تحوّلت مصر إلى السلاح الأمريكي لأن واشنطن صارت، بعد القطيعة مع موسكو ثم معاهدة السلام مع إسرائيل، المورّد الوحيد الذي يعرض تمويلاً سنوياً مستقراً مع تقنية متقدمة. قدّمت الولايات المتحدة معونة عسكرية تقارب 1.3 مليار دولار في العام، تُنفق في معظمها على شراء سلاح أمريكي، فصار التسليح الغربي خياراً شبه مفروض بحكم التمويل قبل أن يكون خياراً عسكرياً خالصاً.
وقّع أنور السادات ومناحم بيغن معاهدة السلام في واشنطن يوم 26 مارس 1979، بعد إطار كامب ديفيد الذي أُعلن في 17 سبتمبر 1978 برعاية الرئيس جيمي كارتر. بعد 47 عاماً ما زال هذا التاريخ يحدد جزءاً كبيراً من خريطة السلاح في الجيش المصري: مقاتلات F-16 في الجو، ومروحيات أباتشي في الميدان، وآلاف المجنزرات الأمريكية الصنع أو المجمّعة محلياً، وفي مقدمتها دبابة أبرامز.
غير أن هذه العلاقة لم تكن شراءً حراً من متجر مفتوح. لكل صفقة موافقة أمريكية، ولكل دفعة تمويل شروط، وقد جرّبت القاهرة ما يحدث حين تتوقف التسليمات. وهذا الجزء يتتبع كيف بدأ التحول، وماذا اشترت مصر، وأين تنتهي حدود هذه الشراكة.
لماذا اتجهت القاهرة إلى واشنطن بعد القطيعة مع موسكو؟
اتجهت القاهرة إلى واشنطن لأن مخزونها السوفيتي كان يتقادم دون مصدر موثوق لقطع الغيار والتحديث، ولأن السادات رأى أن مفتاح استعادة سيناء في يد الأمريكيين. بعد طرد الخبراء السوفيت عام 1972 ثم حرب أكتوبر 1973، ظل الجيش المصري يعتمد على معدات شرقية، وتعثّر الإمداد بها. وفي مارس 1976 ألغى السادات معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، فانقطع الخيط الأخير.
كان الرهان سياسياً بقدر ما كان عسكرياً. رأى السادات أن 99 في المئة من أوراق اللعبة في يد واشنطن، وهي عبارة نُسبت إليه ورددها مؤرخو تلك المرحلة، ولذلك ربط مسار التفاوض بعلاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة. ومن هنا جاءت المعاهدة وما رافقها من التزام أمريكي بدعم اقتصادي وعسكري لمصر.
بدأ الانتقال تدريجياً. اشترت مصر طائرات F-4 فانتوم الأمريكية في أواخر السبعينيات، وكانت أول مقاتلات غربية متقدمة تدخل خدمة سلاحها الجوي، ثم فُتح باب أوسع مع المعونة السنوية.
ما هي المعونة العسكرية الأمريكية لمصر وكيف تعمل؟
المعونة العسكرية الأمريكية لمصر برنامج تمويل سنوي يُعرف باسم «التمويل العسكري الأجنبي»، وتبلغ قيمته نحو 1.3 مليار دولار في السنة منذ أواخر الثمانينيات تقريباً. لسنوات طويلة كانت مصر ثاني أكبر متلقٍّ لهذا النوع من المساعدات بعد إسرائيل.
الأموال لا تصل إلى القاهرة نقداً لتنفقها كما تشاء. يقرّها الكونغرس ضمن الموازنة الأمريكية، وتُنفق في معظمها على سلع وخدمات من شركات أمريكية، بعد موافقة واشنطن على كل صفقة. بهذا المعنى تدور المعونة في دائرة شبه مغلقة: يخرج الدعم من الخزانة الأمريكية ويعود إلى مصانع الدفاع في الولايات المتحدة، وتخرج منه مصر بسلاح وتدريب وقطع غيار.
أضافت واشنطن عام 1989 مصر إلى قائمة «الحلفاء الرئيسيين من خارج الناتو»، وهو وضع يسهّل بعض صفقات السلاح والتعاون الدفاعي. ولسنوات اعتمدت مصر آلية «التمويل المسبق»، أي شراء سلاح الآن مقابل دفعات المعونة في السنوات اللاحقة، قبل أن تنهيها واشنطن لاحقاً، وهو ما سنعود إليه في الحديث عن القيود.
وفي الخلفية التزام أمريكي قانوني بالحفاظ على «التفوق العسكري النوعي» لإسرائيل في المنطقة. هذا المبدأ لا ينص على منع مصر من التسلح، لكنه يؤثر في نوع الأنظمة التي توافق واشنطن على بيعها وفي إعدادات بعضها.
ماذا حصلت مصر بالمعونة من مقاتلات ومروحيات ودبابات؟
حصلت مصر بالمعونة على مقاتلات F-16 ومروحيات أباتشي ودبابات M1A1 أبرامز، إضافة إلى صواريخ ومعدات دعم وتدريب. بدأت تسليمات الـF-16 في مطلع الثمانينيات، وتوسع الأسطول عبر دفعات متتالية حتى تجاوز مئتي طائرة، ما جعل مصر من أكبر مشغّلي هذه الطائرة خارج الولايات المتحدة.
