لا تصنع مصر سلاحها كله بنفسها. تنتج محلياً الذخائر والأسلحة الخفيفة والمركبات المدرعة وبعض السفن، وتجمّع أنظمة أثقل بترخيص أجنبي، بينما تستورد المقاتلات والدفاع الجوي المتقدم والمحركات والإلكترونيات الحساسة. وبين هذين الطرفين تقع قصة الصناعة الدفاعية المصرية.
في ديسمبر 2018 افتتحت القاهرة أول دورة من معرض إيديكس للدفاع في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس. وقفت منتجات المصانع الحربية المصرية في القاعات نفسها مع منتجات كبريات الشركات العالمية، وكانت تلك رسالة واضحة: القاهرة تريد أن تُعرف بصفتها منتجة لا مشترية فقط.
الأجزاء الثلاثة السابقة من السلسلة تتبّعت مصادر السلاح المصري: التشيكي والسوفيتي، ثم الأمريكي، ثم الفرنسي والروسي بعد 2013. هذا الجزء الأخير يسأل عن البديل الذي طالما راود صانع القرار: أن تصنع مصر ما تحتاجه. وإلى أي مدى تحقق ذلك فعلاً حتى اليوم، الثلاثاء 3 نوفمبر 2026؟
ما هي الهيئة العربية للتصنيع ومتى نشأت؟
الهيئة العربية للتصنيع مؤسسة صناعية دفاعية أُسست عام 1975 بمشاركة مصر والسعودية وقطر والإمارات، بهدف إقامة صناعة عسكرية عربية مشتركة تموّلها دول الخليج وتديرها الخبرة المصرية. كانت الفكرة أن يتحول المال الخليجي والكوادر المصرية إلى مصانع تنتج سلاحاً عربياً.
لم يدم هذا التصور طويلاً. بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية انسحب الشركاء الخليجيون عام 1979، وبقيت الهيئة مصرية خالصة، تحمل اسماً عربياً وتعمل بإدارة مصرية وتحت إشراف الدولة. فقدت التمويل الذي قامت عليه، لكنها ورثت المصانع والمهندسين والعقود.
اليوم تضم الهيئة مصانع وشركات في مجالات متفرقة: المحركات والإلكترونيات والمركبات والطائرات والصواريخ. وتنتج إلى جانب ذلك سلعاً مدنية كثيرة، وهذا ليس تفصيلاً هامشياً. فالتصنيع المدني يُبقي الخطوط مشغّلة والعمال مدرّبين حين تقل الطلبات العسكرية، وهو نموذج تتبعه دول عدة في صناعاتها الدفاعية.
وما الفرق بينها وبين المصانع الحربية ووزارة الإنتاج الحربي؟
تتبع المصانع الحربية وزارة الإنتاج الحربي، أما الهيئة العربية للتصنيع فجهة مستقلة عنها. الاثنتان تنتجان للقوات المسلحة، لكن لكل منهما مصانعها وإدارتها، وكثيراً ما يختلط الأمر على القارئ لأن الأخبار تذكرهما معاً في المعارض والصفقات.
جذور الصناعة الحربية في مصر أقدم من الهيئة بكثير. ترسانات محمد علي في القرن التاسع عشر كانت أول محاولة لتصنيع المدافع والأسلحة محلياً. وفي الخمسينيات والستينيات توسّعت المصانع في أبو زعبل وحلوان وشبرا والمعادي، ومنها خرجت بنادق وذخائر وقطع مدفعية بتراخيص سوفيتية في معظمها.
وفي الستينيات حاولت مصر ما هو أبعد. صممت في مصنع للطائرات بحلوان مقاتلة نفاثة هي HA-300 بمساعدة فريق ألماني بقيادة ويلي ميسرشميت، وطارت النسخة التجريبية عام 1964. توقف المشروع في أواخر العقد نفسه، وكان العائق الأكبر هو المحرك. هذه العقدة تتكرر في كل نقاش عن الاكتفاء الذاتي: الهيكل يمكن بناؤه، أما المحرك فيحتاج عقوداً من الخبرة.
