محمد فوزي مطرب وملحن وممثل ومنتج مصري، وُلد في 15 أغسطس 1918 بقرية كفر أبو جندي في محافظة الغربية، وتوفي في القاهرة يوم 20 أكتوبر 1966 عن 48 عاماً بمرض نادر احتار فيه الأطباء. لحّن النشيد الوطني الجزائري «قسماً» هديةً للشعب الجزائري ورفض أي أجر عنه، وأسس شركة «مصرفون» لإنتاج الأسطوانات، ثم أُمِّمت عام 1961.
بعد أسبوع واحد، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، تمر ستون سنة على رحيله. وهو واحد من قلائل في تاريخ الموسيقى العربية جمعوا الغناء والتلحين والتمثيل والإنتاج في رجل واحد، ولم يبق مجرد صوت عذب في أفلام الأبيض والأسود، بل حمل مشروعاً كاملاً بدأ في الموالد وأفراح الريف، وامتد إلى استوديوهات القاهرة، ثم إلى نشيد يُعزف كل يوم في مدارس الجزائر وملاعبها.
يتتبع هذا التقرير رحلته: كيف خرج من طنطا إلى قمة الشهرة، ولماذا قدّم لحن «قسماً» بلا مقابل، وما الذي جرى لشركة «مصرفون»، وكيف انتهت حياته بمرض صار يحمل اسمه.
من هو محمد فوزي وكيف كانت نشأته؟
اسمه الكامل محمد فوزي عبد العال، وُلد في 15 أغسطس 1918 بقرية كفر أبو جندي التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، وكان الابن الحادي والعشرين بين 25 ولداً وبنتاً. ونشأ في أسرة خرج منها فنانون آخرون، فشقيقته المطربة والممثلة هدى سلطان، وكذلك المطربة هند علام.
حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة في طنطا عام 1931. وفي تلك المدينة، التي يقصدها الناس من كل أنحاء الدلتا في الموالد، تفتحت موهبته على يد معلمه الأول محمد الخربتلي. كان الخربتلي رجل إطفاء، لكنه يحب الموسيقى، فكان يصطحب الفتى ليغني في الموالد والليالي والأفراح.
كانت هذه المدرسة الشعبية أساس أسلوبه فيما بعد. فلم يتعلم الغناء في القاعات المغلقة أولاً، بل أمام جمهور حقيقي يطرب ويتفاعل في الحال. ولعل هذا يفسر، على سبيل التحليل، الخفة والبساطة التي ميزت ألحانه لاحقاً، وقدرته على الوصول إلى الناس من غير تكلف.

كيف انتقل محمد فوزي من طنطا إلى قمة الغناء والسينما؟
انتقل فوزي إلى القاهرة والتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى رغم عدم رغبة والده، ثم عمل في الفرق المسرحية الكبرى، إلى أن اكتشفه يوسف وهبي وقدمه للسينما عام 1944. ومن هناك بدأ صعوده السريع في الأربعينيات والخمسينيات.
مر في القاهرة بثلاث محطات مسرحية أساسية: فرقة بديعة مصابني، ثم فرقة فاطمة رشدي، ثم فرقة المسرح القومي. وكان المسرح وقتها مدرسة عملية تعلّم الفنان الوقوف أمام الجمهور والأداء الحي والتعامل مع النص والموسيقى في وقت واحد، فتعلّم فيه فوزي ما سيحتاجه لاحقاً في السينما الغنائية.
جاءت النقلة الكبرى حين منحه يوسف وهبي دوراً صغيراً في فيلم «سيف الجلاد» عام 1944، وكانت تلك بداية مشواره السينمائي. ولم تمضِ سنوات قليلة حتى صار نجماً، وبعد نجاحه في فيلم «أصحاب السعادة» أسس شركته للإنتاج السينمائي عام 1947، أي بعد ثلاث سنوات فقط من ظهوره الأول على الشاشة.
