فاتن حمامة وصالح سليم لم يجمعهما إلا عمل فني واحد موثق: فيلم «الباب المفتوح» (1963) من إخراج هنري بركات، وفيه لعبت دور «ليلى» ولعب هو دور «حسين». لا يوجد في المصادر الموثوقة فيلم اسمه «الحب بعد الفراق» جمع بينهما، ولا دليل على علاقة عاطفية حقيقية. الثابت أنها هي التي طلبت أن يذهب الدور إليه، وأنه وافق بعد إلحاحها رغم أنه كان قد قرر الابتعاد عن السينما.
تبدأ الحكاية بخطاب حب. يكتب «حسين» إلى «ليلى»: «أحبك وأريد منك أن تحبيني»، ثم يضيف: «ولكني لا أريد منك أن تفني كيانك في كياني». صارت هذه الكلمات من أشهر ما قيل في السينما المصرية. وقائلها لم يكن ممثلاً محترفاً، بل قائد منتخب مصر الذي رفع كأس الأمم الأفريقية 1959 في القاهرة، ورئيس النادي الأهلي لاحقاً.
من هنا نشأ الخلط. خطاب عاطفي بهذه القوة، ونجم كرة وسيم أمام سيدة الشاشة العربية، وزوجها عمر الشريف صديق للنجم نفسه، كلها عناصر صنعت مع الزمن حكايات متداولة عن «حب» بينهما، وعن أفلام لم تُصوَّر أصلاً. نفصل هنا ما هو موثق عما هو شائع. وهذا التقرير جزء من ملف فاتن حمامة، ويمكن قراءته مع التقرير الرئيسي «فاتن حمامة: الحكاية الكاملة لسيدة الشاشة العربية من «يوم سعيد» إلى «وجه القمر»».
هل جمع فيلم «الحب بعد الفراق» بين فاتن حمامة وصالح سليم؟
لا. لم يظهر في أي مصدر موثوق فيلم مصري بهذا الاسم جمع بينهما، ولم نجد فيلماً مصرياً يحمل هذا العنوان أصلاً في نتائج البحث. العمل الوحيد الموثق الذي وقفا فيه معاً أمام الكاميرا هو «الباب المفتوح» الصادر عام 1963.
يتكرر هذا النوع من الأخطاء كثيراً مع نجوم الزمن القديم. يتداول الناس عنوان فيلم من الذاكرة، أو يخلطون بين عمل وآخر، ثم ينتقل العنوان من منشور إلى آخر حتى يبدو حقيقة. ومع صالح سليم تحديداً يسهل الحسم، لأن رصيده السينمائي كله ثلاثة أفلام فقط، وكلها معروفة بأسمائها ومخرجيها وسنوات إنتاجها.
لذلك إذا قابلت عنواناً منسوباً إليهما غير «الباب المفتوح»، فأغلب الظن أنه خلط. أسهل طريقة للتحقق أن تراجع قائمة أفلام صالح سليم الثلاثة: «السبع بنات» و«الشموع السوداء» و«الباب المفتوح».
ما قصة فيلم «الباب المفتوح» ومن شارك في بطولته؟
«الباب المفتوح» فيلم أخرجه هنري بركات عام 1963 عن رواية بالاسم نفسه للأديبة لطيفة الزيات، وشارك في بطولته فاتن حمامة ومحمود مرسي وحسن يوسف وصالح سليم. تؤدي فاتن دور «ليلى»، ويؤدي صالح سليم دور «حسين».
تدور القصة حول «ليلى»، فتاة يمنعها أبوها بعنف من المشاركة في المظاهرات. تحب ابن خالتها، ثم تكتشف أنه نسخة من أبيها في التسلط. بعدها تتعرف على «حسين»، صديق أخيها الثوري، فترى معه شكلاً آخر للحب يقوم على الاحترام لا على التملك.
