صباح اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 أعلن الحوثيون أنهم ضربوا مصفاة رأس تنورة السعودية بصاروخ باليستي، بعد يوم واحد من تفويض مجلس النواب المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي «باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم ومساندة المملكة العربية السعودية والدفاع عنها». وردّت الجماعة بأن اعتبرت التفويض «إعلاناً للحرب على اليمن». أما الدعم المصري نفسه فمشروط بطلب سعودي، وتقول القاهرة إنه دفاعي، ولم تُعلن حتى الآن أي تفاصيل عن حجمه أو طبيعته أو مدته.

الضربة نفسها ليست أغرب ما في الخبر. فالحوثيون يطلقون صواريخهم على السعودية منذ تجدد الحرب في يوليو، لكنهم هذه المرة وضعوا اسم مصر في بياناتهم، مع أن مصر لا تجاورهم، وليست طرفاً في «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» التي وقّعتها الرياض مع أنقرة وإسلام آباد في أغسطس. وفي مقاهي القاهرة وعلى مواقع التواصل يتردد سؤال واحد بصيغ مختلفة: هل دخلت مصر الحرب؟ وماذا ينتظر قناة السويس وأسعار البيت؟

الإجابة تمر بثلاث محطات: الساحل الشرقي للسعودية، ثم قاعة البرلمان في العاصمة الإدارية الجديدة، ثم مضيق باب المندب، وهو المكان الذي تُحسب فيه مصالح مصر الفعلية.

ماذا حدث في رأس تنورة صباح الثلاثاء؟

أعلن يحيى سريع، المتحدث العسكري باسم الحوثيين، أن قواتهم ضربت مصفاة رأس تنورة في المنطقة الشرقية بصاروخ باليستي، وقال إن الضربة أشعلت «حرائق ضخمة». ما أكدته مصادر مستقلة أقل من ذلك بكثير. فشركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» أكدت اندلاع حريق في الموقع بعد هجوم وقالت إنه احتُوي، وأضافت أن حجم الأضرار وأثره على تحميل النفط لم يتضحا بعد.

لم تؤكد السلطات السعودية الاستهداف فور إعلانه. ونقلت وكالة بلومبرغ عن مصدر مطلع أن حريقاً قرب محطة رأس تنورة احتُوي في الساعات الأولى من الصباح. الثابت إذن أن حريقاً وقع واحتُوي، أما رواية «الحرائق الضخمة» فلم تؤكدها حتى الآن أي جهة غير الحوثيين.

ولماذا هذه المنشأة تحديداً؟ رأس تنورة من أكبر مصافي النفط في الشرق الأوسط، وطاقتها نحو 550 ألف برميل يومياً، وتضم أيضاً محطة لتصدير النفط. ولهذا السبب استُهدفت أكثر من مرة، فقد تعرضت لهجمات نُسبت إلى إيران، آخرها هجوم بطائرة مسيّرة في مطلع مارس أوقف جزءاً من عمليات المصفاة.

ولم تكن رأس تنورة الهدف الوحيد اليوم. أعلن الحوثيون استهداف وزارة الدفاع في الرياض، وسمع مراسلو وكالة فرانس برس أربعة انفجارات على الأقل، بينما قال المتحدث باسم التحالف تركي المالكي إن الدفاع الجوي اعترض صاروخين باليستيين ودمّرهما قبل وصولهما إلى العاصمة. وقالت الجماعة أيضاً إنها استهدفت طائرتي نقل عسكريتين، واحدة في مطار نجران وأخرى في قاعدة خالد الجوية بخميس مشيط، وأطلق الدفاع المدني السعودي إنذارات مبكرة في الرياض والخرج والحريق وأبها ونجران وخميس مشيط.

كيف وصلت الحرب إلى قلب السعودية من جديد؟

تجددت المعارك في يوليو 2026 بعد انهيار هدنة 2022 بين الحوثيين من جهة والحكومة اليمنية والرياض من جهة أخرى. وتقدم الحوثيون بسرعة حتى سيطروا على الساحل الغربي كله وصولاً إلى مضيق باب المندب، وهي نقطة تعني مصر أكثر من أي عاصمة عربية أخرى.