شارك فوزي في 36 فيلماً، منها «بنات حواء» و«فاطمة وماريكا وراشيل» و«ورد الغرام» و«ليلى بنت الشاطئ» و«الآنسة ماما» و«كل دقة في قلبي» و«ثورة المدينة» و«من أين لك هذا». وغلب على أفلامه الطابع الكوميدي الرومانسي الخفيف المليء بالأغاني. وترك للأطفال أغنيات ما زالت حاضرة جيلاً بعد جيل، أشهرها «ماما زمانها جاية» و«ذهب الليل طلع الفجر».
لماذا لحّن محمد فوزي النشيد الوطني الجزائري «قسماً» بلا مقابل؟
لحّن فوزي «قسماً» بمبادرة منه، ورفض أي أجر عنه، وقال لقادة الثورة الجزائرية إن اللحن هدية للشعب الجزائري وإن هذه طريقته في المشاركة في الثورة. وتذكر «بوابة الأهرام» أنه دفع تكاليف تسجيل النشيد من ماله الخاص مساهمةً منه في دعم الثورة.
بدأت قصة النشيد في الجزائر نفسها. فقد كلّفت جبهة التحرير الوطني الشاعر مفدي زكريا بكتابته، فكتبه في 25 أبريل 1955 وهو في الزنزانة رقم 69 بسجن «بربروس» في حي القصبة. أي أن كلماته خرجت من داخل سجن استعماري، وهذا وحده يفسر ما فيها من حماس وتحدٍّ.
لم يكن الوصول إلى اللحن المناسب سهلاً. فبحسب «الشروق» الجزائرية، رفضت جبهة التحرير أولاً لحن الجزائري محمد طوري لأنه يفتقر إلى الحماس الكافي، ثم رفضت لحن التونسي محمد التريكي لأنه كان يختلف من مقطع إلى آخر. وبقي النشيد يبحث عن لحن يليق به.
ثم التقى فوزي بمفدي زكريا في استوديو إذاعة «صوت العرب» بالقاهرة، فتأثر بكلمات النشيد ولحّنه في ساعتين فقط عام 1956. وخرج اللحن قوياً ومتماسكاً من أوله إلى آخره، يناسب نشيد ثورة، فاعتُمد «قسماً» نشيداً وطنياً رسمياً للجزائر المستقلة عام 1963. ولم تنتهِ علاقته بالجزائر عند هذا الحد، إذ غنّى أغنية «مليون شهيد» لأول مرة في القاهرة يوم 4 أبريل 1962 احتفالاً بانتصار الثورة.

ما قصة شركة «مصرفون» وكيف خسرها محمد فوزي بعد التأميم؟
«مصرفون» شركة لإنتاج الأسطوانات أسسها محمد فوزي عام 1958، وكانت مشروعاً مصرياً ينافس الشركات الأجنبية التي كانت تسيطر على السوق. وفي عام 1961 أممتها الحكومة وعيّنته مديراً لها براتب 100 جنيه، فكانت تلك من أكبر الصدمات في حياته.
كانت فكرة الشركة جريئة بمقاييس زمنها، فقد باع فوزي الأسطوانة بـ35 قرشاً، في حين كانت الشركات الأجنبية تبيعها بـ90 قرشاً، أي بأقل من نصف السعر تقريباً. وكان هذا يعني أن الموسيقى المسجلة صارت في متناول شريحة أوسع من الناس، وأن صناعة الأسطوانات في مصر لم تعد حكراً على رأس المال الأجنبي.
لكن المشروع لم يبقَ بين يديه طويلاً. فبعد ثلاث سنوات تقريباً من تأسيسه، شمله التأميم ضمن موجة تأميمات تلك المرحلة، وتحول صاحبه من مالك ومؤسس إلى موظف يتقاضى راتباً في الشركة التي بناها بنفسه. ويؤكد ابنه الدكتور منير محمد فوزي أن والده لم تكن له علاقة بالسياسة، أي أن ما جرى لم يكن عقاباً على موقف سياسي.