في الجو، غيّرت الـF-16 طبيعة سلاح الطيران المصري. دخلت رادارات حديثة وصواريخ جو-جو أمريكية وأنظمة صيانة جديدة، وتعلّم الطيارون والفنيون عقيدة تشغيل مختلفة عن النمط السوفيتي. أما مروحيات أباتشي فوصلت في مطلع التسعينيات، وجرى تحديث جزء منها لاحقاً، وصارت أداة رئيسية في الدعم الناري القريب وفي مكافحة الإرهاب في سيناء.
على الأرض، دخلت دبابات M60 ثم M1A1 لتحل تدريجياً محل الدبابات السوفيتية القديمة. وقد دعمت مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت عام 1991 العلاقة العسكرية مع واشنطن، وأسقطت الولايات المتحدة بعدها ديوناً عسكرية على القاهرة قُدّرت بنحو 7 مليارات دولار، بحسب ما ورد في التقارير الأمريكية والمصرية آنذاك.
هذا التنوع بين الجو والبر والصواريخ هو ما جعل التحول عميقاً: لم تُستبدل قطعة هنا وقطعة هناك، بل بُنيت منظومة كاملة تعتمد على الاستمرارية في الإمداد والتدريب.
كيف دخلت دبابة أبرامز مصنع 200؟
دخلت أبرامز مصر عبر اتفاق إنتاج مشترك وُقّع عام 1988 يقضي بتجميع دبابة M1A1 داخل مصنع 200 الحربي قرب القاهرة، بدلاً من استيرادها جاهزة. أُنتجت أولى الدبابات المجمّعة محلياً في مطلع التسعينيات، ثم توالى الإنتاج على مدى ثلاثة عقود، وتجاوز عدد ما سُلّم أو جُمّع أكثر من ألف دبابة.
اعتمد النموذج على «أطقم» تأتي من الولايات المتحدة من إنتاج شركة جنرال ديناميكس لاند سيستمز، وتُجمّع وتُختبر في مصر مع تصنيع تدريجي لبعض المكونات محلياً. وتُباع الدبابة للتصدير بدرع أقل تقدماً من نسخة الجيش الأمريكي، إذ لا يتضمن النموذج المصري درع اليورانيوم المنضب.
بالنسبة لمصر، حمل المشروع هدفين: بناء قدرة صناعية داخل البلاد، وتقليل كلفة الدبابة وتشغيلها وصيانتها. وبالنسبة لواشنطن، ضمن استمرار خط إنتاج أبرامز الذي كان يحتاج طلبات خارجية، وربط الجيش المصري بسلسلة توريد أمريكية طويلة.
لكن «الإنتاج المشترك» لم يعنِ استقلالاً. ظلت المكونات الحساسة والتصاميم والموافقات في الجانب الأمريكي، وكان استمرار التسليمات مرهوناً بقرارات سياسية في واشنطن. لذلك يصفه محللون بأنه نقل جزئي للتجميع والصيانة أكثر منه نقلاً كاملاً للتقنية، وهذا تقدير تحليلي لا حكم نهائي.
ما القيود التي فرضتها هذه العلاقة على القرار المصري؟
أهم القيود أن واشنطن تملك مفاتيح التمويل والموافقة وقطع الغيار، فتستطيع تبطئ الإمداد أو تعلّقه حين تختلف سياسياً مع القاهرة. حدث ذلك في أكتوبر 2013 بعد الأحداث التي أعقبت 3 يوليو من العام نفسه، حين علّقت الإدارة الأمريكية تسليم بعض الأنظمة الكبرى، ومنها مقاتلات F-16 ومروحيات أباتشي وأطقم دبابات M1A1 وصواريخ مضادة للسفن.
رُفع التعليق في مارس 2015 بعد اتصال بين الرئيس باراك أوباما والرئيس عبد الفتاح السيسي، وأعلنت واشنطن في الوقت نفسه إنهاء آلية التمويل المسبق التي كانت تتيح لمصر الشراء بالأجل مقابل المعونة المستقبلية، وتوجيه المعونة نحو مجالات تراها أولوية مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والأمن البحري وأمن سيناء.
ويضاف إلى ذلك شروط الكونغرس المتعلقة بحقوق الإنسان. ففي سنوات متعاقبة، منها 2021 و2022 و2023، حجبت الإدارة الأمريكية جزءاً من المعونة لعدم استيفاء شروط محددة، بينما أصدرت في حالات أخرى إعفاءات تتيح صرف الأموال لأسباب تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.
هناك قيد أبسط وأكثر ثباتاً: المنظومة نفسها. من يشغّل طائرات أمريكية ويصونها يحتاج إلى قطع غيار أمريكية وبرمجيات وتدريب أمريكي، وأي تغيير للمورّد يعني إعادة بناء سلاسل الصيانة والتدريب من الأساس. وهذا يفسر لماذا لا تتحول مصر عن سلاح إلى آخر بقرار سريع، وكيف أصبحت تكلفة الخروج مرتفعة سياسياً وفنياً.
