بحر الرمال الهامسة
هناك صحراء لا تقتل المسافرين بالعطش أولًا، بل تقتلهم بالكلام: تهمس لهم بأكاذيب حلوة حتى يتوهوا ولا يعرفوا طريق الرجوع.
headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق
الفصل الثاني: بحر الرمال الهامسة
لم ينم فارس تلك الليلة. جلس في دكّانه المظلم والقنديل التوأم بين يديه، باردًا كحجرٍ في قاع النهر. ظلّ صوت زمهرير يتردد في أذنيه: "لن يعود أبدًا". لكنه كان يسمع تحته صوتًا أصغر وأقوى، صوت نادرة وهي تسأل: "هل تسمعني؟"
عند الفجر حزم فارس صرّةً صغيرة: رغيفين وقِربة ماء ومطرقته النحاسية وكُبّة خيط. ثم أغلق باب الدكّان. وقبل أن يخطو خطوة، وقف أمامه بائع الفول يحمل قِدرًا صغيرًا ملفوفًا بقماش، وقال: "سمعتُ أنك مسافر يا شاطر. الفول يبرد، لكن الشجاعة لا تبرد. خذ." ضحك فارس رغم حزنه، وأخذ القِدر وشكره.
عند باب المدينة نظر إلى جبل الضباب البعيد، وقال للقنديل بصوتٍ خافت: "لا أعرف الطريق، ولستُ فارسًا بسيف. لكني ذاهبٌ إليها مهما حدث." وما إن خرجت الكلمات صادقةً من قلبه حتى ارتعش القنديل، وأضاء بنورٍ ذهبيٍّ ضعيف، ومال ضوؤه كإصبعٍ صغير يشير نحو الجبل. تذكّر فارس كلام جدّته: "لا يضيئان إلا في يدِ قلبٍ صادق."
عبر الجبل ثلاثة أيام في ضبابٍ كثيفٍ كالحليب، لا يرى فيه إلا ضوء القنديل. وفي صباح اليوم الرابع انشقّ الضباب، فرأى أمامه بحرًا لا ماء فيه: رمالٌ ذهبية تتموّج كالأمواج، وريحٌ تمرّ فوقها فتُخرج صوتًا ناعمًا كالوشوشة. إنه بحر الرمال الهامسة.
خطا الخطوة الأولى، فسمع همسًا: "ارجع يا فارس… الأميرة لا تذكر حتى اسمك." وخطا الثانية: "الماء هناك، خلف الكثيب الأيسر." ثم: "زمهرير ينتظرك، وبرده يأكل العظام." والعجيب أن الأصوات كانت تشبه أصواتًا يعرفها: صوت جدّته، وصوت بائع الفول، بل حتى صوت نادرة نفسها!
مال فارس نحو اليسار حيث وعدته الرمال بالماء، فخفت نور القنديل حتى كاد ينطفئ. توقّف ورجع إلى طريقه الأول، فعاد النور يتوهّج. هنا فهم وقال: "الرمال لا تكلّمني أنا… إنها تكلّم خوفي. أما القنديل فيكلّم قلبي." وضع يده على صدره وأغمض عينيه، فسمع دقّات قلبه: دُم… دُم… دُم، ثابتةً مثل طرق مطرقته في الدكّان. فصار يمشي على إيقاعها، ولا يلتفت إلى الهمس مهما علا.
في اليوم الثاني رأى آثار جِمالٍ تدور في دائرة واسعة، وفوقها دائرة أخرى، ثم ثالثة. وبعد قليل ظهرت القافلة: عشرون جملًا، وتجّار ملح، وأطفال، ووجوهٌ شقّقها العطش. وكانت تقودها امرأةٌ عجوز صارمة الملامح اسمها الحاجّة زُبيدة، وإلى جانبها حفيدها الصغير سليم.
قالت زبيدة بصوتٍ متعب: "ندور هنا منذ خمسة أيام. كل ليلة تدلّنا الرمال على طريق النجاة، فنتبعه، فنرجع إلى المكان نفسه!" وأضاف سليم وعيناه تلمعان بالدموع: "وأمس سمعتُ أبي يناديني من الكثبان… مع أن أبي في البيت!"
فكّر فارس طويلًا. القنديل وحده لا يكفي لقافلة كاملة، والهمس يدخل كل أذن. ثم ابتسم فجأة وقال: "يا حاجّة، الرمال هنا لا تقول إلا الكذب، أليس كذلك؟ إذن فلنسألها!" ورفع صوته: "يا رمال، أين طريق الماء؟" فهمست الرمال من كل جهة: "شرقًا… شرقًا… شرقًا…" فضحك فارس: "إذن الماء في الغرب!"
