الإجابة المختصرة: لا يوجد حتى الآن دليل قاطع على أن السكر في أول 1000 يوم من الحياة «يحدد» صحة الإنسان بعد الستين. لكن سلسلة دراسات كبيرة وجدت ارتباطاً لافتاً. اعتمدت هذه الدراسات على نهاية تقنين السكر في بريطانيا عام 1953، وتتبعت من قلّ تعرضهم للسكر أثناء الحمل وفي أول سنتين. كان هؤلاء في الكبر أقل عرضة للإصابة بالسكري من النوع الثاني بما يصل إلى 35%، وأقل عرضة لارتفاع ضغط الدم بما يصل إلى 20%. هذه علاقة قوية ومتكررة في أكثر من دراسة، ومع ذلك لم يثبت أنها علاقة سبب ونتيجة.
في سبتمبر 1953 انتهى تقنين السكر والحلوى في بريطانيا بعد سنوات الحرب العالمية الثانية. بين يوم وليلة تقريباً تضاعف ما يستهلكه الشخص من السكر، فارتفع من نحو 40 جراماً يومياً إلى نحو 80 جراماً. بعد أكثر من سبعين عاماً، صار هذا التحول البسيط في السوق البريطانية واحداً من أكثر المصادر التي يعتمد عليها الباحثون لفهم أثر السكر على الأجنة والرضّع.
عاد الموضوع إلى الواجهة هذا الخريف، بعدما أعلنت جامعة سري البريطانية يوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 أحدث دراسة في السلسلة، وكانت هذه المرة عن القلق في الكبر. وفي مصر يكتسب السؤال وزناً خاصاً، فبحسب الاتحاد الدولي للسكري بلغت نسبة الإصابة بالسكري بين البالغين 22.4% عام 2024، أي نحو 13.2 مليون بالغ. ما يحتاج الأهل إلى معرفته هو حدود ما أثبتته هذه الأبحاث، والفرق بين النتيجة الإحصائية والحكم الطبي، وما يمكن فعله في البيت بهدوء.
ما هي أول 1000 يوم ولماذا يركز عليها العلماء؟
أول 1000 يوم هي فترة الحمل مضافاً إليها أول سنتين بعد الولادة. يعتبرها الباحثون أكثر مراحل العمر حساسية، لأن الأعضاء وأجهزة الأيض تتكوّن خلالها وتتأثر بالبيئة التي ينمو فيها الجنين ثم الرضيع.
تنتمي هذه الفكرة إلى مجال بحثي معروف اسمه «الأصول التنموية للصحة والمرض» (DOHaD). الفرضية الأساسية فيه أن ظروف بداية الحياة، كالتغذية في الرحم وفي الطفولة المبكرة، قد تترك أثراً يمتد عقوداً في قابلية الجسم لأمراض مثل السكري وأمراض القلب.
الصعوبة دائماً كانت في الإثبات. لا يستطيع أي باحث أن يقسم الحوامل والرضّع عشوائياً إلى مجموعة تأكل سكراً كثيراً وأخرى تأكل قليلاً ثم ينتظر ستين عاماً ليرى النتيجة. لهذا لجأ العلماء إلى التاريخ، وبحثوا عن لحظة تغيّر فيها استهلاك السكر عند مجتمع كامل دون أن يختار الناس ذلك.
ماذا وجدت دراسة مجلة Science عن تقنين السكر؟
وجدت الدراسة أن التعرض لتقنين السكر في أول 1000 يوم ارتبط بانخفاض خطر السكري من النوع الثاني في الكبر بما يصل إلى 35%، وانخفاض خطر ارتفاع ضغط الدم بما يصل إلى 20%. ونشرت مجلة Science الدراسة يوم الخميس 31 أكتوبر 2024 بعنوان «التعرض لتقنين السكر في أول 1000 يوم من الحياة وفّر حماية من الأمراض المزمنة».
أعدّ الدراسة ثلاثة اقتصاديين وباحثين في الصحة: تاديا غراتشنر من جامعة جنوب كاليفورنيا، وكلير بون من جامعة ماكغيل، وبول غيرتلر من جامعة كاليفورنيا في بيركلي. استخدموا بيانات البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank) لأكثر من 60 ألف بالغ وُلدوا بين 1951 و1956، وقارنوا من تكوّنوا أجنّة قبل انتهاء التقنين مباشرة بمن تكوّنوا بعده مباشرة.
لم تتوقف النتائج عند الخطر. من أصيبوا بالمرض رغم تعرضهم للتقنين ظهر عندهم السكري متأخراً نحو 4 سنوات، وظهر ارتفاع الضغط متأخراً نحو سنتين. ولاحظ الباحثون أن التقنين أثناء الحمل وحده ارتبط بانخفاض الخطر، وأن الحماية زادت كلما طالت فترة التقنين بعد الولادة. هذا التدرج يقوّي الاستنتاج من الناحية الإحصائية، لأن العلاقة تتبع الجرعة.