هل غيّر السلاح الأمريكي شكل الجيش المصري وعقيدته؟
غيّر السلاح الأمريكي شكل الجيش المصري في التدريب والتشغيل وأسلوب إدارة الصيانة، لكنه لم يلغِ الجذور السوفيتية بالكامل، فما زالت أنظمة شرقية كثيرة في الخدمة بعد التحديث. هذا مزيج تفرضه كلفة الاستبدال، وليس قراراً واحداً حاسماً.
درّبت الولايات المتحدة آلاف الضباط المصريين ضمن برامج تعليم وتدريب عسكري دولي، وبدأت مناورات «النجم الساطع» المشتركة منذ مطلع الثمانينيات، وتحولت إلى أحد أكبر التدريبات متعددة الجنسيات في المنطقة. وأتاحت هذه البرامج لقادة الجيشين لغة تشغيلية مشتركة وعلاقات شخصية طويلة الأمد.
ويرى بعض المحللين أن هذا الاعتماد دفع مصر إلى التفكير في تنويع مصادرها بعد 2013، بحثاً عن هامش أوسع للقرار، وهذا موضوع الجزء الثالث من هذه السلسلة. ويرى آخرون أن واشنطن ما زالت الشريك الذي لا يمكن استبداله بالكامل في مجالات الطيران المقاتل والتدريب. وكلا الرأيين تحليل لا يملك أحد حسمه، ويبقى الثابت أن الجيش المصري يعمل اليوم بأكثر من مدرسة تسليح في آن واحد.
أهم النقاط
- وقّعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام في 26 مارس 1979 بعد إطار كامب ديفيد في 17 سبتمبر 1978، وكانت المعونة العسكرية الأمريكية جزءاً من هذه التسوية.
- تبلغ المعونة نحو 1.3 مليار دولار سنوياً، وتُنفق في معظمها على سلاح وخدمات أمريكية بموافقة واشنطن.
- أبرز ما حصلت عليه مصر: أكثر من مئتي مقاتلة F-16، ومروحيات أباتشي منذ مطلع التسعينيات، ودبابات M1A1 أبرامز.
- اتفاق الإنتاج المشترك لأبرامز عام 1988 جعل مصنع 200 مركز تجميع محلي، لكن المكونات الحساسة والموافقات بقيت أمريكية.
- علّقت واشنطن تسليم أسلحة كبرى لمصر في أكتوبر 2013 ورفعت التعليق في مارس 2015، وهي سابقة أظهرت حدود الاعتماد على مورّد واحد.
- اشتراطات الكونغرس المتعلقة بحقوق الإنسان تحجب أحياناً جزءاً من المعونة أو تجعل صرفها رهن إعفاءات سياسية.
أسئلة شائعة
هل تتسلم مصر المعونة العسكرية الأمريكية نقداً؟
لا، فالجزء الأكبر منها تمويل لشراء سلاح وخدمات من شركات أمريكية بموافقة واشنطن. تحدد مصر احتياجاتها وتتفاوض على الصفقات، لكن المال نفسه يبقى في الدورة الأمريكية.
كم طائرة F-16 تملك مصر؟
تملك مصر أكثر من مئتي طائرة F-16 من طرازات وكتل مختلفة، وهي من أكبر الأساطيل خارج الولايات المتحدة. تختلف الأرقام التفصيلية بين المصادر بحسب التحديث والاستبدال، لذلك يفضّل الاكتفاء بالرقم التقريبي.
هل تصنع مصر دبابة أبرامز بالكامل؟
لا، فالدبابة تُجمّع في مصنع 200 من أطقم أمريكية مع نسبة محلية من المكونات. ويبقى التصميم الأساسي وبعض الأنظمة الحساسة في الجانب الأمريكي.
هل أوقفت أمريكا السلاح عن مصر من قبل؟
نعم، فقد علّقت واشنطن في أكتوبر 2013 تسليم بعض الأنظمة الكبرى، ورفعت التعليق في مارس 2015. كما حجبت في سنوات لاحقة أجزاء من المعونة بسبب شروط حقوق الإنسان.
هل المعونة العسكرية مرتبطة رسمياً بمعاهدة السلام؟
المعونة لم تُكتب كبند في نص المعاهدة، لكنها خرجت من مناخ كامب ديفيد والتفاهمات الأمريكية المصاحبة له. وهي تُقرّ سنوياً عبر الكونغرس، ويدرك الطرفان أنها ركيزة في العلاقة المرتبطة بالسلام.
الخلاصة
يعني ما سبق أن الجيش المصري لم يتحول إلى السلاح الأمريكي بقرار معزول، بل عبر مقايضة ربطت السلام والتمويل والتقنية في حزمة واحدة، ثم اكتشف أن لهذه الحزمة ثمناً حين تتوقف التسليمات. بعد تجربة 2013 لم تعد القاهرة تضع كل رهاناتها في سلة واحدة، وهنا يبدأ الفصل التالي: كيف دخلت الرافال والميسترال إلى الخدمة، ولماذا اتجهت مصر إلى باريس وموسكو في الجزء الثالث من السلسلة.