ماذا صنعت مصر فعلاً قبل مدافع K9؟
صنعت مصر وجمّعت محلياً سلسلة من المعدات: بنادق مثل «مصر» من مصنع المعادي، وصواريخ «صقر» التي أنتجتها الهيئة، والمركبة المدرعة «فهد»، وتحديثات للدبابات السوفيتية القديمة. هذه كلها منتجات حقيقية خرجت من خطوط مصرية، وإن اختلفت نسبة المكوّن المحلي فيها.
أكبر مثال على التجميع بترخيص هو دبابة أبرامز. وقّعت مصر مع الولايات المتحدة في أواخر الثمانينيات اتفاق إنتاج مشترك، وبدأ التجميع في مصنع حلوان مطلع التسعينيات، حتى تجاوز عدد الدبابات المجمّعة محلياً الألف. الجزء الأول والثاني من السلسلة شرحا سبب دخول أبرامز الخدمة أصلاً، أما هنا فالسؤال عن مدى مصريتها. والجواب أن أجزاءً حساسة منها بقيت أمريكية المصدر، وأن أي توقف في توريدها يعطّل الخط.
وفي البحر جاء نموذج مختلف. بعد التعاقد على كورفيتات «جويند 2500» الفرنسية، بُنيت الأولى في فرنسا وبُني الباقي في ترسانة الإسكندرية بإشراف الجانب الفرنسي. هنا تعلّمت الكوادر المصرية بناء هيكل سفينة حربية حديثة، لكن أنظمة القتال والحساسات ظلت في معظمها أجنبية. وهذا يوضح النمط: تتوطن اللحامة والتجميع أولاً، وتأتي الأنظمة الذكية بعدها بسنوات إن جاءت.
لماذا اتجهت مصر إلى كوريا الجنوبية ومدافع K9؟
اتجهت مصر إلى كوريا الجنوبية لأن سيول تبيع أسلحة حديثة مجرّبة وتقبل غالباً ربط الصفقة بنقل تكنولوجيا وإنتاج محلي. وفي 2022 جرى اتفاق لتصنيع مدافع K9 ذاتية الحركة عيار 155 ملم، وهي من إنتاج شركة هانوا الكورية، في مصر بالتعاون مع جهات التصنيع المصرية.
المدفع نفسه معروف في الأسواق. اعتمدته جيوش عدة منها تركيا وبولندا والهند وفنلندا، وتنتج تركيا نسخة مرخّصة منه. أما الأرقام المتداولة عن عدد المدافع وقيمة الاتفاق ونسبة التصنيع المحلي فتتفاوت بين مصدر وآخر ولم تُعلن رسمياً بشكل كامل، لذلك لا يصح الجزم بها. الثابت أن الاتفاق يقوم على الإنتاج داخل مصر لا الشراء الجاهز وحده.
لماذا المدفعية بالذات؟ هذا تحليل لا معلومة رسمية: المدفعية سلاح لا يحتاج إلى سلسلة توريد معقدة مثل المقاتلة، فهو أنبوب ومحرك ونظام تحكم وعربة مجنزرة، وبالتالي هو مرشح طبيعي للتوطين. ومصر تملك ترسانة قديمة من مدافع سوفيتية وأمريكية الأصل تحتاج إلى تجديد، فجمع التجديد والتصنيع في صفقة واحدة يخدم الهدفين.
والسؤال الذي يقيس جدية التوطين هو: هل تُصنع الأنابيب والمحركات ومنظومات التحكم في مصر، أم تُجمّع القطع المستوردة فقط؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين مصنع ومحطة تركيب.
ما دور معرض إيديكس في عرض الإنتاج المصري؟
إيديكس هو المعرض الدولي للدفاع والأمن الذي تستضيفه القاهرة، وبدأ عام 2018 ويُقام كل عامين تقريباً في التجمع الخامس. وظيفته المعلنة جمع شركات السلاح العالمية والوفود العسكرية في مكان واحد، لكن وظيفته العملية بالنسبة للصناعة المصرية أن تقدّم نفسها.
