الغيرة بين الإخوة سلوك شائع جداً، وأصلها التنافس على اهتمام الوالدين ومكانة كل طفل في البيت. يشعلها ترتيب الميلاد، والمقارنة، وإحساس الطفل بأن القواعد لا تُطبَّق على الجميع بالطريقة نفسها، والضغوط التي تمر بها الأسرة. ويخففها عدلٌ يراعي سن كل طفل واحتياجاته بدل المساواة الحرفية. أما الخطر فيبدأ حين يصير الشجار من طرف واحد، ويتكرر بقصد الإيذاء أو السيطرة.

ثماني مرات في الساعة. هذا هو الحد الذي قد يصل إليه شجار الإخوة بين سن الرابعة والثامنة، كما تقول الباحثة لوري كرامر في تقرير نشرته جامعة نورث إيسترن يوم 18 ديسمبر 2024. الرقم يفسر ما يعيشه آباء وأمهات كثيرون: معركة على جهاز التحكم، ثم صراخ بسبب كرسي بجوار النافذة، ثم بكاء لأن أحدهم أخذ القطعة الأكبر من الكعكة.

وتزيد الشجارات حين يطول وجود الأطفال معاً في مساحة واحدة، كما في الإجازات الطويلة وأيام الدراسة عن بعد، وحين تتحول الشاشات إلى غنيمة يتنازع عليها الجميع. الحل لا يحتاج بيتاً خالياً من الخلاف، فهذا غير واقعي. يحتاج والدين يفهمان من أين تأتي الغيرة، ويعرفان متى يتدخلان، وكيف يعدلان دون أن يقيسا كل شيء بالمسطرة.

لماذا يغار الإخوة من بعضهم أصلاً؟

أصل الغيرة بين الإخوة هو التنافس، وتصف مؤسسة Cleveland Clinic الطبية الأمريكية هذا التنافس بأنه «أصل» المشكلة، وتقول إنه يصبح ضاراً حين يتجاوز حده أو حين يشجعه الأهل أنفسهم. فكل طفل يريد أن يتأكد أن له مكاناً ثابتاً في قلب والديه، وأن أحداً لن يأخذه منه.

ترتيب الميلاد من أوضح الأسباب. الطفل البكر قد يشعر بعد قدوم أخيه بأن أحداً احتل مكانه، والأوسط والأصغر قد يشعران بأنهما يعيشان في ظل من سبقهما. ويضاف إلى ذلك اختلاف مستوى النضج: طفل في السابعة لا يتحمل الإحباط كما يتحمله أخوه ذو الأحد عشر عاماً، والمسافة بين قدرتيهما وحدها تكفي لإشعال خلاف.

وتذكر Cleveland Clinic أسباباً أخرى يغفل عنها الأهل غالباً، منها إحساس الطفل بأن القواعد والعقوبات ليست واحدة للجميع، وحاجته الشديدة إلى الاهتمام، ومرور الأسرة بضغوط كبيرة كالوفاة أو الطلاق أو الأزمات المالية. في هذه الظروف يصعب على الطفل التحكم في مشاعره، فيصبّ توتره على أقرب شخص إليه وأقلهم خطراً عليه، وهو أخوه.

وهناك سبب لا يخص الأطفال وحدهم. يشير موقع WebMD إلى أن الأطفال يقلّدون طريقة الكبار في الخلاف: الصراخ، وصفق الأبواب، والخصام الطويل. الطفل الذي يرى والديه يحلان خلافاتهما بالصوت العالي سيتعامل مع أخيه بالأسلوب نفسه.

طفل بكر يراقب أمه تحمل المولود الجديد، أحد أسباب الغيرة بين الإخوة
قدوم مولود جديد قد يشعر الطفل الأكبر بأن مكانه أُخذرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا تزيد الشجارات في الإجازات والدراسة عن بعد؟

تزيد الشجارات لأن الأطفال يقضون وقتاً أطول معاً في مساحة ضيقة، ومع روتين أقل ومنافذ أقل لتفريغ الطاقة. وأوضح دليل على ذلك ما رصدته جامعة يورك البريطانية خلال إغلاق جائحة كورونا عام 2020.

شملت دراسة يورك 504 من أهالي أطفال من ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة. في الشهر الأول من الإغلاق قال أكثر من نصف الأهالي إن طفلهم تعرض للأذى من إخوته، وفي الشهر الثالث ارتفعت النسبة إلى نحو ثلاثة أرباع. وقال الباحث عمر طسيب إن البقاء الطويل في البيت زاد الشجار، وإنه تراجع حين عادت المدارس إلى الحضور الكامل في سبتمبر 2020، وأضاف أن الشجار المستمر بين الإخوة يرتبط بضعف الصحة النفسية.