النقطة التي يغفل عنها كثيرون أن التقنين لم يكن مجاعة. يؤكد الباحثون أن النظام الغذائي البريطاني وقتها كان في حدود الإرشادات الحالية لمنظمة الصحة العالمية ووزارة الزراعة الأمريكية. المقارنة إذن كانت بين استهلاك معتدل للسكر واستهلاك مرتفع، وليست بين أطفال جائعين وأطفال يأكلون جيداً.
Early-life sugar restriction—beginning in utero—can protect against diabetes and hypertension later in life, according to a new study leveraging data from post-World War II sugar rationing in the U.K. The findings highlight critical long-term health benefits from reduced sugar… pic.twitter.com/np8l0m8pcpشوف المنشور على X
هل أكدت الدراسات اللاحقة النتيجة نفسها؟
نعم، فقد طبّقت ثلاث دراسات لاحقة على الأقل التجربة الطبيعية نفسها ووصلت إلى نتائج في الاتجاه ذاته، لكن على أمراض أخرى. وكلها تحمل القيود المنهجية نفسها.
أكبرها دراسة نشرتها مجلة BMJ على 63,433 مشاركاً من البنك الحيوي البريطاني، وغطّاها موقع ScienceDaily في فبراير 2026. ارتبط التعرض للتقنين من الحمل حتى سن السنتين تقريباً بانخفاض خطر أمراض القلب والأوعية عموماً بنسبة 20%، والنوبة القلبية بنسبة 25%، وفشل القلب بنسبة 26%، والسكتة الدماغية بنسبة 31%، والوفاة القلبية بنسبة 27%. ويعترف مؤلفوها صراحة بأنها دراسة رصدية لا تثبت أن قلة السكر هي التي سببت هذه النتائج، وبأنه لم تتوفر سجلات غذائية مفصلة لكل فرد.
في يناير 2026 نشرت مجلة Nature Communications دراسة قادها باحثون من جامعة شانتو الصينية، ربطت التقنين في أول 1000 يوم بانخفاض خطر فشل القلب بنحو 14% وتأخر تشخيصه 2.6 سنة في المتوسط. وقدّرت أن 4 إلى 5% من حالات فشل القلب على مستوى السكان قد تُعزى إلى غياب تقييد السكر في الطفولة المبكرة. واعترف الفريق بأن كمية السكر الفعلية لم تُقَس لكل شخص، وإنما استُنتجت من حالة التقنين وقت ولادته.
أحدث حلقة هي دراسة جامعة سري المنشورة في مجلة Translational Psychiatry، وشملت أكثر من 45 ألف مشارك. كان خطر القلق في الكبر أقل عند من تعرضوا لأقل قدر من السكر أثناء الحمل وفي أول سنتين. وأفاد من امتد التقنين عندهم حتى عمر 24 شهراً بأنهم يفضّلون المذاق الحلو أقل في الكبر، وهي ملاحظة لها معنى عملي للأهل. أما الارتباط بالاكتئاب فضعف بعد التعديل الإحصائي، وهذا يعني أن النتائج النفسية أقل حسماً من نتائج السكري والقلب.
ما الفرق بين الارتباط والسبب ولماذا يهم هنا؟
الارتباط يعني أن ظاهرتين تظهران معاً، أما السبب فيعني أن إحداهما تُحدث الأخرى. والدراسات الأربع كلها تثبت الارتباط بقوة، لكنها لا تثبت أن السكر وحده هو السبب.
قالت الدكتورة هيلدا مولروني من جامعة لندن متروبوليتان إن دراسة Science «لا تستطيع إثبات السببية، فهذا غير ممكن بهذا النوع من التصميم». ومع ذلك وصفتها بالقوية، لأن عينتها كبيرة ولأنها عدّلت عدداً من العوامل المربِكة. التقييمان لا يتناقضان: الدراسة محكمة في حدود ما يسمح به التصميم الرصدي.
ما الذي قد يفسّر الفروق غير السكر؟ ترى البروفيسورة أماندا أدلر من جامعة أكسفورد أن عادات أخرى ربما تغيّرت مع انتهاء التقنين، كتراجع النشاط البدني، وقد يفسر ذلك جزءاً من الفروق. وحذّرت جيروسا برينياردِلو من جامعة أكسفورد بروكس من أن البيئة الغذائية في الخمسينيات تختلف كثيراً عن اليوم، وأن عينة البنك الحيوي البريطاني تميل إلى الأصحّ والأغنى فلا تمثل المجتمع كله، وأن الدراسة لم تدرس السمنة كمتغير.