ثم جاء أكتوبر. في العاشر منه أدى هجوم على مطار الرياض إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة المئات، وكان ذلك أعنف هجوم على الأراضي السعودية منذ أكثر من عشر سنوات. وبلغ عدد قتلى الهجمات على المطارات السعودية منذ بداية الشهر 22 شخصاً.

وصلت الكلفة إلى الاقتصاد أيضاً. ألغت الرياض فعاليات عدة بسبب الهجمات المتكررة، أبرزها منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» السنوي، وهو واجهة المملكة أمام المستثمرين الأجانب. وفي هذا المناخ جاء التفويض المصري، الذي طلبه الرئيس السيسي من البرلمان.

ما الذي قرره البرلمان المصري يوم 26 أكتوبر بالضبط؟

وافق مجلس النواب يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، برئاسة المستشار هشام بدوي وفي جلسة بالعاصمة الإدارية الجديدة، على تفويض الرئيس السيسي «باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم ومساندة المملكة العربية السعودية والدفاع عنها»، بناءً على طلب الرئيس نفسه. والتفويض مشروط بأن تطلب المملكة ذلك، وسبقته جلسات سرية للبرلمان طوال الأسبوع السابق للتصويت.

الأساس القانوني هو المادة 152 من الدستور المصري، وهي تمنع إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج البلاد إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. وتنص المادة 130 من اللائحة الداخلية للمجلس على أن يجري التصويت في جلسة سرية عاجلة، وهذا يفسر قلة ما نُشر عن النقاش داخل القاعة.

بحسب جريدة الدستور، وافق على التفويض أكثر من ثلثي النواب ولم يعترض أحد، وامتنع عن التصويت الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي وأربعة نواب آخرون. وأكد مجلس الدفاع الوطني برئاسة السيسي تضامن مصر مع السعودية واستعدادها لتقديم «أشكال الدعم اللازمة والممكنة» لأمن المملكة، مع مواصلة الجهود السياسية والدبلوماسية لخفض التصعيد.

صياغة النص تستحق التوقف عندها. كلمة «الممكنة» في بيان مجلس الدفاع الوطني تعني أن القاهرة احتفظت لنفسها بحق تقدير ما تقدمه. فالتفويض يفتح الباب أمام الرئيس من الناحية القانونية، لكنه لا يلزمه بإرسال قوات بعينها أو بالمشاركة في عمليات داخل اليمن.

مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة
مقر مجلس النواب المصري الذي أقرّ تفويض دعم السعوديةالصورة: Abdelrhman 1990 — ويكيميديا كومنز (CC BY 4.0)

لماذا ربط الحوثيون مصر بالمواجهة؟

لأن التفويض المصري يغيّر الحسابات العسكرية والسياسية للحرب حتى قبل أن يتحرك أي جندي. علّق محمد علي الحوثي، عضو المجلس السياسي لأنصار الله، بأن تفويض البرلمان للسيسي «إعلان للحرب على اليمن»، وقال إنه «يتعارض مع الجهود المعلنة لخفض التصعيد في المنطقة».

في قراءة تحليلية، يخدم هذا الخطاب الجماعة من أكثر من جهة. فهو يرفع ثمن أي مشاركة مصرية قبل أن تبدأ، ويخاطب الرأي العام المصري الذي يحمل ذاكرة ثقيلة عن اليمن. كما يرسل رسالة إلى بقية الحلفاء المحتملين للرياض بأن الانضمام إليها له كلفة. وتوقيت ضربة رأس تنورة، بعد ساعات من التصويت، يعزز هذه الرسالة حتى لو لم تُعلن الجماعة صراحة أن الضربة رد على القرار المصري.

وفي خلفية المشهد علاقة لم تنقطع تماماً. ففي مارس 2025 التقى وفد حوثي بمسؤولين في الاستخبارات المصرية لبحث خفض التصعيد، وتفيد التقارير بأن القاهرة رفضت حينها اقتراحاً حوثياً بالتنسيق مع هيئة قناة السويس بشأن الملاحة. ويمكن فهم الهجوم الكلامي الحالي في جزء منه كضغط على قناة تواصل كانت الجماعة تعوّل عليها.

