اشترت مصر الرافال والميسترال لأن تعليق واشنطن تسليم جزء من السلاح في أكتوبر 2013 أقنع القاهرة بأن الاعتماد على مورد واحد مخاطرة. فاتجهت إلى فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا، وصارت تشتري المقاتلات والسفن والغواصات من أكثر من عاصمة، بينما تضغط سيناء وليبيا وشرق المتوسط على حسابات الجيش.

في فبراير 2015 وقّعت القاهرة عقد 24 مقاتلة رافال، وبعدها بشهور اشترت حاملتي المروحيات اللتين صُنعتا في الأصل لروسيا. هاتان الصفقتان قلبتا خريطة التسليح المصرية، لكن وراءهما مسار أطول بدأ بالأزمة مع واشنطن بعد يوليو 2013.

هذا هو الجزء الثالث من سلسلة «من التشيكية إلى الرافال». الجزءان السابقان رويا قصة السلاح السوفيتي ثم الأمريكي، وهذا الجزء يتتبع كيف انتقلت مصر من مورد رئيسي إلى شبكة موردين، وما الذي كسبته من ذلك وما الذي دفعته.

ماذا حدث في 2013 ودفع القاهرة إلى البحث عن موردين جدد؟

دفعتها إلى ذلك أزمة العلاقة مع واشنطن بعد عزل الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013. ففي أكتوبر من العام نفسه أعلنت الإدارة الأمريكية تعليق تسليم معدات ثقيلة، منها مقاتلات F-16 ومروحيات أباتشي وصواريخ هاربون ومكونات لدبابات أبرامز. ولم ترفع إدارة أوباما هذا التعليق إلا في مارس 2015.

لم تكن القاهرة تتعامل مع الأمر كخلاف عابر. الجيش الذي تعلّم من طرد الخبراء السوفيت في 1972 أن المورد الواحد قد يتحول إلى ورقة ضغط، رأى في تجميد الشحنات تأكيداً لدرس قديم. والتحرك جاء سريعاً: زار عبد الفتاح السيسي، وكان وقتها وزيراً للدفاع، موسكو في فبراير 2014، وزار فلاديمير بوتين القاهرة في فبراير 2015، وبعد أيام قليلة وُقّع عقد الرافال مع باريس.

السياق الأمني ضغط في الاتجاه نفسه. كانت العمليات المسلحة في شمال سيناء مستمرة، والفوضى في ليبيا تفتح حدوداً غربية طويلة، وحقل «ظهر» للغاز الذي أُعلن اكتشافه في أغسطس 2015 أضاف حقولاً بحرية تحتاج حماية. هذه قراءة تحليلية للدوافع، لا قائمة رسمية معلنة، لكنها تفسّر لماذا ركزت الصفقات على الطيران والبحرية أكثر من القوات البرية. وتحدثت تقارير عن مساهمة دول خليجية في تمويل جزء من الصفقات، وهو ما لم تؤكده الأطراف بالتفصيل.

كيف جاءت صفقة الرافال وماذا حصلت عليه مصر؟

وقّعت مصر في فبراير 2015 عقداً لشراء 24 مقاتلة رافال مع فرقاطة فريم وصواريخ من إنتاج MBDA، وكانت أول دولة تشتري الرافال من فرنسا لحساب قوات جوية أجنبية، بعد سنوات من محاولات فرنسية فاشلة لبيعها في الخارج. وقدّرت تقارير صحفية قيمة الحزمة بنحو 5.2 مليار يورو، وتحدثت عن تمويل جزء منها بقرض.

وصلت أولى الطائرات إلى مصر في يوليو 2015، أي بعد شهور قليلة من التوقيع، وهي سرعة تعود إلى أن بعضها كان مخصصاً في الأصل للخدمة الفرنسية. وفي مايو 2021 عادت القاهرة بطلب إضافي بثلاثين طائرة، فصار إجمالي ما تعاقدت عليه 54 مقاتلة.

لماذا الرافال بالذات؟ هنا يدخل التحليل. القوات الجوية المصرية تعرف المدرسة الفرنسية منذ ميراج 5 وميراج 2000، وأسطولها الأمريكي من F-16 ما زال يحتاج قطع غيار وموافقات من واشنطن. أما الرافال فتسمح لها بقدرات متعددة المهام، جو-جو وجو-أرض، من مورد لا يربط البيع عادة بملفات سياسية داخلية. ولا يعني هذا أن باريس بلا حسابات، فهي كانت تبحث عن عميل أول يفتح لها سوق التصدير.