الدراسة أُجريت على فئة محددة من الأطفال، لكن فكرتها مألوفة لأي أسرة: المدرسة لا تعلّم فقط، فهي تمنح كل طفل مساحته وأصدقاءه ونجاحاته الخاصة بعيداً عن إخوته. وحين تختفي هذه المساحة يصبح الأخ هو المنافس الوحيد المتاح طوال اليوم.

أما الشاشات فتضيف وقوداً من نوع خاص. الجهاز اللوحي أو التلفزيون أو جهاز الألعاب مورد واحد يريده الجميع في الوقت نفسه، والمعارك عليه سريعة الاشتعال. وفي تقديرنا أن جدولاً واضحاً ومكتوباً لاستخدام الأجهزة، يعرفه الجميع مسبقاً، يوفّر على الأهل عشرات المفاوضات اليومية ويحرم الشجار من أكثر أسبابه تكراراً.

إخوة يتنازعون على جهاز لوحي أثناء الدراسة عن بعد في البيت
طول البقاء معاً في مساحة ضيقة يزيد شجار الإخوةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

هل المقارنة بين الأبناء تشعل الغيرة؟

نعم، والمقارنة من أكثر ما يغذي الغيرة. تنصح Cleveland Clinic بعدم المقارنة بين شخصيات الأبناء أو صفاتهم أو مواهبهم، وبعدم إلصاق ألقاب بهم مثل «الفنان» أو «الذكي»، لأن ذلك يصنع جواً من التنافس داخل البيت.

قد تبدو عبارة «لماذا لا تكون مرتباً مثل أختك؟» محاولة بريئة للتحفيز. لكن الطفل يسمع فيها رسالة أخرى: أختي أفضل مني في عيون أمي. ويعدّ موقع WebMD جعل طفل «قدوة» لأخيه شكلاً من أشكال التفضيل التي تولّد الغيرة. والألقاب لا تختلف كثيراً، فحين يصبح أحد الأبناء «الفنان» في البيت يفهم إخوته أن هذا الباب أُغلق أمامهم.

والتفضيل يحدث أحياناً دون أن ينتبه إليه الأهل. في يناير 2025 نشرت مجلة Psychological Bulletin تحليلاً تجميعياً للباحثين ألكسندر جنسن وماكيل جورجنسن-ويلز عن اختلاف معاملة الوالدين لأبنائهما، شمل 19,469 مشاركاً معظمهم من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. وجد التحليل أن الأمهات والآباء يميلون قليلاً إلى البنات أكثر من الأولاد، وإلى الأطفال المنظمين وتحمّل المسؤولية، وأن الأبناء الأكبر سناً يحصلون على استقلالية أكبر ورقابة أقل.

قال جنسن إن الفروق في معاملة الأطفال «لما تبقى ظالمة أو متطرفة ممكن تبقى مشكلة»، ودعا الأهل إلى مراجعة أنفسهم في الطفل الذي يميلون إليه. اختبار بسيط يساعد هنا: راقب لمن تبتسم أكثر، ومن تصدّق روايته أولاً في أي خلاف، ومن تتسامح مع أخطائه بسرعة. الإجابات قد تكون مفاجئة.

كيف تعدل بين أبنائك دون أن تساوي بينهم حرفياً؟

العدل لا يعني دائماً المساواة. هذا هو المبدأ الذي تطرحه Cleveland Clinic: أن تتناسب المكافآت والعقوبات مع سن كل طفل واحتياجاته واهتماماته. فبدلاً من شراء لعبتين متشابهتين، تشتري لكل طفل لعبة تناسبه.

قد يبدو ذلك مخالفاً لما يفعله كثير من الأهل حين يحاولون قطع الطريق على الشكوى بتوزيع كل شيء بالتساوي. المشكلة أن المساواة الحرفية تجعل الأطفال يراقبون الحصص بدقة، فيصبح كل فرق بسيط دليلاً على الظلم. أما حين يفهم الطفل أن كل واحد يأخذ ما يحتاجه، فيقبل أن يسهر أخوه الأكبر نصف ساعة إضافية، لأنه يعرف أن دوره سيأتي حين يكبر.

والوقت هو أهم ما يُوزَّع في البيت. تقترح Cleveland Clinic أن يقضي كل والد وقتاً منفرداً مع كل طفل. لا يشترط أن يكون طويلاً أو مكلفاً: مشوار إلى المخبز، أو عشر دقائق قبل النوم بلا هاتف. هذا الوقت يجيب عن سؤال الطفل الخفي، «هل ما زال لي مكان؟»، فيقل احتياجه إلى انتزاع الاهتمام بالشجار.