سفن تجارية تعبر مضيق باب المندب قرب الساحل اليمني
مضيق باب المندب، بوابة البحر الأحمر الجنوبية نحو قناة السويسالصورة: NASA/METI/AIST/Japan Space Systems, and U.S./Japan ASTER Science Team — ويكيميديا كومنز (Public domain)

ما حدود أي دعم عسكري مصري للسعودية، وأين يقف حلف مكة؟

الحدود المعلنة حتى الآن واضحة: الدعم مشروط بطلب سعودي، وتقول القاهرة إن هدفه الدفاع عن أراضي المملكة وسيادتها وليس الهجوم على اليمن. ولم تُعلن أي تفاصيل نهائية عن حجم القوات المحتملة أو طبيعة المهمة أو مدتها.

التاريخ يقدم للقاهرة نموذجين. في 1962 أرسل جمال عبد الناصر عشرات الآلاف من الجنود إلى اليمن، وأضعف ذلك جاهزية الجيش قبل حرب 1967، وما زالت هذه التجربة حاضرة في نقاش أي مؤسسة عسكرية مصرية عن اليمن. وفي 2015 اختارت مصر طريقاً مختلفاً، فاكتفت بقوات جوية وبحرية لتأمين باب المندب دون انتشار بري واسع. أما شكل أي دعم جديد فلم تعلنه القاهرة حتى الآن.

أما «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» فقد وقّعتها السعودية وباكستان وتركيا في أغسطس 2026، ومصر ليست طرفاً فيها. واللافت أن أنقرة وإسلام آباد لم تعلنا مشاركتهما في العمليات ضد الحوثيين حتى الآن، ورد الحوثي بأن جماعته «لا تخاف من أي تحالفات». وفي 26 أكتوبر، يوم التصويت المصري نفسه، حضر وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان اجتماعاً في طهران مع مسؤولين إيرانيين لخفض التصعيد، بمشاركة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن.

الصورة إذن مزدوجة. الرياض تجمع أوراق الردع، من تفويض مصري وحلف ثلاثي، وتفاوض في الوقت نفسه في طهران. والتفويض المصري في هذا السياق قد يكون ورقة ضغط في المفاوضات بقدر ما هو استعداد للقتال.

ما السيناريوهات المطروحة، وماذا تعني للاقتصاد المصري؟

الخطر الأكبر على مصر اقتصادي قبل أن يكون عسكرياً، ومركزه قناة السويس. قال رئيس هيئة القناة أسامة ربيع إن نحو 49% من حركة السفن المرتبطة بالقناة تمر عبر باب المندب، وهو المضيق الذي أصبح الحوثيون يسيطرون على ساحله. وقدّر تقرير لمونت كارلو الدولية خسائر القناة من أزمة الملاحة السابقة في البحر الأحمر بنحو 11 مليار دولار.

الأرقام السنوية تشرح حجم الضرر. بلغت إيرادات القناة رقماً قياسياً قارب 9.4 مليار دولار في العام المالي 2022/2023، ثم هبطت إلى نحو 4 مليارات في 2024/2025، وتعافت قليلاً إلى نحو 4.6 مليار دولار في 2025/2026. أي تصعيد جديد في البحر الأحمر يهدد هذا التعافي البطيء، وينعكس على موارد العملة الصعبة ثم على الأسعار التي يدفعها المواطن.

يطرح المحللون أربعة مسارات رئيسية. الأول تنسيق سعودي مصري أوثق لتأمين البحر الأحمر، وكان البيان المشترك لزيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر 2026 قد أكد التزام البلدين بأمن الملاحة. والثاني تحرك دبلوماسي مصري لخفض التصعيد. والثالث العودة إلى خارطة الطريق الأممية. والرابع تعثر المفاوضات، لأن الحوثيين رفعوا سقف مطالبهم بعد مكاسبهم الميدانية. وترى الباحثة رابحة علام أن الحل العسكري القاسي ليس خياراً مطروحاً أمام مصر.

الخط الرسمي المصري لخّصه وزير الخارجية بدر عبد العاطي في سبتمبر بعبارة واحدة: «لا نريد تكرار مضيق هرمز في باب المندب». القاهرة تفضّل التهدئة وتدعم الحكومة الشرعية في اليمن، والتفويض لا يلغي هذا الموقف بل يضيف إليه أداة. وللقارئ المصري، خصوصاً من لديه أقارب يعملون في السعودية، فالأفضل متابعة البيانات الرسمية وإنذارات الدفاع المدني السعودي بدلاً من المقاطع المتداولة، والتعامل بحذر مع أي معلومة عن «إرسال قوات» لا تصدر عن جهة رسمية.