يفسر المخرج نفسه أهمية الفيلم في مسيرة فاتن حمامة. قال بركات إن الفيلم أتاح لها التعبير عن قهر المرأة من خلال ثلاثة رجال: أب متسلط، وحبيب يعشق جسدها، وأستاذ يطلب يدها لأنه يرى فيها الطاعة. في مقابل هؤلاء يأتي «حسين» صوتاً مختلفاً، ومن هنا جاء ثقل خطابه الشهير.
والفيلم واحد من 12 فيلماً قدمها بركات مع فاتن حمامة، منها «دعاء الكروان» و«الحرام». هذه الشراكة الطويلة تفسر جزءاً مما حدث في كواليس اختيار الممثلين، كما سنرى.

كيف وصل صالح سليم إلى دور «حسين»؟
وصل صالح سليم إلى الدور بطلب مباشر من فاتن حمامة. تقول الجزيرة نت إن هنري بركات أعطى الدور في البداية للممثل رشوان توفيق، ثم طلبت فاتن أن يذهب إلى صالح سليم لجاذبيته وحضوره، ولم يستطع بركات أن يرفض.
تفاصيل هذه اللحظة ليست محل اتفاق كامل. فقد روى رشوان توفيق نفسه، في حوار مع نهال طايل لبرنامج «تفاصيل» على قناة «صدى البلد 2» نُشر خبره يوم 24 يوليو 2024، أن بركات رشحه مع محمود مرسي ومحمود الحديني للفيلم، وأنه وحده استُبعد وذهب دوره إلى صالح سليم. وتختلف روايته قليلاً عن رواية الجزيرة نت في مدى ما قطعه من عمل في الفيلم قبل الاستبعاد. المتفق عليه أنه رُشح أولاً ثم ذهب الدور إلى صالح سليم.
ولم تكن هذه المرة الوحيدة. يقول رشوان توفيق إن فاتن حمامة استبعدته مرة ثانية من فيلم «أريد حلاً». ومع ذلك لم تنته الحكاية بخصومة، فقد عملا معاً بعد سنوات في مسلسل «ضمير أبلة حكمت»، وكانت تناديه «الراجل الطيب». الواقعة تكشف كيف كانت فاتن تملك كلمة مسموعة في اختيار من يقف أمامها، خاصة مع مخرج عملت معه طويلاً مثل بركات.
ما الأفلام التي مثّلها صالح سليم ولماذا ترك السينما؟
مثّل صالح سليم ثلاثة أفلام فقط بين 1961 و1963، ثم ترك السينما نهائياً. وتقول الجزيرة نت إن مقالاً هاجمه فيه صحفي بعد عرض «الباب المفتوح» هو الذي حسم قراره بعدم العودة.
كانت البداية في «السبع بنات» (1961) من إخراج عاطف سالم، ضيف شرف في دور «نبيل»، لاعب الشيش وخطيب نادية لطفي. لم يكن الدور كبيراً، لكن المنتج حلمي رفلة وضع اسمه على الأفيش لجذب الجمهور، فقد كان اسم قائد المنتخب وقتها وحده كافياً لبيع التذاكر.
ثم جاء «الشموع السوداء» (1962) من إخراج عز الدين ذو الفقار، وفيه لعب دور البطولة: «أحمد»، شاعر كفيف، أمام نجاة الصغيرة وأمينة رزق وفؤاد المهندس. درّبه ذو الفقار على التمثيل والإلقاء ثلاثة أشهر. وبعد هذا الفيلم لم يكن ينوي العودة، إلى أن ألحّت عليه فاتن حمامة ليشارك في «الباب المفتوح».
والطريف أن صالح سليم كان أقسى ناقد لنفسه. ففي تسجيل إذاعي لبرنامج «حديث الذكريات» اعترف بأنه لا يجيد التمثيل، وأن أفلامه كانت مجرد تجربة. عاد إلى الملعب، واحترف في النمسا مع فريق جراتس، واعتزل اللعب عام 1967، ثم صار في 1980 أول لاعب كرة قدم يتولى رئاسة النادي الأهلي.

