيراً، يحتاج إلى من يقرأ له، فقد كانت الكتب المطبوعة بطريقة برايل قليلة، ولا يدخل إلى المكتبة الفرنسية إلا بصوت إنسان يقرأ.
ومن طرائف تلك الأيام أن أستاذاً إيطالياً كان يعلّم طه حسين اللاتينية توقّع زواجهما مبكراً، كما تروي «صوت الأمة». ولم تمضِ العلاقة بسهولة، إذ طُلب من طه حسين بعد اللقاء الأول بفترة قصيرة أن يعود إلى مصر، فانقطع ما بدأ. ثم عاد إلى فرنسا في 1916، لكن إلى باريس هذه المرة، فالتقى سوزان من جديد، ونجح هناك في امتحانات الليسانس في الآداب ودبلوم الدراسات العليا.

لماذا رفضت عائلة سوزان زواجها من طه حسين أول الأمر؟
رفضت العائلة في البداية، وغيّر عمّ سوزان القسيس موقفها. جلس العم مع طه حسين وحاوره، ثم خرج يصفه بأنه «عبقري»، ووقف إلى جانب الزواج، فوافقت الأسرة بعد ذلك، بحسب «قاموس السير المسيحية الأفريقية» (DACB).
يسهل فهم تردد الأسرة في ذلك الزمن. كان الخاطب أجنبياً قادماً من بلد بعيد، ومسلماً، وكفيفاً، وطالباً لم يستقر في عمل. وتزوجا في أغسطس 1917، وتختلف المصادر في اليوم نفسه، لكنها تتفق كلها على أن الزواج كان في ذلك الشهر من تلك السنة.
وكان زواجاً بين ديانتين. يذكر «قاموس السير المسيحية الأفريقية» أن سوزان بقيت كاثوليكية وأن طه حسين بقي مسلماً، فلم يغيّر أي منهما دينه. وقد استمر هذا الاختلاف بينهما طوال حياتهما معاً وحتى بعدها، فحين ماتت سوزان دُفنت في مقبرة كاثوليكية بالقاهرة.
وفي باريس واصل طه حسين دراسته حتى نال الدكتوراه من السوربون برسالة عن ابن خلدون، وتختلف المصادر في سنة حصوله عليها. وفي 1919، بعد أن أنهى دراسته، عاد الزوجان إلى مصر، فصارت مصر الوطن الذي اختارته سوزان لنفسها.
ماذا قدّمت سوزان لطه حسين في حياته العلمية والأدبية؟
قدّمت له اللغة أولاً: علّمته الفرنسية، وعن طريقها درس اللاتينية واليونانية حتى قرأ أفلاطون بلغته الأصلية، كما تنقل «الجزيرة نت». والأفضل أن نترك الكلام لطه حسين نفسه، فقد قال: «صديقتي كانت معلّمتي. بفضلها تعلّمتُ اللغة الفرنسية».
وبعد الدراسة بقيت في دور القارئة طوال حياته. كانت تقرأ له الكتب والرسائل والمراجع، فيصل عن طريقها إلى ما لا تصل إليه يداه. ويكفي في وصف هذا الدور جملة قالها لها: «بدونك أشعر فعلاً بأني ضرير». جملة قصيرة من رجل لم يجعل العمى عذراً في حياته، لكنه اعترف بأنها كانت تعوّضه عنه.
ولم تكن حياة طه حسين في مصر هادئة. خاض معارك فكرية حادة، أشهرها العاصفة التي أثارها كتابه «في الشعر الجاهلي»، وتنقّل بين التدريس في الجامعة وعمادة كلية الآداب والفصل من العمل ثم الرجوع، حتى صار وزيراً للمعارف. ويرى كثير ممن كتبوا عنه أن البيت الذي أدارته سوزان كان ملاذه من هذه المعارك، وهذه قراءة تحليلية تستند إلى ما رواه المقربون منه، ولا تقوم على وثيقة بعينها.