سأل أحد التجّار: "لكن كيف نمشي والهمس يملأ آذاننا؟" فجمع فارس قدور التجّار النحاسية، وعلّق قِدرًا على كل جمل، وأعطى سليمًا عصًا صغيرة وقال: "اطرق كما أطرق في دكّاني: طِك… طِك… طِك. مثل قلبٍ لا يخاف." فمشت القافلة على إيقاع النحاس، فغطّى الطرق على الهمس، وبدأ الكبار يغنّون، والأطفال يصفّقون.
وعند الغروب، خلف الكثيب الغربي، لمع ماء واحةٍ صغيرة بين النخيل. صرخ الأطفال فرحًا، وركضت الجمال إلى الماء، وبكت الحاجّة زبيدة لأول مرة منذ سنين.
في الليل، جلست زبيدة أمام النار وقالت: "عرضتُ عليك الذهب فرفضته، فخذ ما هو أثمن منه." وأشارت إلى ناقةٍ بيضاء هادئة العينين: "هذه وفيّة. وُلدت صمّاء، فلا تسمع الهمس أبدًا، ولا تمشي إلا بقلبها. وهي تعرف الطريق إلى بحر المرايا." ثم مالت نحوه وهمست: "وهناك يا ولدي، لا تصدّق عينيك، كما لم تصدّق أذنيك هنا."
في الصباح ودّعه سليم بطرقةٍ أخيرة على القدر، وسار فارس على ظهر وفيّة حتى انتهت الرمال. وفجأة ارتعش القنديل، وخرج منه صوت نادرة ضعيفًا كأنه آتٍ من بئرٍ عميقة: "يا صاحب الألغاز… شيءٌ يُريك وجهك ولا يعرفك… احذره." ثم سكت.
رفع فارس رأسه، فرأى أمامه بحرًا يلمع كألف شمس: بحرٌ من المرايا، وفي كل مرآة فارسٌ رماديّ اللحية يحمل قنديلًا ويحدّق فيه. رفع فارس يده، فرفعت الصور كلها أيديها… كلها إلا صورةً واحدة بقيت ساكنة، ثم ابتسمت له ابتسامةً باردة، مع أن فارس نفسه لم يبتسم.
فيه صحرا مش بتموّت المسافرين من العطش الأول… لأ، بتموّتهم بالكلام. تفضل توشوشهم بكدب حلو، لحد ما يتوهوا وما يعرفوش سكة الرجوع.
الليلة دي فارس ما نامش خالص. قعد في دكانه الضلمة، والقنديل التوأم في إيديه. كان ساقع زي حجر في قاع النهر. وصوت زمهرير فضل يرنّ في ودانه: "مش هيرجع أبدًا". بس كان سامع تحته صوت أصغر وأقوى. صوت نادرة وهي بتسأل: "إنت سامعني؟"
أول ما الفجر طلع، فارس لمّ صُرّة صغيرة. حط فيها رغيفين، وقِربة ميّة، ومطرقته النحاس، وكُبّة خيط. وبعدين قفل باب الدكان. وقبل ما يخطي خطوة، لقى بياع الفول واقف قدامه، شايل قِدرة صغيرة ملفوفة في قماشة. وقال له: "سمعت إنك مسافر يا شاطر. الفول بيبرد، بس الشجاعة ما بتبردش. خد." فارس ضحك رغم حزنه، وخد القِدرة وشكره.
وعند باب المدينة، بصّ فارس على جبل الضباب البعيد. وقال للقنديل بصوت واطي: "أنا مش عارف السكة، ولا أنا فارس بسيف. بس أنا رايح لها مهما حصل." وأول ما الكلام خرج صادق من قلبه، القنديل اترعش. ونوّر بنور دهبي ضعيف. وضوّه مال زي صباع صغير بيشاور ناحية الجبل. فارس افتكر كلام جدته: "ما بينوّروش غير في إيد قلب صادق."
عدّى الجبل في تلات أيام، وسط ضباب تقيل زي اللبن. ما كانش شايف فيه غير ضوء القنديل. وفي صباحية اليوم الرابع، الضباب اتفتح. ولقى قدامه بحر من غير ميّة. رمل دهبي بيتموّج زي الموج، وريح بتعدي فوقه فيطلع صوت ناعم زي الوشوشة. ده بقى بحر الرمل اللي بيوشوش.