هل كانت بين فاتن حمامة وصالح سليم قصة حب حقيقية؟
لا يوجد في المصادر الموثوقة أي إشارة إلى علاقة عاطفية حقيقية بينهما. الثابت علاقة عمل: ممثلة كبيرة رشحت نجماً رياضياً لدور، وألحّت عليه حتى قبل.
بل إن المحيط الاجتماعي يرجّح العكس. فقد نقل رشوان توفيق عن عمر الشريف، زوج فاتن حمامة في ذلك الوقت، أنه وصالح سليم كانا من «الشلة» نفسها، أي صديقين. كانت فاتن قد تزوجت عمر الشريف عام 1955، واستمر زواجهما 19 عاماً وأنجبا ابنهما طارق، ما يعني أن «الباب المفتوح» صُوّر في قلب هذا الزواج.
وهناك خيط آخر يربط الاثنين لا علاقة له بالعاطفة. مخرج «الشموع السوداء»، الفيلم الذي قدّم صالح سليم بطلاً، هو عز الدين ذو الفقار، أول زوج لفاتن حمامة. تزوجته عام 1947 وأنجبت منه ابنتها نادية، وانتهت علاقتهما عام 1954. هي مصادفة من مصادفات الوسط الفني الصغير في القاهرة وقتها، حيث كان المخرجون والنجوم والرياضيون يعرفون بعضهم.
فمن أين جاءت الشائعة؟ التفسير الأقرب أنها خلط بين الشاشة والواقع. خطاب «حسين» إلى «ليلى» صادق إلى حد جعل الجمهور ينسبه إلى الشخصين لا إلى الشخصيتين، وجاذبية صالح سليم التي اختارته فاتن من أجلها كانت كافية لتغذية الخيال. لكن هذا تفسير وليس معلومة موثقة، ويبقى الحكم للمصادر: لا قصة حب، ولا «كره»، بل زمالة في فيلم واحد.
ماذا بقي من «الباب المفتوح» بعد أكثر من ستين عاماً؟
بقي الخطاب، وبقيت صورة «ليلى» واحدة من أهم أدوار فاتن حمامة عن المرأة التي تبحث عن ذاتها. مرت على الفيلم حتى اليوم، الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، ثلاثة وستون عاماً، وما زالت عبارة «لا أريد منك أن تفني كيانك في كياني» تتداول كتعريف مختصر للحب المتكافئ.
ولصالح سليم بقي الفيلم دليلاً على أن نجوميته تجاوزت الملعب، حتى لو لم يرها هو كذلك. وُلد في 11 سبتمبر 1930 في حي الدقي بالجيزة، وقاد المنتخب إلى لقب أفريقيا 1959، وشارك في أولمبياد روما 1960، ورأس الأهلي من 1980 إلى 1988 ثم عاد إلى رئاسته عام 1990 تحت شعار «الأهلي فوق الجميع». رحل في 6 مايو 2002 عن 72 عاماً بعد صراع مع سرطان الكبد.
أما فاتن حمامة، التي بدأت من «يوم سعيد» عام 1938 طفلةً في السابعة أمام محمد عبد الوهاب، فرحلت مساء السبت 17 يناير 2015 في منزلها بالقطامية هايتس، وأوصت بعدم إقامة عزاء. وتحل الذكرى الثانية عشرة لرحيلها يوم الأحد 17 يناير 2027.
إذا أردت أن تكوّن رأيك بنفسك، فشاهد الفيلم كاملاً بدل الاكتفاء بالمقاطع المتداولة، واقرأ رواية لطيفة الزيات لترى كيف نقل بركات شخصياتها إلى الشاشة. وشاهد «الشموع السوداء» بعده لتقارن بين صالح سليم الممثل المتدرب وصالح سليم الذي أقنع فاتن حمامة بحضوره.