وكانت لهما حياة اجتماعية وثقافية مشتركة. جمعهما حب السفر والموسيقى الكلاسيكية، وعرفا معاً أسماء كبيرة في عصرهما، منها المستشرق لويس ماسينيون والكاتب أندريه جيد والشاعر والمخرج جان كوكتو والشاعر هنري ميشو، والشاعر السنغالي ليوبولد سنغور الذي صار رئيساً لبلاده فيما بعد.
كيف عاش طه حسين وسوزان في مصر وما قصة فيلا «رامتان»؟
عاشا في مصر منذ 1919 وكوّنا أسرة من ابنين: أمينة ومؤنس. ومنذ 1955 سكنا فيلا «رامتان» في منطقة الهرم، وسوزان هي التي اختارت قطعة الأرض التي بُنيت عليها، وبقي طه حسين فيها حتى وفاته.
كانت أمينة من أوائل المصريات اللاتي تخرّجن في جامعة القاهرة، وتزوجت محمد حسن الزيات، الذي تولّى وزارة الخارجية المصرية قبيل حرب أكتوبر 1973. وكتب الزيات «ما بعد الأيام» ليكمل السيرة التي بدأها حموه في «الأيام»، فصار تاريخ الأسرة جزءاً من الأدب.
وفي تصميم البيت تفصيلة تلخص طبيعة العلاقة بين الزوجين: باب داخلي يصل غرفة سوزان بغرفة طه حسين، لتصل إليه بسهولة في أي وقت، بحسب «بوابة الأهرام». أما الاسم فيظنه كثيرون فرنسياً، وهو عربي في الحقيقة، مثنى «رامة»، والمقصود به الكثبان الرملية التي تستريح عندها القوافل.
وبعد سنوات من وفاة الزوجين اشترت وزارة الثقافة الفيلا في 1992 لتحويلها إلى متحف، وافتُتح المتحف رسمياً يوم 15 يوليو 1997. ويضم مكتبة فيها 6859 كتاباً، وأوسمة منها قلادة النيل، وفي الطابق الثاني غرف طه حسين وسوزان وابنهما مؤنس.

ماذا حدث لسوزان بعد وفاة طه حسين وما هو كتاب «معك»؟
عاشت سوزان بعده قرابة ستة عشر عاماً، وكتبت بالفرنسية مذكرات عنوانها «معك» (Avec toi)، صاغتها في شكل رسائل موجهة إليه. ثم ماتت في القاهرة يوم 26 يوليو 1989 عن نحو 94 عاماً، ودُفنت في المقبرة اللاتينية بمصر القديمة.
وفي «معك» وصفت سوزان صباح الرحيل. يوم 28 أكتوبر 1973، نحو السادسة صباحاً، أعطته كوب لبن ونزلت تعدّ القهوة، وحين عادت ومعها ملعقة عسل وجدته شاحباً بلا نفس ولا نبض. مات عن 84 عاماً بعد نحو 15 عاماً من المرض، وقبل ذلك بساعات كان قد عرف أن الأمم المتحدة منحته جائزتها لحقوق الإنسان، إذ قرأ له طبيبه برقية الجائزة يوم 27 أكتوبر.
أمضت سوزان سنتين في كتابة المذكرات، واعتمدت على ذاكرتها لا على الوثائق، ولهذا يُقرأ الكتاب شهادةً شخصية لا سجلاً تاريخياً دقيقاً. ترجمه إلى العربية بدر الدين عرودكي، وصدر عن دار المعارف، وتختلف المصادر في سنة صدور الترجمة. أما الأصل الفرنسي فلم يُنشر إلا في 2011، عن دار «سيرف» في باريس.
وصدرت حديثاً طبعة عربية بعنوان «من فرنسا إلى مصر: قصة حب خارقة، سوزان وطه حسين (1915–1973)»، بترجمة عرودكي نفسه وبتقديم حفيدتهما أمينة طه حسين (أوكادا)، عن مؤسسة هنداوي. ومن يريد أن يعرف طه حسين من داخل بيته، فهذا الكتاب أقرب طريق إليه. وبعد رحيل زوجها انتقلت سوزان لتعيش مع ابنتها في المعادي، كما تذكر «بوابة الأهرام».

أهم النقاط
- زوجة طه حسين هي الفرنسية سوزان بريسو (1895–1989)، من أسرة كاثوليكية.