ما قصة حاملتي المروحيات «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات»؟

هما سفينتان من فئة ميسترال بُنيتا في فرنسا لحساب روسيا، ثم ذهبتا إلى مصر بعد أن ألغت باريس العقد الروسي في أغسطس 2015 بسبب الأزمة الأوكرانية. وأعلنت فرنسا بيعهما لمصر في سبتمبر 2015 مقابل نحو 950 مليون يورو بحسب ما نُشر وقتها.

السفينتان اللتان كانتا ستحملان اسمي «فلاديفوستوك» و«سيباستوبول» سُلّمتا للبحرية المصرية في 2016، وحملتا اسمي «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات». وهما من أكبر القطع في البحرية المصرية، وتحملان مروحيات وعربات وقوات إنزال، ولهما غرفة عمليات وقدرة على أداء مهام قيادة وإسناد. الاسمان نفسهما يحملان رسالة سياسية تربط الصفقة بتاريخ الجيش.

الصفقة جمعت فرنسا وروسيا في سفينة واحدة. فقد بُنيت السفينتان بمواصفات روسية جزئياً، وأُعيد تجهيزهما لتناسبا الاستخدام المصري. وللتحليل جانب آخر: الميسترال أعطت البحرية المصرية قدرة على الانتشار بعيداً عن الساحل، مما ينسجم مع اهتمام القاهرة بالبحر الأحمر وشرق المتوسط وجنوب البحر الأحمر.

ماذا اشترت مصر من روسيا بعد 2013؟

اشترت مصر من روسيا مقاتلات ميج-29M ومروحيات هجومية من طراز كا-52 «التمساح»، إلى جانب منظومات دفاع جوي تحدثت عنها تقارير ولم تُعلن تفاصيلها كاملة. وتأتي هذه المشتريات استمراراً لعلاقة قديمة، لكنها هذه المرة جاءت بشروط مختلفة وبلا اعتماد حصري.

ميج-29M وM2 مقاتلة متعددة المهام أحدث كثيراً من الميجات التي عرفها الطيارون المصريون في عهد الاتحاد السوفيتي. وبدأ الحديث عن الصفقة في 2014 و2015، وتسلمت القوات الجوية دفعات منها في السنوات التالية. أما كا-52 فكانت في الأصل مخصصة لتجهيز سفن الميسترال الروسية، وهو ما يفسّر ارتباطها بالصفقة الفرنسية. ونُشرت تقارير عن عقد لعشرات المروحيات من هذا الطراز، وقد ظهرت في الخدمة المصرية خلال السنوات اللاحقة.

في المقابل واجهت روسيا حدوداً. فالعقوبات الأمريكية المرتبطة بقانون «كاتسا» جعلت الصفقات الكبرى، وفي مقدمتها مقاتلات سو-35 التي تحدثت عنها تقارير، أكثر تعقيداً، وتعاملت مصر مع الملف بحذر. هذا تحليل لسلوك القاهرة لا بيان رسمي، لكنه يوضح أن التنويع له سقف: كلما اشترت أكثر من موسكو زادت حساسية علاقتها مع واشنطن.

كيف دخلت ألمانيا وإيطاليا إلى القوات البحرية المصرية؟

دخلتا عبر الغواصات والفرقاطات: ألمانيا بأربع غواصات من طراز Type 209 تسلمتها مصر بين 2016 و2021، وإيطاليا بفرقاطتين من طراز فريم بموجب عقد 2020. وبهذا امتد تنويع المصادر من الجو إلى البحر.

شركة «تيسنكروب» بنت الغواصات الأربع في ألمانيا بعد عقدين، الأول في 2011 والثاني في 2014. وهذه الغواصات تعطي البحرية قدرة على الردع تحت السطح لم تكن متاحة بالقدر نفسه مع الغواصات القديمة. وفي 2021 أعلنت القاهرة طلب أربع فرقاطات «ميكو A-200» من ألمانيا أيضاً.

على الجانب الفرنسي، حصلت مصر في 2015 على فرقاطة «تحيا مصر»، وهي فريم فرنسية الصنع، وفي 2014 تعاقدت على أربع كورفيتات من طراز «جويند»، بُنيت أولى وحداتها في فرنسا وتولّت ترسانة الإسكندرية بناء الباقي. وأضافت الصفقة الإيطالية فرقاطتين من الطراز نفسه تقريباً، فصار لدى البحرية المصرية أسطول متنوع من أربع مدارس: فرنسية وألمانية وإيطالية وأمريكية. الجديد هنا أن مصر تحرص على أن يشمل التعاقد جانباً من التصنيع المحلي كلما أمكن.