الدكتورة كاتي دالريمبل من كينغز كوليدج لندن اختارت موقعاً وسطاً. فهي ترى أن النتائج تتسق مع أبحاث الأصول التنموية للصحة والمرض، لكنها نبّهت إلى احتمال وجود عوامل مربِكة غير مقاسة وانحياز في العينة. القراءة المتوازنة إذن: دليل قوي يدعم إرشادات قائمة أصلاً، وليس حكماً بأن طفلاً أكل حلوى في سنته الأولى محكوم عليه بالسكري في الستين. أما قول بول غيرتلر إن «السكر في بداية الحياة هو التبغ الجديد، ويجب أن نعامله على هذا الأساس»، ودعوته إلى إعادة تركيب أغذية الرضّع وفرض ضرائب على الأطعمة السكرية الموجهة للأطفال، فهو رأيه الشخصي وليس من نتائج الدراسة.
كم سكراً يُسمح به للطفل قبل سن السنتين؟
لا شيء من السكر المضاف. توصي منظمة الصحة العالمية والإرشادات الغذائية الأمريكية لعام 2020 بعدم إعطاء أي سكر مضاف للأطفال دون سن السنتين، أما البالغون فيُنصحون بألا يتجاوز السكر المضاف عندهم 12 ملعقة صغيرة، أي 50 جراماً، في اليوم.
وتنص إرشادات منظمة الصحة العالمية للتغذية التكميلية، الصادرة في أكتوبر 2023 للأطفال من 6 إلى 23 شهراً، على ألا يتناول الطفل في هذه السن الأطعمة الغنية بالسكر والملح والدهون المتحولة، ولا المشروبات المحلّاة بالسكر.
استندت هذه الإرشادات إلى مراجعة علمية ربطت المشروبات المحلاة والأطعمة غير الصحية في الطفولة باحتمال زيادة مؤشر كتلة الجسم ونسبة الدهون وخطر السمنة. لكن المراجعة نفسها وجدت عدداً قليلاً من الدراسات الطولية على الأطفال دون السنتين. ولهذا تحظى دراسات تقنين السكر البريطانية بكل هذا الاهتمام، فهي تسد جزءاً من فجوة ظلت مفتوحة طويلاً، حتى لو لم تحسم مسألة السببية.
المقارنة بالأرقام تساعد على الفهم. كان متوسط استهلاك البريطانيين أثناء التقنين نحو 40 جراماً يومياً، وهذا أقل من الحد الأقصى المسموح به اليوم للبالغين. معنى ذلك أن الجيل الذي ظهرت عنده الحماية لم يعش بلا سكر. كل ما في الأمر أن السكر لم يكن متاحاً بكثرة.
كيف يقلل الأهل السكر في سنوات الطفل الأولى من غير هوس؟
الهدف تأخير تعوّد الطفل على المذاق الحلو وجعل السكر المضاف استثناءً، وليس حذفه بالقوة من حياة الأسرة. والملاحظة الأهم عملياً أن الدراسات قارنت مستويات استهلاك عامة على مدى شهور وسنوات، ولم تقارن قطعة كيك بقطعة أخرى.
ابدأ بما يدخل فم الطفل يومياً لا بالمناسبات. الطعام الأول يكون بلا سكر: خضار مهروسة، وفاكهة كاملة، وحبوب غير محلاة. لا تضع سكراً في الزبادي أو البليلة أو المهلبية التي تحضّرها للرضيع، فهو يتقبّل الطعم الطبيعي لأنه لا يعرف غيره بعد. ودراسة جامعة سري تلمّح إلى أن تأخير التعوّد على الحلو قد يقلل الميل إليه في الكبر.
اقرأ الملصقات في السوبرماركت. بعض أغذية الرضّع الجاهزة والبسكويت المخصص للأطفال وعصائر العلب تحتوي على سكر مضاف تحت أسماء مثل الجلوكوز أو شراب الذرة أو السكروز. ولا تعطِ الطفل دون السنتين مشروبات محلاة، ويدخل في ذلك الشاي بالسكر الذي تقدّمه بعض العائلات للرضّع من باب العادة.
تحتاج العائلة الممتدة إلى حديث هادئ. الجدّات والأقارب يقدّمون الحلوى غالباً بدافع المحبة، والصدام معهم لا يفيد. اشرح لهم أن التوصية الرسمية لمنظمة الصحة العالمية هي عدم إعطاء سكر مضاف قبل السنتين، واقترح بدائل يقدّمونها كقطع الموز أو التمر المهروس في حدود معقولة. وتجنّب استخدام الحلوى مكافأة أو أداة لتهدئة البكاء، فهذا يربط السكر في ذهن الطفل بالراحة. أما الحامل فلا تملك الدراسات أرقاماً محددة لها، وأماندا أدلر نفسها تقول إن الأمر يحتاج إلى تجارب سريرية، لذا فالأفضل الالتزام بحدود السكر المضاف العامة واستشارة الطبيب، خصوصاً عند وجود سكري الحمل.
