«أفواه وأرانب» فيلم مصري أُنتج سنة 1977، أخرجه هنري بركات وكتبه سمير عبد العظيم، وقامت فيه فاتن حمامة بدور البطولة باسم «نعمة». نعمة فتاة تهرب من زواج تدبّره لها أسرتها الفقيرة الكثيرة العيال، فتذهب إلى المنصورة. يتناول الفيلم الفقر والغنى وغياب تنظيم الأسرة وتزويج البنات بالإكراه، وحصلت فاتن حمامة عن دورها فيه على جائزة من مهرجان طهران السينمائي في السنة نفسها.

قبل الدخول في التفاصيل يجب تصحيح خطأ شائع. يربط كثيرون الفيلم بمصر الستينات، لكنه في الحقيقة من السبعينات، وعُرض بعد عامين فقط من «أريد حلاً» (1975). ويبيّن الفيلمان معاً كيف استخدمت فاتن حمامة شهرتها في ذلك العقد لتطرح على الشاشة قضايا اجتماعية كان الناس يتكلمون عنها همساً داخل البيوت.

هذا التقرير جزء من ملف «فاتن حمامة: الحكاية الكاملة لسيدة الشاشة العربية من «يوم سعيد» إلى «وجه القمر»». وموضوعه فيلم واحد: قصته، والشخصية التي أدّتها فيه، وما حدث أثناء التصوير، ولماذا ما زال حاضراً في ذاكرة السينما المصرية حتى اليوم، الأربعاء 28 أكتوبر 2026، بعد نحو نصف قرن على إنتاجه.

ما قصة فيلم «أفواه وأرانب»؟

نعمة شابة تعيش في بيت أختها الكبرى وزوجها عبد المجيد مع أولادهما التسعة. تحاول الأسرة تزويجها من رجل ميسور حتى تتحسن أحوال الجميع، فترفض وتهرب. هذا هو الخط الرئيسي للحكاية، وعليه تُبنى بقية الأحداث.

عبد المجيد رجل مهمل ومدمن على الخمر، وفي البيت أفواه أكثر مما يقدر دخله على إطعامه. ومن هذا الضيق يخرج الحل الذي تراه الأسرة سهلاً، وهو أن تتزوج نعمة المعلم البطاوي. وتذكر صحيفة «ديلي نيوز إيجيبت» أن الأخت وافقت في السر على تزويجها لتاجر دواجن كبير في السن لا يقرأ ولا يكتب، مقابل حياة مريحة ووظائف لبعض أفراد العائلة.

ترفض نعمة الصفقة وتهرب إلى المنصورة، وتعمل هناك في مزرعة محمود بيه. يحبها محمود ويقرر أن يتزوجها مع أن الفارق الاجتماعي بينهما كبير، ثم تظهر «نهى» خطيبته التي تغار من نعمة. وتنتهي الأحداث بمواجهة يُطعن فيها البطاوي، ويعترف بعدها عبد المجيد بخطئه، فترجع نعمة إلى محمود ويتكفل هو برعاية أسرتها.

قد يرى المشاهد في النهاية خاتمة ميلودرامية مألوفة في سينما تلك السنوات. لكن ما يعلق في الذاكرة هو صورة البيت المزدحم، وصورة فتاة يعاملها أهلها كأنها حل لأزمتهم المالية.

بيت فقير مزدحم بالأطفال يعكس قصة فيلم أفواه وأرانب في السبعينات
بيت مزدحم وأفواه كثيرة، وهذا هو الضيق الذي تبدأ منه حكاية الفيلمرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

من هي «نعمة» وكيف أدّت فاتن حمامة الدور؟

نعمة هي بطلة الفيلم ومحور أحداثه، وأدّتها فاتن حمامة. فتاة فقيرة ترفض أن تُباع باسم الزواج، وتختار أن تعمل بيدها. وتكتب بعض المصادر الإنجليزية الاسم «نعمات» (Ne'mat)، لكن الشخصية واحدة.

