الشاطر فارس وست الحسن نادرة: حكاية القنديلين — أميرة في قصر الزجاج
auto_stories الشاطر فارس وست الحسن نادرة: حكاية القنديلين الفصل الثالث

أميرة في قصر الزجاج

في قصرٍ لا تدخله الشمس، كانت هناك فتاةٌ واحدة ترفض أن تنطفئ.

menu_book اقرأ الفصل · 4 دقائق

headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق

الفصل الثالث: أميرة في قصر الزجاج

في قصرٍ لا تدخله الشمس، كانت هناك فتاةٌ واحدة ترفض أن تنطفئ.

استيقظت نادرة في قصرٍ لا تدخله الشمس. لكن في كمّها نورٌ صغير لم ينطفئ.
استيقظت نادرة في قصرٍ لا تدخله الشمس. لكن في كمّها نورٌ صغير لم ينطفئ.

استيقظت نادرة على برد. كانت الجدران حولها من زجاجٍ أسود لامع، يغطي حوافَّها صقيعٌ أبيض، والسقف عالٍ جدًّا لا يُرى آخره. لم يكن في المكان شبّاكٌ واحد، ولا شمعة، ولا صوتٌ غير طقطقة الجليد. تحسّست كمّها، فوجدت قنديلها الصغير ما زال مخبّأً هناك، دافئًا كعصفورٍ نائم. تنفّست بارتياح وقالت لنفسها: "ما دام النور معي، فأنا لستُ أسيرة تمامًا."

انفتح الباب بلا صوت، ودخل زمهرير. كان طويلًا نحيلًا، عباءته من الصقيع، ولحيته تتدلّى منها قطراتُ ثلجٍ كالإبر، وعيناه زرقاوان باردتان كماء بئرٍ في الشتاء. صفّق بيديه، فانفتحت الجدران عن صناديق تفيض بالياقوت والزمرد، وعن حديقةٍ أزهارها من زجاجٍ ملوّن، وعن تاجٍ من الماس الأسود.

عرض عليها زمهرير الياقوت والتاج الأسود. قالت: أزهارك لا تُشمّ، وتاجك لا يضيء.
عرض عليها زمهرير الياقوت والتاج الأسود. قالت: أزهارك لا تُشمّ، وتاجك لا يضيء.

قال بصوته الغليظ: "كلّ هذا لكِ يا ست الحسن، إن قبلتِ أن تكوني ملكةَ قصري."

نظرت نادرة إلى الأزهار الزجاجية وقالت: "أزهارك جميلة، لكنها لا تُشمّ. وتاجك لامع، لكنه لا يضيء. أنا أحب الأشياء التي تعيش." ثم ابتسمت وأضافت: "عندي لك لغز يا زمهرير: شيءٌ إذا أعطيتَه للناس زاد عندك ولم ينقص. فما هو؟"

شيءٌ إذا أعطيتَه زاد ولم ينقص! غضب الساحر، لأنه لا يعرف إلا الأخذ.
شيءٌ إذا أعطيتَه زاد ولم ينقص! غضب الساحر، لأنه لا يعرف إلا الأخذ.

عبس الساحر وفكّر طويلًا، وحكّ لحيته المثلّجة حتى تساقط منها الثلج. ثم صاح: "لا يوجد شيءٌ كهذا! كلُّ ما يُعطى ينقص!"

قالت نادرة بهدوء: "النور يا زمهرير. أشعِلْ من قنديلك ألف قنديل، يبقَ قنديلك مضيئًا كما هو. لهذا لن تفهمه أبدًا… لأنك لا تعرف إلا الأخذ."

صورتها في الزجاج تتأخر عنها خطوة. كأن أحدًا يراقبها من داخل الجدران.
صورتها في الزجاج تتأخر عنها خطوة. كأن أحدًا يراقبها من داخل الجدران.