أهم النقاط
- العمل الوحيد الموثق الذي جمع فاتن حمامة وصالح سليم هو «الباب المفتوح» (1963) من إخراج هنري بركات.
- لا يوجد فيلم موثق باسم «الحب بعد الفراق» جمع بينهما.
- فاتن حمامة طلبت أن يذهب دور «حسين» إلى صالح سليم بدلاً من رشوان توفيق، الذي كان المرشح الأول.
- لم يمثّل صالح سليم إلا ثلاثة أفلام: «السبع بنات» (1961)، و«الشموع السوداء» (1962)، و«الباب المفتوح» (1963).
- صالح سليم اعترف بنفسه أنه لا يجيد التمثيل، وتقول الجزيرة نت إن مقالاً صحفياً هاجمه بعد «الباب المفتوح» حسم ابتعاده عن السينما.
- لا تشير المصادر الموثوقة إلى أي علاقة عاطفية بينهما، وكان صالح سليم صديقاً لعمر الشريف، زوج فاتن وقتها.
أسئلة شائعة
من كتب رواية «الباب المفتوح»؟
كتبتها الأديبة المصرية لطيفة الزيات، وحوّلها هنري بركات إلى فيلم بالاسم نفسه عام 1963. لعبت فاتن حمامة فيه دور «ليلى» بطلة الرواية.
ما نص خطاب صالح سليم لفاتن حمامة في «الباب المفتوح»؟
أشهر ما فيه قول «حسين» لـ«ليلى»: «أحبك وأريد منك أن تحبيني»، ثم «ولكني لا أريد منك أن تفني كيانك في كياني». صار الخطاب من أشهر العبارات في تاريخ السينما المصرية.
هل كان صالح سليم صديقاً لعمر الشريف؟
نعم. نقل رشوان توفيق عن عمر الشريف أنه وصالح سليم كانا من الشلة نفسها. وكان عمر الشريف وقتها زوج فاتن حمامة.
ما علاقة عز الدين ذو الفقار بفاتن حمامة وصالح سليم؟
عز الدين ذو الفقار هو أول زوج لفاتن حمامة، تزوجته عام 1947 وانفصلا عام 1954. وهو أيضاً مخرج «الشموع السوداء» (1962) الذي لعب فيه صالح سليم البطولة بعد أن درّبه ثلاثة أشهر.
كم فيلماً قدمت فاتن حمامة مع هنري بركات؟
قدّمت معه 12 فيلماً، منها «الباب المفتوح» و«دعاء الكروان» و«الحرام». وهو من أكثر المخرجين الذين تعاونت معهم في مسيرتها.
متى وُلد صالح سليم ومتى توفي؟
وُلد في 11 سبتمبر 1930 في حي الدقي بالجيزة، وتوفي في 6 مايو 2002 عن 72 عاماً بعد صراع مع سرطان الكبد.
الخلاصة
ما بين فاتن حمامة وصالح سليم أبسط مما تقوله الشائعات، وأكثر إثارة للاهتمام منها: ممثلة في قمة نفوذها اختارت نجماً رياضياً لدور يحمل رسالة الفيلم، وأقنعته بالعودة إلى شيء كان قد قرر تركه. ثم تركه بعدها نهائياً بسبب مقال صحفي. وحين تقرأ منشوراً عن «فيلم آخر» جمعهما أو «قصة حب» بينهما، فاسأل عن المصدر أولاً. عندها ستجد أن قائمة أفلام صالح سليم الثلاثة، ورواية لطيفة الزيات، وشهادة رشوان توفيق، تكفي للتمييز بين ما حدث وما تخيله الناس. ولمن يريد الصورة الكاملة لمسيرة فاتن حمامة، من «يوم سعيد» حتى «وجه القمر»، فالتقرير الرئيسي في هذا الملف هو المكان المناسب للبداية.