يحمل الدور مفارقة شخصية لافتة. فالمنصورة، المدينة التي تلجأ إليها نعمة، هي المدينة التي وُلدت فيها فاتن حمامة سنة 1931. وتختلف المصادر في يوم ميلادها داخل شهر مايو من ذلك العام، لكنها متفقة على المدينة.

كانت فاتن حمامة في السبعينات نجمة ناضجة بعد أكثر من ثلاثة عقود أمام الكاميرا، بدأت منذ ظهورها طفلة في «يوم سعيد» مع محمد عبد الوهاب. وفي «أفواه وأرانب» لم تعتمد على جمال البطلة الرومانسية. لعبت امرأة تعمل في الحقل، تتكلم بلغة بسيطة، وقوتها في الرفض الهادئ أكثر منها في الخطب.

قدّرت لجان التحكيم هذا الأداء. فقد حصلت فاتن حمامة على جائزة من مهرجان طهران السينمائي سنة 1977 عن الدور، ويذكر موقع «إيجيبت إندبندنت» أنها نالت كذلك جائزة «النفرتيتي الذهبية» في الدورة الثانية من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن الفيلم نفسه.

نيل المنصورة، المدينة التي هربت إليها نعمة في أفواه وأرانب
المنصورة، المدينة التي هربت إليها نعمة ووُلدت فيها فاتن حمامةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

من شارك في بطولة الفيلم وصناعته؟

شارك فاتن حمامة البطولة محمود ياسين وفريد شوقي وعلي الشريف ورجاء حسين وحسن مصطفى وماجدة الخطيب وأبو بكر عزت، ومعهم إيناس الدغيدي ووداد حمدي ومحسن محيي الدين. أنتجت الفيلم شركة الأفلام المتحدة، وأخرجه هنري بركات.

قام محمود ياسين بدور محمود بيه صاحب المزرعة، وعلي الشريف بدور المعلم البطاوي، ورجاء حسين بدور الأخت الكبرى. أما إيناس الدغيدي، التي عُرفت بعد ذلك كمخرجة، فقامت بدور «نهى» خطيبة محمود.

خلف الكاميرا كان وحيد فريد مدير التصوير، ورشيدة عبد السلام في المونتاج، وجمال سلامة واضع الموسيقى. والفيلم ملوّن، وتختلف المصادر في مدته، فيذكر موقع متخصص في الملصقات رقماً وتذكر قوائم أخرى رقماً أكبر منه.

وللفيلم مكان واضح في الشراكة الطويلة بين فاتن حمامة وهنري بركات، فقد أخرج لها بركات أيضاً «دعاء الكروان» و«الحرام». ويرى بعض النقاد أن هذا الثنائي أنتج أكثر أعمالها انشغالاً بالريف والفقراء، وهذه قراءة نقدية وليست حكماً متفقاً عليه.

محمود ياسين شريك فاتن حمامة في بطولة فيلم أفواه وأرانب
محمود ياسين أدّى دور محمود بيه أمام فاتن حمامةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ماذا حدث في كواليس التصوير؟

أشهر حكاية من الكواليس روتها رجاء حسين، التي قامت بدور «جمالات» أخت نعمة. في بداية التصوير اعترضت فاتن حمامة على الطريقة التي ظهرت بها الشخصية.

كانت رجاء حسين قد قدّمت جمالات امرأة محدودة الفهم. ولم توافق فاتن حمامة، لأنها كانت ترى الشخصية امرأة فقيرة فقط، وليست قليلة العقل. فرجعت رجاء في اليوم التالي بجلباب قديم وشعر مضفّر ومنديل على رأسها، فاحتضنتها فاتن وقالت لها إن هذا هو المطلوب.

تكشف الواقعة طريقة فاتن حمامة في العمل. لم تكن تنظر إلى دورها وحده، وكانت تهتم بأن يكون الفقراء على الشاشة بشراً لهم كرامتهم، لا مادة للضحك. ولو ظهرت الأخت ساذجة لتحوّل الفيلم إلى سخرية من الفقراء بدل أن يكون نقداً لظروفهم.