اهتزّت الجدران من غضبه، وزحف الصقيع على الأرض نحو قدميها. قال: "إن لم تقبلي، جمّدتُ نور الصباح كلّها، ونهرها، وأهلها، إلى الأبد!" لكن نادرة وقفت ثابتة وقالت: "التهديد ليس جوابًا عن لغز." فخرج وهو يضرب الباب، فتشقّق الزجاج خلفه شقًّا صغيرًا.

في تلك الليلة لم تنم نادرة. أخرجت القنديل تحت عباءتها، فأضاء ضوءًا خافتًا لا يُرى من بعيد، ومشت في ممرات القصر على أطراف أصابعها. لاحظت شيئًا غريبًا: صورتها في الجدران السوداء تتأخّر عنها خطوة، كأن أحدًا يراقبها من داخل الزجاج. تذكّرت قول أبيها: "إذا أردتِ أن تعرفي سرّ أحد، فانظري أين يذهب حين يظن أن لا أحد يراه."

سبع مرايا تشرب نور القناديل المسروقة. وفي السابعة… رأت فارس!
سبع مرايا تشرب نور القناديل المسروقة. وفي السابعة… رأت فارس!

تتبّعت صوت أقدام زمهرير حتى وصلت إلى قاعةٍ مستديرة. وفي وسطها عرشٌ أسود، وحوله سبع مرايا عملاقة في سبعة إطاراتٍ فضية. ورأت أمرًا عجيبًا: من كل مرآة يخرج خيطٌ رفيعٌ من ضوءٍ ذهبي، يلتفّ حول الساحر الجالس على العرش، فيزداد طولًا وبردًا وقوة. إنه نور القناديل المسروقة!

وكانت كل مرآة تُري مكانًا مختلفًا. الأولى تُري نور الصباح مظلمةً حزينة. والثانية تُري بحر الرمال الهامسة. والثالثة تُري بحر الريح يعصف. أما السابعة، فرأت فيها نادرة رجلًا رماديّ اللحية يقف على حافة بحرٍ من المرايا، ومعه ناقةٌ بيضاء وقنديلٌ صغير. كاد قلبها يقفز من صدرها: "فارس!"

المرايا ترتجف أمام نور القلب الصادق. هذا هو السرّ الذي يخفيه زمهرير!
المرايا ترتجف أمام نور القلب الصادق. هذا هو السرّ الذي يخفيه زمهرير!

مدّ زمهرير إصبعه الباردة نحو المرآة السابعة، فابتسمت إحدى صور فارس هناك ابتسامةً باردة. ضحك الساحر وقال: "تعالَ يا صانع القناديل، صدِّق صورتك، واتبعها إلى قاع البحر." فهمت نادرة: المرآة السابعة عينُ زمهرير، والصورة التي تبتسم وحدها فخٌّ له.

ولما خرج الساحر، اقتربت نادرة بحذر، ومسّت بضوء قنديلها طرف المرآة الأولى. فارتجفت المرآة كأنها لُسعت، وظهر في زاويتها خدشٌ دقيق. همست بدهشة: "المرايا تأكل النور المسروق… لكنها لا تحتمل نور القلب الصادق!"

أرسلت أسرار القصر في صورة ألغاز. ضحك الساحر… ثم سكتت ضحكته فجأة.
أرسلت أسرار القصر في صورة ألغاز. ضحك الساحر… ثم سكتت ضحكته فجأة.

رجعت إلى غرفتها مسرعة. كانت تعرف أن زمهرير يسمع ما يقوله القنديل، فقد سمعته يهدّد فارس من خلاله ليلةَ خطفها. فإن قالت السرّ صريحًا، عرفه الساحر. ابتسمت وقالت لنفسها: "إذن سأكلّمه بلغةٍ لا يفهمها إلا صاحب الألغاز."

