الشاطر فارس وست الحسن نادرة: حكاية القنديلين — بحر الرمال الهامسة
auto_stories الشاطر فارس وست الحسن نادرة: حكاية القنديلين الفصل الثاني

بحر الرمال الهامسة

هناك صحراء لا تقتل المسافرين بالعطش أولًا، بل تقتلهم بالكلام: تهمس لهم بأكاذيب حلوة حتى يتوهوا ولا يعرفوا طريق الرجوع.

menu_book اقرأ الفصل · 4 دقائق

headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق

الفصل الثاني: بحر الرمال الهامسة

لم ينم فارس تلك الليلة. جلس في دكّانه المظلم والقنديل التوأم بين يديه، باردًا كحجرٍ في قاع النهر. ظلّ صوت زمهرير يتردد في أذنيه: "لن يعود أبدًا". لكنه كان يسمع تحته صوتًا أصغر وأقوى، صوت نادرة وهي تسأل: "هل تسمعني؟"

قنديلٌ مطفأ، وتهديدٌ بارد، وليلٌ طويل بلا نوم. لكن صوتًا صغيرًا ظلّ يسأله: هل تسمعني؟
قنديلٌ مطفأ، وتهديدٌ بارد، وليلٌ طويل بلا نوم. لكن صوتًا صغيرًا ظلّ يسأله: هل تسمعني؟

عند الفجر حزم فارس صرّةً صغيرة: رغيفين وقِربة ماء ومطرقته النحاسية وكُبّة خيط. ثم أغلق باب الدكّان. وقبل أن يخطو خطوة، وقف أمامه بائع الفول يحمل قِدرًا صغيرًا ملفوفًا بقماش، وقال: "سمعتُ أنك مسافر يا شاطر. الفول يبرد، لكن الشجاعة لا تبرد. خذ." ضحك فارس رغم حزنه، وأخذ القِدر وشكره.

قالها صادقًا: لستُ فارسًا بسيف، لكني ذاهب. فارتعش القنديل، وأشار ضوؤه نحو جبل الضباب.
قالها صادقًا: لستُ فارسًا بسيف، لكني ذاهب. فارتعش القنديل، وأشار ضوؤه نحو جبل الضباب.

عند باب المدينة نظر إلى جبل الضباب البعيد، وقال للقنديل بصوتٍ خافت: "لا أعرف الطريق، ولستُ فارسًا بسيف. لكني ذاهبٌ إليها مهما حدث." وما إن خرجت الكلمات صادقةً من قلبه حتى ارتعش القنديل، وأضاء بنورٍ ذهبيٍّ ضعيف، ومال ضوؤه كإصبعٍ صغير يشير نحو الجبل. تذكّر فارس كلام جدّته: "لا يضيئان إلا في يدِ قلبٍ صادق."

عبر الجبل ثلاثة أيام في ضبابٍ كثيفٍ كالحليب، لا يرى فيه إلا ضوء القنديل. وفي صباح اليوم الرابع انشقّ الضباب، فرأى أمامه بحرًا لا ماء فيه: رمالٌ ذهبية تتموّج كالأمواج، وريحٌ تمرّ فوقها فتُخرج صوتًا ناعمًا كالوشوشة. إنه بحر الرمال الهامسة.

بحرٌ بلا ماء، أمواجه رمال، وريحه تتكلّم. مرحبًا بك في بحر الرمال الهامسة.
بحرٌ بلا ماء، أمواجه رمال، وريحه تتكلّم. مرحبًا بك في بحر الرمال الهامسة.

خطا الخطوة الأولى، فسمع همسًا: "ارجع يا فارس… الأميرة لا تذكر حتى اسمك." وخطا الثانية: "الماء هناك، خلف الكثيب الأيسر." ثم: "زمهرير ينتظرك، وبرده يأكل العظام." والعجيب أن الأصوات كانت تشبه أصواتًا يعرفها: صوت جدّته، وصوت بائع الفول، بل حتى صوت نادرة نفسها!

مال فارس نحو اليسار حيث وعدته الرمال بالماء، فخفت نور القنديل حتى كاد ينطفئ. توقّف ورجع إلى طريقه الأول، فعاد النور يتوهّج. هنا فهم وقال: "الرمال لا تكلّمني أنا… إنها تكلّم خوفي. أما القنديل فيكلّم قلبي." وضع يده على صدره وأغمض عينيه، فسمع دقّات قلبه: دُم… دُم… دُم، ثابتةً مثل طرق مطرقته في الدكّان. فصار يمشي على إيقاعها، ولا يلتفت إلى الهمس مهما علا.

الرمال تكلّم خوفه، والقنديل يكلّم قلبه. دُم… دُم… دُم، ومشى على إيقاع قلبه.
الرمال تكلّم خوفه، والقنديل يكلّم قلبه. دُم… دُم… دُم، ومشى على إيقاع قلبه.

في اليوم الثاني رأى آثار جِمالٍ تدور في دائرة واسعة، وفوقها دائرة أخرى، ثم ثالثة. وبعد قليل ظهرت القافلة: عشرون جملًا، وتجّار ملح، وأطفال، ووجوهٌ شقّقها العطش. وكانت تقودها امرأةٌ عجوز صارمة الملامح اسمها الحاجّة زُبيدة، وإلى جانبها حفيدها الصغير سليم.