روت رجاء حسين هذه القصة في برنامج «ماسبيرو» مع الفنان سمير صبري. وتوفيت يوم الثلاثاء 9 أغسطس 2022 عن 83 عاماً، فأصبحت روايتها من الشهادات القليلة المباشرة عن كواليس الفيلم.

لماذا يُعد «أفواه وأرانب» من أهم أفلام السينما المصرية؟

أهميته الأولى أنه من الأفلام القليلة التي جعلت كثرة الإنجاب وتنظيم الأسرة موضوعاً لفيلم جماهيري تقوم ببطولته أكبر نجمة في جيلها. ويدل عنوانه على ذلك بوضوح: أفواه تحتاج إلى طعام، وأطفال يتكاثرون كالأرانب.

يبني الفيلم مقارنة واضحة بين بيت نعمة المزدحم بالأطفال وحياة محمود الغني الذي يعيش وحده. ويرى موقع متخصص في ملصقات الأفلام أن الفيلم وعنوانه يحمّلان كثرة الإنجاب جزءاً من مسؤولية الفقر في مصر. هذه القراءة لها وجاهتها، ويمكن أيضاً أن يُعترض عليها لأنها تُرجع الفقر إلى سلوك الفقراء أكثر مما ترجعه إلى بنية الاقتصاد.

القضية الثانية هي تزويج البنات بالإكراه لتخفيف العبء المادي عن الأسرة، وتعدّها «ديلي نيوز إيجيبت» محوراً أساسياً في الفيلم إلى جانب تنظيم الأسرة. هنا تلتقي الأخلاق بالاقتصاد: هل يجوز أن تُقدَّم فتاة ثمناً لراحة أهلها؟ يجيب الفيلم بالرفض، ويجعل رفض نعمة بداية خروجها من الأزمة لا سبباً في زيادتها.

وتضع جريدة «الجريدة» الكويتية «أفواه وأرانب» في قائمة الأفلام المصرية التي ناقشت قضايا المجتمع، وتصفه بأنه فيلم تنظيم الأسرة، كما كان «أريد حلاً» فيلم قانون الأحوال الشخصية. وهذه المقارنة تفسّر جزءاً كبيراً من مكانته.

كيف يرتبط الفيلم بـ«أريد حلاً» وبمسيرة فاتن حمامة؟

الفيلمان متتاليان في الزمن والفكرة. فقد عُرض «أريد حلاً» سنة 1975 عن امرأة تطلب الطلاق، و«أفواه وأرانب» سنة 1977 عن فتاة ترفض زواجاً مفروضاً عليها، ويُعدّان معاً من أبرز أفلامها الاجتماعية في السبعينات.

يُقال إن «أريد حلاً» مهّد لتعديلات قانون الأحوال الشخصية. ولا يُنسب إلى «أفواه وأرانب» أثر تشريعي مماثل، لكن قيمته في موضوعه نفسه: حجم الأسرة وأثره على الفقر، وهو نقاش كان مطروحاً في المجتمع المصري. والقاسم المشترك بين الفيلمين امرأة تقول «لا» لترتيب وضعه غيرها.

استمرت الحكاية بعد الفيلم. ففي سنة 1978 عُرض مسلسل تلفزيوني يحمل الاسم نفسه، كتبه سمير عبد العظيم أيضاً وأخرجه حسين كمال، ووضع موسيقاه بليغ حمدي، وجاء في 14 حلقة. ولعبت عفاف شعيب دور نعمت وصلاح ذو الفقار دور محمود، وتحويل القصة إلى مسلسل بعد عام واحد يدل على نجاحها عند الجمهور.

وفي سياق مسيرة فاتن حمامة كلها، التي انتهت سينمائياً بفيلم «أرض الأحلام» سنة 1993 من إخراج داود عبد السيد، دخلت تسعة من أفلامها قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية في استفتاء نقاد مهرجان القاهرة سنة 1996. وتوفيت مساء السبت 17 يناير 2015، وبقي «أفواه وأرانب» من أكثر أفلامها حضوراً في النقاش عن السينما التي تتناول قضايا المجتمع.