وإلى جانب الوقت المنفرد، تنصح المؤسسة بأنشطة جماعية مثل العشاء العائلي وألعاب الطاولة، وباجتماع عائلي تُوضع فيه قواعد البيت ثم تُعلَّق في مكان ظاهر. القاعدة التي شارك الطفل في وضعها يصعب عليه أن يتهمها بالظلم، والقاعدة المعلقة على باب الثلاجة تنهي جدل «أنت لم تقل ذلك من قبل».

أب يهدئ طفليه بعد شجار ويتعامل بعدل مع الغيرة بين الإخوة
العدل يراعي سن كل طفل واحتياجاته لا المساواة الحرفيةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ماذا تفعل لحظة اندلاع الشجار؟

ابقَ هادئاً، ولا تبدأ بالبحث عن المخطئ. توصي Cleveland Clinic بأن يسأل الوالد كل طفل عما شعر به، وأن تكون العقوبة على انفراد، لأن إحراج الطفل أمام إخوته يزيد الضغينة بينهم.

البحث عن المذنب يحوّل الأب أو الأم إلى قاضٍ، ويحوّل الأطفال إلى متهمين يسعون للإفلات. والنتيجة أن الطرف الذي «خسر» القضية يخرج منها بثأر جديد. أما سؤال «ماذا شعرت؟» فيمنح كل طفل فرصة أن يُسمع، ويعلّمه أن يسمّي غضبه وإحباطه بالكلمات بدل الضرب.

صوتك جزء من الدرس أيضاً. إذا صرخت لإسكات الصراخ فأنت تقدم نموذجاً عملياً لما تطلب منهم تركه. ويمكن أن يبدأ التدخل بجملة بسيطة مثل «أرى طفلين غاضبين ولعبة واحدة، ما الحل؟»، فتنقل المسؤولية إليهما دون أن تنحاز لأحد.

وتعلّم هذه المهارات ممكن. طورت لوري كرامر وزملاؤها برنامجاً لتدريب الأهل اسمه «More Fun With Sisters and Brothers»، يتكون من 4 دروس عبر الإنترنت مدة كل منها 45 دقيقة. وقالت الأمهات اللواتي أنهى أبناؤهن البرنامج إن الدفء بين الإخوة زاد وإن العداوة والغيرة قلّتا، واستمر هذا الأثر بعد انتهاء البرنامج بأشهر.

متى يصبح شجار الإخوة خطراً يستدعي التدخل؟

يصبح الشجار خطراً حين يتحول إلى إساءة: يأتي من طرف واحد، ويوجد فيه فارق في القوة، ويتكرر عن قصد بهدف السيطرة أو الأذى. هذه هي المعايير التي تطرحها الباحثة كورينا جنكينز تاكر، وتضيف أن الضحية في هذه الحالة تشعر بأنها مستهدفة أو خائفة، وأن طرفاً واحداً هو الذي «يفوز» في كل مرة.

فارق القوة قد يكون في السن أو الحجم أو الجنس أو القدرة العقلية. ويعتبر مقال نشره موقع Psychology Today، وحُدّث يوم 7 ديسمبر 2023، أن الضرب والركل والدفع بعد سنوات الطفولة الأولى علامة تحذير، وينقل أن إيذاء الإخوة لبعضهم أكثر شيوعاً بنحو 3 مرات من التنمر في المدرسة.

والأرقام تؤكد أن الأمر لا يصح التهوين منه. دراسة لجامعة نيوهامبشر نشرتها مجلة Pediatrics في يونيو 2013 على 3,599 طفلاً ومراهقاً وجدت أن 32% منهم تعرضوا لنوع واحد على الأقل من عدوان الإخوة خلال العام السابق. وقالت تاكر، الباحثة الرئيسية في الدراسة، إن «عدوان الإخوة مش بريء على الأطفال والمراهقين مهما كانت شدته أو تكراره»، وإن أثر العدوان النفسي وتكسير الممتلكات يشبه أثره حين يأتي من الزملاء.

وفي سبتمبر 2014 نشرت المجلة نفسها دراسة بريطانية قادتها لوسي بوز من جامعة أكسفورد على 6,928 طفلاً، وجدت أن من تعرضوا للتنمر من إخوتهم في سن 12 كانوا أكثر عرضة بنحو الضعف للاكتئاب أو القلق أو إيذاء النفس في سن 18. وقال نحو 11% من الأطفال إن إخوتهم يتنمرون عليهم عدة مرات في الأسبوع، ونحو 10% مرة في الأسبوع، بينما قال 53% فقط إنهم لم يتعرضوا لذلك أبداً. وتنصح Cleveland Clinic بطلب مساعدة متخصصة، من معالج نفسي أو طبيب أطفال أو أخصائي المدرسة، إذا كنت قلقاً على أمان أحد أطفالك، أو إذا أثر الشجار على دراسته أو علاقاته، أو إذا لم تنجح محاولاتك.