أهم النقاط
- ارتبط تقنين السكر في الحمل وأول سنتين بانخفاض خطر السكري من النوع الثاني بما يصل إلى 35% وخطر ارتفاع الضغط بما يصل إلى 20%، وفق دراسة Science المنشورة في 31 أكتوبر 2024.
- تأخر ظهور السكري نحو 4 سنوات وارتفاع الضغط نحو سنتين عند من أصيبوا رغم تعرضهم للتقنين.
- دراسات لاحقة في BMJ وNature Communications وTranslational Psychiatry وجدت ارتباطات مماثلة بأمراض القلب وفشل القلب والقلق.
- كلها دراسات رصدية: الارتباط قوي، والسببية لم تثبت.
- التقنين لم يكن تجويعاً، فقد كان الاستهلاك نحو 40 جراماً يومياً، وهو في حدود الإرشادات الحالية.
- منظمة الصحة العالمية: لا سكر مضاف ولا مشروبات محلاة قبل سن السنتين.
- قطعة كيك في عيد ميلاد لا تقرر مصير طفل. العادات اليومية هي التي تفرق.
أسئلة شائعة
لماذا عادت دراسات السكر في أول 1000 يوم إلى الانتشار الآن؟
لأن جامعة سري البريطانية أعلنت يوم 22 سبتمبر 2026 دراسة جديدة في مجلة Translational Psychiatry شملت أكثر من 45 ألف مشارك، وربطت قلة السكر في الحمل وأول سنتين بانخفاض خطر القلق في الكبر. وجاءت بعد دراستين نُشرتا في يناير وفبراير 2026 عن أمراض القلب.
إذا أكل طفلي سكراً كثيراً قبل السنتين، هل فات الأوان؟
لا. النتائج إحصائية على مستوى مجموعات كبيرة، ولا تحكم على شخص بعينه، وعوامل أخرى كثيرة تؤثر في خطر السكري وأمراض القلب لاحقاً. تقليل السكر المضاف من اليوم مفيد في أي عمر.
هل سكر الفاكهة الكاملة مثل السكر المضاف؟
توصيات منظمة الصحة العالمية للأطفال دون السنتين تخص السكر المضاف والأطعمة والمشروبات المحلاة. والفاكهة الكاملة جزء طبيعي من التغذية التكميلية، أما المشروبات المحلاة فينبغي تجنبها في هذه السن.
هل يجب على الحامل التوقف عن السكر تماماً؟
الدراسات وجدت أن التقنين أثناء الحمل وحده ارتبط بانخفاض الخطر، لكن التقنين كان اعتدالاً وليس منعاً تاماً. ويقول الخبراء إن تحديد المستوى المناسب للحوامل يحتاج إلى تجارب سريرية، لذلك يُنصح بالاعتدال واستشارة الطبيب.
كم كان استهلاك السكر في بريطانيا أثناء التقنين وبعده؟
كان نحو 40 جراماً للشخص يومياً أثناء التقنين، ثم تضاعف تقريباً إلى نحو 80 جراماً بعد انتهائه في سبتمبر 1953. للمقارنة، يُنصح البالغ اليوم بألا يتجاوز السكر المضاف عنده 50 جراماً يومياً.
الخلاصة
ما خرجت به دراسات تقنين السكر لا يعني أن مستقبل الطفل الصحي يتقرر في المطبخ قبل أن يكمل السنتين. يعني أن الإرشادات الموجودة أصلاً، أي لا سكر مضاف ولا مشروبات محلاة قبل السنتين، صار لها الآن سند إضافي من بيانات عشرات الآلاف من البالغين تابعهم الباحثون أكثر من ستين عاماً. والقطعة الناقصة هي التجارب السريرية التي يطالب بها الخبراء لتحديد المستويات المناسبة للحوامل والمرضعات والرضّع، وقد تتغير التوصيات التفصيلية حين تظهر نتائجها. حتى ذلك الوقت، يستطيع الأهل في مصر والخليج، حيث يشكّل السكري عبئاً ثقيلاً على الأسر، أن يبدأوا بخطوة بسيطة ومجانية: طعام الرضيع اليومي بلا سكر، وصبر على قراءة الملصقات، وحديث هادئ مع الجدّات. والحلوى في المناسبات تبقى استثناءً لا داعي للقلق منه.