أهم النقاط

  • أعلن الحوثيون يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 ضرب مصفاة رأس تنورة بصاروخ باليستي، وأكدت «فانغارد» وقوع حريق احتُوي، ولم يتضح بعد حجم الأضرار.
  • طاقة المصفاة نحو 550 ألف برميل يومياً، وفيها محطة لتصدير النفط.
  • فوّض البرلمان المصري الرئيس السيسي يوم 26 أكتوبر بدعم السعودية والدفاع عنها، بشرط أن تطلب المملكة ذلك، واستناداً إلى المادة 152 من الدستور.
  • وصف محمد علي الحوثي التفويض بأنه «إعلان للحرب على اليمن».
  • لم تُعلن القاهرة حجم القوات أو طبيعة المهمة أو مدتها، وتقول إن تحركها دفاعي وليس هجوماً على اليمن.
  • مصر ليست طرفاً في اتفاقية مكة التي تجمع السعودية وباكستان وتركيا، ولم تعلن أنقرة وإسلام آباد مشاركتهما في العمليات.
  • يمر نحو 49% من حركة السفن المرتبطة بقناة السويس عبر باب المندب، وهنا يقع الخطر الأكبر على الاقتصاد المصري.

أسئلة شائعة

هل أرسلت مصر قوات إلى السعودية بالفعل؟

لم يُعلن ذلك حتى الآن. التفويض البرلماني يتيح للرئيس اتخاذ ما يلزم بشرط طلب المملكة، ولم تُعلن تفاصيل عن حجم القوات أو طبيعة المهمة.

هل يجوز دستورياً إرسال الجيش المصري للقتال خارج البلاد؟

نعم، بشروط تحددها المادة 152 من الدستور: أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب. وتنص اللائحة الداخلية للمجلس على أن يجري التصويت في جلسة سرية عاجلة.

هل مصر عضو في حلف مكة للدفاع المشترك؟

لا. وقّعت الاتفاقية في أغسطس 2026 السعودية وباكستان وتركيا فقط، والدعم المصري يستند إلى قرار مصري منفصل.

هل تأثرت صادرات النفط السعودية بضربة رأس تنورة؟

لم يتضح ذلك بعد. قالت شركة «فانغارد» إن الحريق احتُوي، لكن أثره على تحميل النفط ما زال غير معروف، ولم تصدر السلطات السعودية تأكيداً فورياً.

كم خسرت قناة السويس بسبب أزمات البحر الأحمر؟

قدّر تقرير لمونت كارلو الدولية خسائر الأزمة السابقة بنحو 11 مليار دولار. وتراجعت الإيرادات من نحو 9.4 مليار دولار في 2022/2023 إلى نحو 4.6 مليار في 2025/2026.

هل يمكن أن يستهدف الحوثيون مصر مباشرة؟

الجماعة لم تعلن حتى الآن استهداف أراضٍ مصرية، واكتفت بوصف التفويض بأنه «إعلان حرب». والأثر الأقرب على مصر يمر عبر الملاحة في باب المندب وقناة السويس.

الخلاصة

الأيام القادمة ستُحسم في الرياض وطهران أكثر مما تُحسم في القاهرة. فإذا نجحت مفاوضات خفض التصعيد التي حضرها الأمير خالد بن سلمان يوم 26 أكتوبر، يبقى التفويض المصري ورقة ردع لم تُستخدم. أما إذا تعثرت واستمرت الضربات على المنشآت السعودية، فسيصبح السؤال عن الطلب السعودي وعن شكل الاستجابة المصرية سؤالاً عملياً. ثلاثة مؤشرات تستحق المتابعة: هل تقدّم الرياض طلباً رسمياً، وماذا تعلن القاهرة عن طبيعة المهمة، وما الذي يحدث لحركة السفن في باب المندب. والمؤشر الأخير هو الذي سيصل أثره إلى جيب المواطن المصري قبل غيره، من خلال إيرادات القناة وسعر الصرف.