- التقيا أول مرة في مونبلييه في مايو 1915، حين جاءت لتقرأ له الأدب الفرنسي مقابل أجر، وحدّدت «صوت الأمة» اليوم بـ12 مايو.
- رفضت عائلتها الزواج في البداية، حتى قابله عمها القسيس ووصفه بأنه «عبقري».
- تزوجا في أغسطس 1917، والمصادر مختلفة في اليوم، وبقي كل منهما على دينه.
- علّمته الفرنسية، وعن طريقها درس اللاتينية واليونانية وقرأ أفلاطون بلغته الأصلية.
- أنجبا أمينة ومؤنس، وعاشا منذ 1955 في فيلا «رامتان» بالهرم، وهي اليوم متحف افتُتح يوم 15 يوليو 1997.
- كتبت بعد رحيله مذكرات «معك» في صورة رسائل إليه، ولم يصدر الأصل الفرنسي إلا في 2011.
أسئلة شائعة
هل أسلمت سوزان زوجة طه حسين؟
لا. بحسب «قاموس السير المسيحية الأفريقية»، بقيت سوزان كاثوليكية وبقي طه حسين مسلماً طوال زواجهما، ولما ماتت دُفنت في المقبرة اللاتينية بمصر القديمة.
كم عدد أبناء طه حسين وما أسماؤهم؟
أنجب طه حسين من سوزان ابنين: أمينة ومؤنس. وكانت أمينة من أوائل المصريات اللاتي تخرّجن في جامعة القاهرة، وتزوجت وزير الخارجية الأسبق محمد حسن الزيات.
كم كان عمر سوزان حين تزوجت طه حسين؟
وُلدت سوزان سنة 1895 وتزوجا في أغسطس 1917، فكان عمرها نحو 22 عاماً. أما طه حسين فكان قد تجاوز السابعة والعشرين، إذ وُلد سنة 1889.
متى توفيت سوزان طه حسين وأين دُفنت؟
توفيت في القاهرة يوم 26 يوليو 1989 عن نحو 94 عاماً. ودُفنت في المقبرة اللاتينية بمصر القديمة.
أين يقع متحف طه حسين وماذا يضم؟
المتحف هو فيلا «رامتان» في منطقة الهرم بالجيزة، حيث عاش طه حسين من 1955 حتى وفاته، وافتُتح رسمياً يوم 15 يوليو 1997. ويضم مكتبة فيها 6859 كتاباً، وأوسمة منها قلادة النيل، وغرف طه حسين وسوزان وابنهما مؤنس.
هل كتاب «معك» متاح بالعربية؟
نعم. ترجمه بدر الدين عرودكي وصدر عن دار المعارف، ثم صدرت طبعة حديثة بعنوان «من فرنسا إلى مصر: قصة حب خارقة» عن مؤسسة هنداوي، بتقديم حفيدتهما أمينة طه حسين (أوكادا).
الخلاصة
يقرأ معظم الناس طه حسين في «الأيام» و«في الشعر الجاهلي» و«مستقبل الثقافة في مصر»، والقليل منهم يقرأ الكتاب الذي كتبته عنه زوجته. لو أردت أن تعرف كيف عاش الرجل يومه، وكيف قرأ وكتب، ومن كان يقرأ له الرسائل ويصحبه في السفر، فابدأ بكتاب «معك» في طبعة هنداوي الحديثة، واقرأه شهادةً من الذاكرة لا وثيقة. وإن كنت في القاهرة، فمتحف «رامتان» في الهرم يتيح لك أن ترى الباب الداخلي بين الغرفتين بنفسك. والأربعاء المقبل، 28 أكتوبر 2026، تحل الذكرى الثالثة والخمسون لرحيل طه حسين، وهي مناسبة لزيارة المتحف أو لإعادة قراءته. أما تفاصيل حياته كاملة، من قرية الكيلو في المنيا إلى وزارة المعارف، فتجدها في التقرير الرئيسي لهذا الملف: «طه حسين: الحكاية الكاملة لعميد الأدب العربي من قرية في المنيا إلى وزارة المعارف».