قالت زبيدة بصوتٍ متعب: "ندور هنا منذ خمسة أيام. كل ليلة تدلّنا الرمال على طريق النجاة، فنتبعه، فنرجع إلى المكان نفسه!" وأضاف سليم وعيناه تلمعان بالدموع: "وأمس سمعتُ أبي يناديني من الكثبان… مع أن أبي في البيت!"

خمسة أيام يدورون في دائرة لا تنتهي. والرمال تعدهم كل ليلة بطريقٍ كاذب.
خمسة أيام يدورون في دائرة لا تنتهي. والرمال تعدهم كل ليلة بطريقٍ كاذب.

فكّر فارس طويلًا. القنديل وحده لا يكفي لقافلة كاملة، والهمس يدخل كل أذن. ثم ابتسم فجأة وقال: "يا حاجّة، الرمال هنا لا تقول إلا الكذب، أليس كذلك؟ إذن فلنسألها!" ورفع صوته: "يا رمال، أين طريق الماء؟" فهمست الرمال من كل جهة: "شرقًا… شرقًا… شرقًا…" فضحك فارس: "إذن الماء في الغرب!"

طِك… طِك… طِك، مثل قلبٍ لا يخاف. غطّى النحاس على الهمس، وعاد الغناء للقافلة.
طِك… طِك… طِك، مثل قلبٍ لا يخاف. غطّى النحاس على الهمس، وعاد الغناء للقافلة.

سأل أحد التجّار: "لكن كيف نمشي والهمس يملأ آذاننا؟" فجمع فارس قدور التجّار النحاسية، وعلّق قِدرًا على كل جمل، وأعطى سليمًا عصًا صغيرة وقال: "اطرق كما أطرق في دكّاني: طِك… طِك… طِك. مثل قلبٍ لا يخاف." فمشت القافلة على إيقاع النحاس، فغطّى الطرق على الهمس، وبدأ الكبار يغنّون، والأطفال يصفّقون.

وعند الغروب، خلف الكثيب الغربي، لمع ماء واحةٍ صغيرة بين النخيل. صرخ الأطفال فرحًا، وركضت الجمال إلى الماء، وبكت الحاجّة زبيدة لأول مرة منذ سنين.

رفض الذهب، فنال ما هو أثمن. وفيّة، ناقةٌ صمّاء لا يخدعها الهمس.
رفض الذهب، فنال ما هو أثمن. وفيّة، ناقةٌ صمّاء لا يخدعها الهمس.

في الليل، جلست زبيدة أمام النار وقالت: "عرضتُ عليك الذهب فرفضته، فخذ ما هو أثمن منه." وأشارت إلى ناقةٍ بيضاء هادئة العينين: "هذه وفيّة. وُلدت صمّاء، فلا تسمع الهمس أبدًا، ولا تمشي إلا بقلبها. وهي تعرف الطريق إلى بحر المرايا." ثم مالت نحوه وهمست: "وهناك يا ولدي، لا تصدّق عينيك، كما لم تصدّق أذنيك هنا."

في الصباح ودّعه سليم بطرقةٍ أخيرة على القدر، وسار فارس على ظهر وفيّة حتى انتهت الرمال. وفجأة ارتعش القنديل، وخرج منه صوت نادرة ضعيفًا كأنه آتٍ من بئرٍ عميقة: "يا صاحب الألغاز… شيءٌ يُريك وجهك ولا يعرفك… احذره." ثم سكت.

همس القنديل بصوت نادرة: احذر من يُريك وجهك. ألف صورة رفعت يدها… إلا واحدة ابتسمت ببرود.
همس القنديل بصوت نادرة: احذر من يُريك وجهك. ألف صورة رفعت يدها… إلا واحدة ابتسمت ببرود.

رفع فارس رأسه، فرأى أمامه بحرًا يلمع كألف شمس: بحرٌ من المرايا، وفي كل مرآة فارسٌ رماديّ اللحية يحمل قنديلًا ويحدّق فيه. رفع فارس يده، فرفعت الصور كلها أيديها… كلها إلا صورةً واحدة بقيت ساكنة، ثم ابتسمت له ابتسامةً باردة، مع أن فارس نفسه لم يبتسم.

وقف فارس على حافة بحر المرايا، ورفع يده فرفعت ألف صورة أيديها معه… كلها إلا واحدة بقيت ساكنة ثم ابتسمت له ببرود، مع أنه لم يبتسم. فمن صاحب هذه الصورة؟ وهل كانت نادرة تحذّره منها؟

أبطال الحكاية

أبطال الشاطر فارس وست الحسن نادرة: حكاية القنديلين: نادره، فارس
فارس

فارس

الشاطر فارس، صانع قناديل نحاسية بسيط في آخر سوق النحّاسين، يلقّبه أهل السوق بالشاطر لأنه لا يعجز عن حل أي مشكلة.

حكيم، خفيف الظل، متواضع، صبور، يحل المشاكل بعقله لا بسيفه، طيب القلب ولا يطمع في ذهب ولا جاه، ويحب الألغاز وحكايات جدّته.

نادره

نادره

الأميرة نادرة، ابنة سلطان مدينة نور الصباح، يلقّبها الناس "ست الحسن والجمال"، وهي في الحقيقة صاحبة أذكى عقل في المدينة.

ذكية، مرحة، تعشق الألغاز والكتب والنجوم، شجاعة لا تستسلم، تملّ من المديح الفارغ وتؤمن أن الجمال الحقيقي في العقل والقلب. حتى وهي أسيرة تخطط وتقاوم بحيلتها.