في أروقة المعرض تعرض المصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع منتجاتهما: مركبات مدرعة وأسلحة خفيفة وذخائر ومنظومات إلكترونية. وتُوقَّع هناك عادة مذكرات تفاهم مع شركات أجنبية، وهي في الغالب بداية حوار لا عقود نهائية. وتمنح الدورات المتتالية الشركات المصرية فرصة المقارنة المباشرة بمنافسيها.
لكن العرض ليس بيعاً. حجم الصادرات الدفاعية المصرية متواضع قياساً بحجم مشترياتها، وهذا تقدير تحليلي. والمعرض يخدم أغراضاً أخرى: إقناع الشركاء الأجانب بأن مصر شريك صناعي، وإقناع الداخل بأن التوطين يتقدم، وإظهار أن القاهرة لا ترتبط بمورد واحد، وهي الفكرة التي حكمت قصة تنويع المصادر منذ 2013.
إلى أي مدى اقتربت مصر من الاكتفاء الذاتي، وما الذي تعتمد فيه على الخارج؟
اقتربت مصر من الاكتفاء في الطبقات الدنيا من التسليح، ولا تزال بعيدة عنه في الطبقات العليا. يمكن تقسيم الصناعة الدفاعية إلى أربع طبقات: الأسلحة الخفيفة والذخيرة، ثم المركبات والسفن، ثم المنظومات الثقيلة بترخيص أجنبي، وأخيراً القلب التقني من محركات وحساسات وصواريخ موجهة. تغطي مصر الطبقتين الأوليين بدرجة كبيرة، وتدخل الثالثة بالتدريج، وتبقى الرابعة شبه مستوردة.
تعتمد القوات الجوية المصرية على مقاتلات أمريكية وفرنسية وروسية الصنع، والدفاع الجوي المتقدم يأتي من الخارج، وكذلك المحركات والرادارات الحديثة وقطع الغيار الدقيقة. ولهذا تعني الصفقة الجديدة دائماً عقد صيانة طويلاً وتدريباً وذخيرة مرتبطة بالمورد، فالشراء ليس لحظة واحدة بل علاقة تمتد عقوداً.
كما أن الاكتفاء الكامل نادر في العالم، حتى للدول الكبرى التي تعتمد على سلاسل توريد دولية في الإلكترونيات. فالمعيار الواقعي ليس «هل نصنع كل شيء؟» بل «هل نملك القدرة على الاستمرار لو توقف مورد بعينه؟». وفي هذا المعيار قطعت مصر شوطاً، لأنها لم تعد تعتمد على مصدر واحد كما اعتمدت على موسكو قبل 1972 وعلى واشنطن بعد ذلك، لكنها استبدلت اعتماداً واحداً بعدة اعتمادات أصغر.
ما يستحق المتابعة في الأشهر والسنوات القادمة: نسبة المكوّن المحلي المعلنة في عقد K9 حين تظهر، وأي عقد تصدير فعلي، وهل تتوطن صناعة المحركات أو الإلكترونيات. هذه المؤشرات تقول أكثر مما تقوله صور المعارض.
ماذا تقول سبعون عاماً من تغيير الموردين عن مستقبل التسليح المصري؟
تقول إن كل مرحلة انتهت حين تغيّرت السياسة عند المورد أو عند مصر. صفقة 1955 فتحت باب السلاح السوفيتي، وطرد الخبراء عام 1972 أنهاه، والاتجاه نحو واشنطن بعد السلام أعاد تشكيل الجيش بالكامل، ثم جاء تنويع المصادر بعد 2013 بفرنسا وروسيا وكوريا الجنوبية. في كل مرة كان الثمن إعادة تدريب وإعادة تسليح وتعديل في العقيدة القتالية.
التصنيع المحلي هو محاولة لتقليل هذا الثمن، لا إلغاؤه. فمن يملك خطاً لإنتاج الذخيرة وتجميع المدرعات وإصلاح المحركات يستطيع أن يتحمل قطيعة سياسية أكثر ممن يستورد كل شيء. هذا تحليل، لكنه يفسّر لماذا تربط القاهرة صفقاتها الأخيرة بنقل التكنولوجيا.