وتشير مجلة «المجلة» إلى أن فوزي أصيب بمرضه النادر بعد التأميم. ولا يمكن الجزم بعلاقة طبية مباشرة بين الصدمة والمرض، لكن التزامن بينهما جعل كثيرين ممن كتبوا سيرته يرون في تلك الخسارة بداية النهاية لرجل كان في قمة عطائه.

ما المرض الغامض الذي أنهى حياة محمد فوزي؟
أُصيب فوزي بمرض نادر احتار فيه الأطباء. قيل أولاً إنه سرطان العظام، ثم شُخّص بأنه «تليف في الغشاء البريتوني الخلفي ناتج عن أورام سرطانية»، وأطلق عليه طبيب ألماني اسم «مرض فوزي»، لأنه كان خامس شخص في العالم يُصاب به.
وصل الحيرة في تشخيصه إلى الصحف. ففي 21 فبراير 1965 نشرت جريدة «الأخبار» أن أطباء مصر اختلفوا في تشخيص مرضه، وأن علاجه غير ممكن إلا في الخارج. فقرر الدكتور عبد القادر حاتم، نائب رئيس الوزراء للثقافة، علاجه على نفقة الدولة.
بدأت بعدها رحلة علاج طويلة ومرهقة، من لندن إلى ألمانيا ثم إلى نيويورك، حيث كان يرقد في الطابق التاسع بالمستشفى التذكاري. ومن هناك نشرت «الأهرام» حواراً معه أجراه الصحفي كمال الملاخ في 25 فبراير 1966. واشتد عليه المرض حتى نزل وزنه إلى 36 كيلوغراماً، وهي صورة قاسية لفنان عرفه الجمهور بالحيوية وخفة الظل.
لم تنجح رحلات العلاج، وتوفي محمد فوزي في القاهرة يوم 20 أكتوبر 1966 عن 48 عاماً. وبقيت معه حتى النهاية زوجته الثالثة كريمة التي تزوجها عام 1960، بعد زواجين سابقين: من هداية بين 1943 و1952، ثم من الفنانة مديحة يسري بين 1952 و1959.
كيف تحتفي مصر والجزائر بذكرى محمد فوزي اليوم؟
ما زالت الجزائر تحفظ لمحمد فوزي مكانة خاصة، فقد منحته وسام الاستحقاق الوطني وأطلقت اسمه على المعهد الوطني العالي للموسيقى. وفي عام الذكرى الستين أقامت أوبرا الجزائر احتفالية كبرى باسمه.
ففي 13 يوليو 2026 نظمت أوبرا الجزائر «بوعلام بسايح» أمسية مصرية جزائرية في الذكرى الستين لرحيله، حضرها ابنه الدكتور منير محمد فوزي ووزيرة الثقافة الجزائرية مليكة بن دودة، التي كرّمت عائلته وعائلة الشاعر مفدي زكريا معاً. وجمعت الأمسية بذلك بين صاحب الكلمات التي كُتبت في الزنزانة وصاحب اللحن الذي خرج من استوديو في القاهرة.
ومع اقتراب يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، موعد الذكرى الستين، يمكن لمن يريد التعرف على تراثه أن يبدأ بأفلامه الغنائية مثل «ورد الغرام» و«الآنسة ماما»، وأن يستمع إلى أغانيه للأطفال، ثم إلى «قسماً» و«مليون شهيد» ليعرف الوجه الوطني لفنه. ومن المفيد كذلك أن يعود إلى الحوارات والمقالات الصحفية الموثقة عنه في الأرشيف بدلاً من الحكايات المتداولة على مواقع التواصل، لأن كثيراً منها غير دقيق.
أهم النقاط
- وُلد محمد فوزي عبد العال في 15 أغسطس 1918 بكفر أبو جندي في محافظة الغربية، وكان الابن الحادي والعشرين بين 25 أخاً وأختاً.