هل جعل التنويع مصر قوة بين أكبر مستوردي السلاح؟

جعلها ذلك من أكبر مستوردي السلاح في العالم: ففي تقارير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (سيبري) عن فترة 2015–2019 جاءت مصر ثالثة بين المستوردين، وتصدرت روسيا وفرنسا قائمة الموردين إليها، بعد أن كانت الولايات المتحدة الشريك الرئيسي لعقود.

لكن حجم الاستيراد لا يعني بالضرورة تفوقاً عسكرياً. فالتنويع يرفع التكلفة اللوجستية: لكل مورد قطع غيار وذخائر وبرامج تدريب وصيانة مختلفة، وكل مدرسة قتالية تحتاج طيارين وبحارة مدربين عليها. ولم تعلن مصر أرقام تكلفة هذه الأعباء، لكن خبراء التسليح يرونها من التحديات الكبرى عند تشغيل أنظمة من أربع دول.

على الجانب السياسي كسبت القاهرة هامش حركة. فحين تأخرت واشنطن في صفقة أو اشترطت شروطاً، صار لدى مصر بدائل أوروبية وروسية. وفي المقابل ظل السلاح الأمريكي حاضراً: المعونة العسكرية المعروفة والبنية التي بُنيت على F-16 وأبرامز لم تختفِ. والنصيحة التحليلية لمن يتابع هذا الملف: انظر إلى الصفقات الجديدة بوصفها توازناً بين الاستقلال في القرار وقابلية التشغيل المشترك، لا انتقالاً كاملاً من معسكر إلى آخر.

أهم النقاط

  • بدأ التحول بعد تعليق واشنطن في أكتوبر 2013 تسليم معدات ثقيلة، واستمر التعليق حتى مارس 2015.
  • وقّعت مصر عقد 24 رافال في فبراير 2015، وطلبت 30 أخرى في مايو 2021، فبلغ الإجمالي 54 طائرة.
  • اشترت مصر حاملتي ميسترال في 2015 بعد أن ألغت فرنسا بيعهما لروسيا، وسُلّمتا في 2016 باسمي «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات».
  • من روسيا جاءت ميج-29M وكا-52، لكن عقوبات «كاتسا» الأمريكية حدّت من توسع الصفقات.
  • ألمانيا زودت مصر بأربع غواصات Type 209، وإيطاليا بفرقاطتين من طراز فريم.
  • التنويع منح القاهرة هامش قرار أوسع، لكنه رفع كلفة الصيانة والتدريب وتعدد الذخائر.

أسئلة شائعة

كم طائرة رافال لدى مصر؟

تعاقدت مصر على 24 طائرة في فبراير 2015 ثم على 30 أخرى في مايو 2021، أي 54 طائرة بحسب المعلن. وتسلّمت الدفعات الأولى منذ يوليو 2015.

لماذا ألغت فرنسا بيع الميسترال لروسيا؟

ألغت باريس العقد في أغسطس 2015 بسبب الأزمة الأوكرانية والضغوط الأوروبية والأمريكية. ثم بيعت السفينتان لمصر بعد أسابيع.

هل أوقفت أمريكا السلاح عن مصر نهائياً؟

لا، فقد علّقت تسليم بعض المعدات في أكتوبر 2013 ثم رفعت التعليق في مارس 2015. وبقيت المعونة العسكرية والأنظمة الأمريكية مثل F-16 وأبرامز جزءاً من الجيش المصري.

هل اشترت مصر مقاتلات سو-35 الروسية؟

تحدثت تقارير عن اهتمام مصر بها، لكنها لم تُعلن بيانات رسمية مؤكدة بالتسليم. والعقوبات الأمريكية المرتبطة بقانون «كاتسا» جعلت هذه الصفقة بالذات موضع حذر.

ما هي غواصات Type 209 المصرية؟

هي غواصات ألمانية تقليدية بنتها «تيسنكروب»، وتسلمت مصر أربعاً منها بين 2016 و2021. وتعمل بها البحرية لحماية السواحل وللردع في المتوسط والبحر الأحمر.

الخلاصة

بعد 2013 صار السؤال في القاهرة عمن يبيع بشروط تحفظ هامش القرار، لا عمّن يبيع فقط. وكل صفقة جديدة تضيف مورداً وتضيف عبئاً صيانياً، ولذلك اتجه التفكير المصري إلى خطوة أبعد من الاستيراد: أن يُصنَّع جزء من السلاح داخل البلاد. وهذا ما يتناوله الجزء الرابع والأخير من السلسلة: هل تصنع مصر سلاحها بنفسها؟ من الهيئة العربية للتصنيع إلى مدافع K9 ومعرض إيديكس.