أهم النقاط

  • «أفواه وأرانب» من إنتاج 1977، أي من السبعينات وليس الستينات كما يُقال كثيراً.
  • أخرجه هنري بركات، وكتبه سمير عبد العظيم، وأنتجته شركة الأفلام المتحدة.
  • قامت فاتن حمامة بدور «نعمة» التي تهرب من زواج مفروض عليها إلى المنصورة، وهي مدينة ميلادها.
  • محمود ياسين في دور محمود بيه، وعلي الشريف في دور البطاوي، ورجاء حسين في دور الأخت جمالات، وإيناس الدغيدي في دور نهى.
  • يتناول الفيلم تنظيم الأسرة وتزويج البنات بالإكراه، ويقارن بين بيت فقير مزدحم بالأطفال ورجل غني يعيش وحده.
  • حصلت فاتن حمامة عن الدور على جائزة من مهرجان طهران 1977، وعلى «النفرتيتي الذهبية» من مهرجان القاهرة بحسب «إيجيبت إندبندنت».
  • اعترضت فاتن حمامة على ظهور الأخت امرأة قليلة الفهم، لأنها رأت الشخصية فقيرة فقط.
  • تحولت القصة إلى مسلسل من 14 حلقة سنة 1978 من بطولة عفاف شعيب وصلاح ذو الفقار.

أسئلة شائعة

هل فيلم أفواه وأرانب ملوّن أم أبيض وأسود؟

الفيلم ملوّن، وهذا متوقع لأنه أُنتج سنة 1977. أما مدته فتختلف فيها المصادر، ولذلك لا يوجد رقم واحد متفق عليه.

من كتب قصة أفواه وأرانب؟

كتبه سمير عبد العظيم، وهو أيضاً كاتب المسلسل التلفزيوني الذي حمل الاسم نفسه سنة 1978. وأخرج الفيلم هنري بركات.

من قام بدور البطاوي في أفواه وأرانب؟

قام علي الشريف بدور المعلم البطاوي، وهو الرجل الذي حاولت الأسرة تزويج نعمة منه مقابل تحسين أحوالها المادية.

ما الفرق بين فيلم أفواه وأرانب والمسلسل؟

الفيلم من 1977 ومن بطولة فاتن حمامة ومحمود ياسين وإخراج هنري بركات. والمسلسل عُرض سنة 1978 في 14 حلقة، أخرجه حسين كمال ووضع موسيقاه بليغ حمدي، ولعبت بطولته عفاف شعيب وصلاح ذو الفقار.

من وضع موسيقى فيلم أفواه وأرانب؟

وضع موسيقى الفيلم جمال سلامة، وكان مدير التصوير وحيد فريد، والمونتاج لرشيدة عبد السلام.

ما معنى اسم أفواه وأرانب؟

يشير العنوان إلى كثرة الإنجاب: أطفال يزيد عددهم كالأرانب، وأفواه يجب إطعامها بدخل لا يكفي. ويلخّص بذلك الفكرة الأساسية للفيلم عن العلاقة بين حجم الأسرة والفقر.

الخلاصة

من يشاهد «أفواه وأرانب» اليوم للمرة الأولى سينتبه إلى نهايته المريحة، فالغني يحل مشكلات الأسرة الفقيرة، وهي نهاية يصعب أن يقبلها مشاهد معاصر من غير نقاش. لكن الأجزاء الأقوى في الفيلم موجودة قبل النهاية: البيت المزدحم، والصفقة التي تُعقد سراً على حساب فتاة، وإصرار فاتن حمامة على ألا يظهر الفقراء على الشاشة أغبياء. لمن يريد أن يشاهده بانتباه، الأفضل أن يشاهده بعد «أريد حلاً» ليرى كيف قدّمت فاتن حمامة في عامين امرأتين ترفضان قراراً اتخذه غيرهما، ثم يقارنه بالمسلسل الذي عُرض سنة 1978 ليرى كيف تغيّرت القصة عندما انتقلت من السينما إلى التلفزيون. ويقترب الفيلم من عامه الخمسين في 2027، وقد تكون هذه مناسبة لعرضه من جديد وإعادة النقاش حول قضاياه.