- تعلم الموسيقى على يد رجل الإطفاء محمد الخربتلي، وغنّى في الموالد والأفراح قبل أن يلتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى في القاهرة.
- اكتشفه يوسف وهبي في فيلم «سيف الجلاد» عام 1944، وأسس شركة للإنتاج السينمائي عام 1947، وشارك في 36 فيلماً.
- لحّن نشيد «قسماً» في ساعتين عام 1956 بلا أجر، ودفع تكاليف تسجيله من ماله، واعتُمد نشيداً وطنياً للجزائر عام 1963.
- أسس «مصرفون» عام 1958 وباع الأسطوانة بـ35 قرشاً مقابل 90 قرشاً عند الشركات الأجنبية، ثم أُمّمت عام 1961 وعُيّن مديراً لها براتب 100 جنيه.
- أصيب بمرض نادر أطلق عليه طبيب ألماني اسم «مرض فوزي»، وكان خامس مصاب به في العالم، ونزل وزنه إلى 36 كيلوغراماً.
- توفي في القاهرة يوم 20 أكتوبر 1966 عن 48 عاماً، وتحل ذكراه الستون يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026.
أسئلة شائعة
ما صلة القرابة بين محمد فوزي وهدى سلطان؟
هدى سلطان شقيقة محمد فوزي، وهي مطربة وممثلة معروفة. وشقيقته الأخرى هي المطربة هند علام، ما يعني أن الأسرة قدمت أكثر من صوت للفن المصري.
من هي زوجات محمد فوزي؟
تزوج ثلاث مرات: من هداية بين 1943 و1952، ثم من الفنانة مديحة يسري بين 1952 و1959، ثم من كريمة عام 1960، وبقيت معه حتى وفاته عام 1966.
من كتب كلمات النشيد الوطني الجزائري «قسماً»؟
كتبه الشاعر الجزائري مفدي زكريا في 25 أبريل 1955 داخل الزنزانة رقم 69 بسجن «بربروس» في القصبة، بتكليف من جبهة التحرير الوطني. ثم لحّنه محمد فوزي في القاهرة عام 1956.
ما أشهر أغاني محمد فوزي للأطفال؟
أشهرها «ماما زمانها جاية» و«ذهب الليل طلع الفجر»، وما زالت الأجيال المتعاقبة تتناقلهما حتى اليوم. وتعد أغانيه من أوائل الأعمال العربية الموجهة للأطفال وأكثرها انتشاراً.
كم فيلماً شارك فيه محمد فوزي؟
شارك في 36 فيلماً، أولها «سيف الجلاد» عام 1944. ومن أبرزها «ورد الغرام» و«الآنسة ماما» و«فاطمة وماريكا وراشيل» و«كل دقة في قلبي» و«من أين لك هذا».
كيف كرّمت الجزائر محمد فوزي؟
منحته وسام الاستحقاق الوطني، وأطلقت اسمه على المعهد الوطني العالي للموسيقى. وفي 13 يوليو 2026 أقامت أوبرا الجزائر «بوعلام بسايح» أمسية في الذكرى الستين لرحيله كُرّمت فيها عائلته.
الخلاصة
عاش محمد فوزي ثمانية وأربعين عاماً فقط، لكنه ملأها بما يكفي أعماراً كثيرة. خرج من موالد طنطا، ومر بالمسرح، وصار نجماً في السينما ومنتجاً لأفلامه، وأراد أن يحرر صناعة الأسطوانات المصرية من هيمنة الشركات الأجنبية، وترك للجزائر نشيداً ما زال يُعزف في كل مناسباتها. ثم خسر شركته بالتأميم، وأصابه مرض نادر حمل اسمه وأنهى حياته في 20 أكتوبر 1966. وفي ذكراه الستين، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، يبقى فوزي مثالاً على فنان عربي لم يفصل بين الموهبة والمشروع، ولا بين الفن والموقف، وأعطى ثورة شعب آخر أغلى ما عنده من غير أن يطلب شيئاً.