خطا أول خطوة، سمع وشوشة: "ارجع يا فارس… الأميرة مش فاكرة حتى اسمك." وخطا التانية: "الميّة هناك، ورا الكثيب اللي على الشمال." وبعدين: "زمهرير مستنيك، وبرده بياكل العضم." والغريبة إن الأصوات كانت شبه أصوات يعرفها. صوت جدته، وصوت بياع الفول. لأ، وكمان صوت نادرة نفسها!
فارس مال ناحية الشمال، مطرح ما الرمل وعده بالميّة. راح نور القنديل خفّ لحد ما كان هينطفي. وقف ورجع لسكته الأولانية، النور رجع يولّع تاني. ساعتها فهم، وقال: "الرمل مش بيكلمني أنا… ده بيكلم خوفي. أما القنديل فبيكلم قلبي." حط إيده على صدره وغمّض عينيه. وسمع دقات قلبه: دُم… دُم… دُم. ثابتة زي خبط مطرقته في الدكان. وبقى يمشي على إيقاعها، ولا يلتفت للوشوشة مهما عليت.
تاني يوم، شاف أثر جمال بيلف في دايرة واسعة. وفوقها دايرة تانية، وبعدين تالتة. وبعد شوية القافلة ظهرت. عشرين جمل، وتجار ملح، وعيال صغيرين، ووشوش العطش شققها. وكانت بتقودهم ست عجوزة، ملامحها شديدة، اسمها الحاجة زُبيدة. وجنبها حفيدها الصغير سليم.
زبيدة قالت بصوت تعبان: "إحنا بنلف هنا بقالنا خمس أيام. كل ليلة الرمل يدلّنا على سكة النجاة، نمشي وراه، نلاقي نفسنا راجعين لنفس المكان!" وسليم زوّد، وعينيه بتلمع بالدموع: "وامبارح سمعت أبويا بينادي عليّ من الكثبان… مع إن أبويا في البيت!"
فارس فكّر كتير. القنديل لوحده مش هيكفي قافلة بحالها، والوشوشة بتدخل كل ودن. وفجأة ابتسم وقال: "يا حاجة، الرمل هنا ما بيقولش غير الكدب، مش كده؟ يبقى نسأله!" وعلّى صوته: "يا رمل، فين سكة الميّة؟" الرمل وشوش من كل ناحية: "شرق… شرق… شرق…" فارس ضحك وقال: "يبقى الميّة في الغرب!"
واحد من التجار سأل: "بس هنمشي إزاي والوشوشة مالية ودانّا؟" فارس لمّ قِدر التجار النحاس، وعلّق قِدرة على كل جمل. وادّى سليم عصاية صغيرة وقال له: "اخبط زي ما بخبط في دكاني: طِك… طِك… طِك. زي قلب ما بيخافش." والقافلة مشيت على إيقاع النحاس. الخبط غطّى على الوشوشة. والكبار بدأوا يغنّوا، والعيال يسقّفوا.
وعند المغرب، ورا الكثيب اللي في الغرب، لمعت ميّة واحة صغيرة بين النخل. العيال صرّخوا من الفرحة. والجمال جريت على الميّة. والحاجة زبيدة عيّطت، لأول مرة من سنين.
وبالليل، زبيدة قعدت قدام النار وقالت: "عرضت عليك الدهب ورفضته، يبقى خد اللي أغلى منه." وشاورت على ناقة بيضا، عينيها هادية: "دي وفيّة. اتولدت طرشة، فما بتسمعش الوشوشة أبدًا، وما بتمشيش غير بقلبها. وهي عارفة السكة لبحر المرايات." وبعدين مالت عليه ووشوشته: "وهناك يا ابني، ما تصدقش عينيك، زي ما ما صدقتش ودانك هنا."
الصبح، سليم ودّعه بخبطة أخيرة على القِدرة. وفارس مشي على ضهر وفيّة لحد ما الرمل خلص. وفجأة القنديل اترعش. وطلع منه صوت نادرة ضعيف، كإنه جاي من بير غويط: "يا صاحب الفوازير… حاجة بتوريك وشك وما تعرفكش… خلي بالك منها." وبعدين سكتت.
فارس رفع راسه، لقى قدامه بحر بيلمع زي ألف شمس. بحر من المرايات. وفي كل مراية فارس بدقن رمادي، شايل قنديل وباصص له. فارس رفع إيده، والصور كلها رفعت إيديها… كلها إلا صورة واحدة فضلت ساكتة. وبعدين ابتسمت له ابتسامة باردة، مع إن فارس نفسه ما ابتسمش.
أبطال الحكاية