قرّبت القنديل من شفتيها وهمست: "يا صاحب الألغاز… تذكّر الحفرة: كلما أخذ من نورنا كبُر. وله سبعة وجوه ولا قلب له." ثم سكتت لحظة وأكملت: "وتذكّر المشط: الصورة التي ابتسمت لك لها أسنان، لكنها لا تعضّ إلا من صدّقها. اطرقها كما تطرق في دكّانك." ثم قالت أخيرًا: "والشيء الذي يزيد إذا أعطيته… هو مفتاح كل شيء."

فهم فارس الألغاز: سبعة وجوه بلا قلب. طِك… طِك… طِك! فانشقّت الصورة الكاذبة.
فهم فارس الألغاز: سبعة وجوه بلا قلب. طِك… طِك… طِك! فانشقّت الصورة الكاذبة.

وفي قاعة المرايا، سمع زمهرير الهمس يخرج من الجدران. ضحك أولًا: "حفرة؟ مشط؟ هذيان أميرةٍ خائفة!" لكن الضحكة سكنت فجأة، وضاقت عيناه الزرقاوان. ولأول مرة منذ مئة عام، شعر الساحر بشيءٍ يشبه القلق.

على حافة بحر المرايا، أضاء قنديل فارس، وسمع الصوت الذي ينتظره. أغمض عينيه وأعاد الألغاز في رأسه، ثم ابتسم: "الحفرة… شيءٌ يكبر كلما أخذ. إذن هو يكبر بنورنا المسروق. سبعة وجوه بلا قلب… سبع مرايا! والصورة التي ابتسمت ليست صورتي." ربّت على عنق وفيّة وقال: "أنتِ لا تصدّقين أذنيك، وأنا لن أصدّق عينيّ."

صرخ زمهرير: أنتِ أخبرتِه! وخرجت صور فارس الباردة من مراياها.
صرخ زمهرير: أنتِ أخبرتِه! وخرجت صور فارس الباردة من مراياها.

مشى نحو الصورة الساكنة الباردة، ورفع مطرقته النحاسية، وطرقها: طِك… طِك… طِك. فرنّت المرآة رنينًا أجوف، وانشقّت شقًّا طويلًا، ومن خلف الشق ظهرت عينٌ زرقاء هائلة تحدّق فيه.

وفي اللحظة نفسها، في قصر الزجاج الأسود، انشقّت المرآة السابعة بصوتٍ كالرعد. وقف زمهرير، وتجمّد كل شيءٍ في القاعة، والتفت نحو غرفة نادرة وصرخ: "أنتِ أخبرتِه!" وعلى حافة بحر المرايا، بدأت صور فارس كلها تبتسم ابتسامةً باردة… ثم خطت أول خطوةٍ خارج مراياها.

انشقّت المرآة السابعة، وعرف زمهرير أن نادرة كشفت سرّه، فاندفع غاضبًا نحو غرفتها… وعلى حافة بحر المرايا، خرجت صور فارس الباردة من مراياها وتقدّمت نحوه. فكيف ينجو صانع القناديل من ألف نسخةٍ من نفسه؟ وماذا سيفعل الساحر بالأميرة؟

أبطال الحكاية

أبطال الشاطر فارس وست الحسن نادرة: حكاية القنديلين: نادره، فارس
فارس

فارس

الشاطر فارس، صانع قناديل نحاسية بسيط في آخر سوق النحّاسين، يلقّبه أهل السوق بالشاطر لأنه لا يعجز عن حل أي مشكلة.

حكيم، خفيف الظل، متواضع، صبور، يحل المشاكل بعقله لا بسيفه، طيب القلب ولا يطمع في ذهب ولا جاه، ويحب الألغاز وحكايات جدّته.

نادره

نادره

الأميرة نادرة، ابنة سلطان مدينة نور الصباح، يلقّبها الناس "ست الحسن والجمال"، وهي في الحقيقة صاحبة أذكى عقل في المدينة.

ذكية، مرحة، تعشق الألغاز والكتب والنجوم، شجاعة لا تستسلم، تملّ من المديح الفارغ وتؤمن أن الجمال الحقيقي في العقل والقلب. حتى وهي أسيرة تخطط وتقاوم بحيلتها.