وهناك حدود. الصناعة الدفاعية تحتاج إلى طلب مستمر وسوق تصدير وبحث وتطوير ممول، وكلها تُبنى ببطء. وكان مشروع HA-300 في الستينيات درساً مبكراً في أن الطموح وحده لا يكفي إن غاب المحرك والتمويل والشريك.
أهم النقاط
- الهيئة العربية للتصنيع نشأت عام 1975 بمشاركة مصر والسعودية وقطر والإمارات، وبقيت مصرية بعد انسحاب الشركاء الخليجيين عام 1979.
- تنتج مصر محلياً الذخائر والأسلحة الخفيفة والمركبات المدرعة، وتجمّع أنظمة أثقل بترخيص مثل دبابة أبرامز.
- اتفاق 2022 مع كوريا الجنوبية يقوم على تصنيع مدافع K9 في مصر، لكن تفاصيل العدد والقيمة ونسبة التوطين لم تُعلن بدقة.
- معرض إيديكس، الذي بدأ في القاهرة عام 2018، هو واجهة للصناعة المصرية وساحة لعقد شراكات، وليس دليلاً وحده على قدرة التصدير.
- لا تزال مصر تستورد المقاتلات والدفاع الجوي المتقدم والمحركات والحساسات الدقيقة.
- المعيار الواقعي للاكتفاء هو القدرة على الاستمرار عند توقف مورد بعينه، لا تصنيع كل شيء.
أسئلة شائعة
هل تصدّر مصر السلاح إلى دول أخرى؟
تعرض مصر منتجاتها الدفاعية في معارض دولية وتبحث عن أسواق خارجية، لكن حجم الصادرات يبدو متواضعاً مقارنة بمشترياتها. لا تتوافر أرقام رسمية دقيقة تسمح بتقدير حجمها.
ما هو مدفع K9 وما ميزته؟
K9 مدفع ذاتي الحركة عيار 155 ملم تنتجه شركة هانوا الكورية الجنوبية، ويُستخدم في عدة جيوش. ميزته أنه مجنزر ومحمي ويستطيع التحرك بسرعة بعد إطلاق النار، وهو ما يقلل تعرضه للرد.
كل كم سنة يُقام معرض إيديكس وأين؟
يُقام معرض إيديكس في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس شرق القاهرة، وبدأ عام 2018. ويتكرر كل عامين تقريباً، وغالباً في أواخر العام.
هل تصنع مصر طائرات مقاتلة؟
لا تصنع مصر مقاتلات حديثة. مشروع المقاتلة HA-300 الذي بدأ في الستينيات توقف، ومقاتلاتها الحالية مستوردة من دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا.
ما الفرق بين التصنيع المحلي والتجميع المحلي؟
التصنيع يعني إنتاج الأجزاء الرئيسية في البلد نفسه، أما التجميع فيعني تركيب أجزاء مستوردة في مصنع محلي. التجميع خطوة أولى مفيدة لتدريب الكوادر، لكنه يترك الدولة معتمدة على المورد في القطع الأساسية.
الخلاصة
لو قرأت خبراً عن صفقة سلاح جديدة لمصر، فاسأل ثلاثة أسئلة قبل أن تحكم عليه: هل يتضمن نقل تكنولوجيا حقيقية أم تجميعاً فقط؟ وكم نسبة المكوّن المحلي المعلنة؟ ومن يتحكم في قطع الغيار؟ هذه الأسئلة الثلاثة تحدد مدى استقلال القرار العسكري أكثر مما تحدده أسماء الطائرات والمدافع. وسبعون عاماً من تغيّر الموردين، من براغ إلى موسكو إلى واشنطن إلى باريس وسول، تقول إن أمن الإمداد لا يقل أهمية عن قوة السلاح نفسه. ومع الدورة القادمة من إيديكس سيكون الاختبار هو الإعلان عن أرقام التوطين الفعلية في عقد K9 وعن أي عقد تصدير مصري موقّع.