أهم النقاط

  • قد يتشاجر الإخوة بين سن 4 و8 سنوات حتى 8 مرات في الساعة، بحسب الباحثة لوري كرامر، فالخلاف المتكرر وحده ليس دليلاً على فشل التربية.
  • من أسباب الغيرة: ترتيب الميلاد، واختلاف النضج، وإحساس الطفل بأن القواعد غير عادلة، وضغوط كالطلاق أو الأزمات المالية.
  • تجنب المقارنة والألقاب مثل «الفنان» أو «القدوة».
  • وجد تحليل في Psychological Bulletin (يناير 2025) شمل 19,469 مشاركاً أن الأهل يميلون قليلاً إلى البنات وإلى الأطفال المنظمين، فراجع ميولك أنت أيضاً.
  • العدل لا يعني المساواة: لعبة تناسب كل طفل أفضل من لعبتين متطابقتين، وعشر دقائق منفردة مع كل طفل تفيده أكثر من هدية.
  • وقت الشجار: حافظ على هدوئك، واسأل كل طفل عما شعر به بدل البحث عن المذنب، وعاقب على انفراد.
  • العلامات الحمراء: عدوان من طرف واحد، وفارق في القوة، وتكرار مقصود، وطفل خائف. عندها اطلب مساعدة متخصصة.

أسئلة شائعة

هل الغيرة بين الإخوة طبيعية؟

نعم، التنافس بين الإخوة شائع ويعدّ أصل الغيرة بحسب Cleveland Clinic. لكنه يصبح ضاراً حين يزيد عن حده أو حين يشجعه الأهل بالمقارنة والتفضيل.

هل يجب أن أتدخل في كل شجار بين أطفالي؟

ليس بالضرورة. الخلافات البسيطة المتكافئة فرصة ليتعلم الأطفال التفاوض وحل المشكلات بأنفسهم. أما إذا ظهر عنف جسدي، أو كان أحد الطرفين أقوى ويفوز دائماً، فتدخّل فوراً وبهدوء.

كيف أهيئ طفلي الأكبر لقدوم مولود جديد؟

الطفل البكر قد يشعر بأن المولود أخذ مكانه، لذلك احرص على أن يبقى له وقت منفرد معك بعد الولادة. وامنحه دوراً بسيطاً يناسب سنه في رعاية أخيه دون أن تحمّله مسؤولية الكبار.

هل تؤثر خلافات الوالدين على شجار الأبناء؟

نعم، يشير موقع WebMD إلى أن الأطفال يقلدون طريقة والديهم في الخلاف، مثل الصراخ وصفق الأبواب والخصام. وحين يرى الأطفال والديهم يتناقشان بهدوء، فهذا أقوى درس عملي في حل الخلاف.

كيف أنظم استخدام الشاشات لتقليل الشجار بين الإخوة؟

ضع جدولاً واضحاً لدور كل طفل في استخدام الأجهزة خلال اجتماع عائلي، وعلّقه في مكان ظاهر كما تقترح Cleveland Clinic بالنسبة لقواعد البيت عموماً. وطبّقه على الجميع دون استثناءات مفاجئة.

هل يترك تنمر الإخوة أثراً على المدى البعيد؟

قد يترك أثراً. وجدت دراسة جامعة أكسفورد المنشورة في سبتمبر 2014 أن الأطفال الذين تعرضوا للتنمر من إخوتهم في سن 12 كانوا أكثر عرضة بنحو الضعف للاكتئاب أو القلق أو إيذاء النفس في سن 18.

الخلاصة

لست مطالباً بإنهاء كل شجار بين أطفالك، فهذا لن يحدث. المطلوب أن تراقب نوع الشجار. الخلاف المتكافئ على اللعب يعلّم الأطفال التفاوض، أما العدوان المتكرر من طرف أقوى على طرف أضعف فيستدعي تدخلاً جاداً، وقد يحتاج إلى مختص. ويمكنك أن تبدأ من هذا الأسبوع بثلاث خطوات بسيطة: احذف عبارات المقارنة من كلامك اليومي، وخصص لكل طفل وقتاً منفرداً ولو قصيراً، واعقد اجتماعاً عائلياً تكتبون فيه قواعد البيت، ومنها جدول الشاشات، ثم علّقوها حيث يراها الجميع. وقبل الإجازة القادمة راجع الجدول وأضف إليه أنشطة جماعية، فطول الإجازة وقلة الروتين وضيق المساحة من أكثر ما يشعل الشجار.