أميرة في قصر الزجاج
في قصرٍ لا تدخله الشمس، كانت هناك فتاةٌ واحدة ترفض أن تنطفئ.
headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق
الفصل الثالث: أميرة في قصر الزجاج
في قصرٍ لا تدخله الشمس، كانت هناك فتاةٌ واحدة ترفض أن تنطفئ.
استيقظت نادرة على برد. كانت الجدران حولها من زجاجٍ أسود لامع، يغطي حوافَّها صقيعٌ أبيض، والسقف عالٍ جدًّا لا يُرى آخره. لم يكن في المكان شبّاكٌ واحد، ولا شمعة، ولا صوتٌ غير طقطقة الجليد. تحسّست كمّها، فوجدت قنديلها الصغير ما زال مخبّأً هناك، دافئًا كعصفورٍ نائم. تنفّست بارتياح وقالت لنفسها: "ما دام النور معي، فأنا لستُ أسيرة تمامًا."
انفتح الباب بلا صوت، ودخل زمهرير. كان طويلًا نحيلًا، عباءته من الصقيع، ولحيته تتدلّى منها قطراتُ ثلجٍ كالإبر، وعيناه زرقاوان باردتان كماء بئرٍ في الشتاء. صفّق بيديه، فانفتحت الجدران عن صناديق تفيض بالياقوت والزمرد، وعن حديقةٍ أزهارها من زجاجٍ ملوّن، وعن تاجٍ من الماس الأسود.
قال بصوته الغليظ: "كلّ هذا لكِ يا ست الحسن، إن قبلتِ أن تكوني ملكةَ قصري."
نظرت نادرة إلى الأزهار الزجاجية وقالت: "أزهارك جميلة، لكنها لا تُشمّ. وتاجك لامع، لكنه لا يضيء. أنا أحب الأشياء التي تعيش." ثم ابتسمت وأضافت: "عندي لك لغز يا زمهرير: شيءٌ إذا أعطيتَه للناس زاد عندك ولم ينقص. فما هو؟"
عبس الساحر وفكّر طويلًا، وحكّ لحيته المثلّجة حتى تساقط منها الثلج. ثم صاح: "لا يوجد شيءٌ كهذا! كلُّ ما يُعطى ينقص!"
قالت نادرة بهدوء: "النور يا زمهرير. أشعِلْ من قنديلك ألف قنديل، يبقَ قنديلك مضيئًا كما هو. لهذا لن تفهمه أبدًا… لأنك لا تعرف إلا الأخذ."
اهتزّت الجدران من غضبه، وزحف الصقيع على الأرض نحو قدميها. قال: "إن لم تقبلي، جمّدتُ نور الصباح كلّها، ونهرها، وأهلها، إلى الأبد!" لكن نادرة وقفت ثابتة وقالت: "التهديد ليس جوابًا عن لغز." فخرج وهو يضرب الباب، فتشقّق الزجاج خلفه شقًّا صغيرًا.
في تلك الليلة لم تنم نادرة. أخرجت القنديل تحت عباءتها، فأضاء ضوءًا خافتًا لا يُرى من بعيد، ومشت في ممرات القصر على أطراف أصابعها. لاحظت شيئًا غريبًا: صورتها في الجدران السوداء تتأخّر عنها خطوة، كأن أحدًا يراقبها من داخل الزجاج. تذكّرت قول أبيها: "إذا أردتِ أن تعرفي سرّ أحد، فانظري أين يذهب حين يظن أن لا أحد يراه."
تتبّعت صوت أقدام زمهرير حتى وصلت إلى قاعةٍ مستديرة. وفي وسطها عرشٌ أسود، وحوله سبع مرايا عملاقة في سبعة إطاراتٍ فضية. ورأت أمرًا عجيبًا: من كل مرآة يخرج خيطٌ رفيعٌ من ضوءٍ ذهبي، يلتفّ حول الساحر الجالس على العرش، فيزداد طولًا وبردًا وقوة. إنه نور القناديل المسروقة!
وكانت كل مرآة تُري مكانًا مختلفًا. الأولى تُري نور الصباح مظلمةً حزينة. والثانية تُري بحر الرمال الهامسة. والثالثة تُري بحر الريح يعصف. أما السابعة، فرأت فيها نادرة رجلًا رماديّ اللحية يقف على حافة بحرٍ من المرايا، ومعه ناقةٌ بيضاء وقنديلٌ صغير. كاد قلبها يقفز من صدرها: "فارس!"
مدّ زمهرير إصبعه الباردة نحو المرآة السابعة، فابتسمت إحدى صور فارس هناك ابتسامةً باردة. ضحك الساحر وقال: "تعالَ يا صانع القناديل، صدِّق صورتك، واتبعها إلى قاع البحر." فهمت نادرة: المرآة السابعة عينُ زمهرير، والصورة التي تبتسم وحدها فخٌّ له.
ولما خرج الساحر، اقتربت نادرة بحذر، ومسّت بضوء قنديلها طرف المرآة الأولى. فارتجفت المرآة كأنها لُسعت، وظهر في زاويتها خدشٌ دقيق. همست بدهشة: "المرايا تأكل النور المسروق… لكنها لا تحتمل نور القلب الصادق!"
رجعت إلى غرفتها مسرعة. كانت تعرف أن زمهرير يسمع ما يقوله القنديل، فقد سمعته يهدّد فارس من خلاله ليلةَ خطفها. فإن قالت السرّ صريحًا، عرفه الساحر. ابتسمت وقالت لنفسها: "إذن سأكلّمه بلغةٍ لا يفهمها إلا صاحب الألغاز."
قرّبت القنديل من شفتيها وهمست: "يا صاحب الألغاز… تذكّر الحفرة: كلما أخذ من نورنا كبُر. وله سبعة وجوه ولا قلب له." ثم سكتت لحظة وأكملت: "وتذكّر المشط: الصورة التي ابتسمت لك لها أسنان، لكنها لا تعضّ إلا من صدّقها. اطرقها كما تطرق في دكّانك." ثم قالت أخيرًا: "والشيء الذي يزيد إذا أعطيته… هو مفتاح كل شيء."
وفي قاعة المرايا، سمع زمهرير الهمس يخرج من الجدران. ضحك أولًا: "حفرة؟ مشط؟ هذيان أميرةٍ خائفة!" لكن الضحكة سكنت فجأة، وضاقت عيناه الزرقاوان. ولأول مرة منذ مئة عام، شعر الساحر بشيءٍ يشبه القلق.
على حافة بحر المرايا، أضاء قنديل فارس، وسمع الصوت الذي ينتظره. أغمض عينيه وأعاد الألغاز في رأسه، ثم ابتسم: "الحفرة… شيءٌ يكبر كلما أخذ. إذن هو يكبر بنورنا المسروق. سبعة وجوه بلا قلب… سبع مرايا! والصورة التي ابتسمت ليست صورتي." ربّت على عنق وفيّة وقال: "أنتِ لا تصدّقين أذنيك، وأنا لن أصدّق عينيّ."
مشى نحو الصورة الساكنة الباردة، ورفع مطرقته النحاسية، وطرقها: طِك… طِك… طِك. فرنّت المرآة رنينًا أجوف، وانشقّت شقًّا طويلًا، ومن خلف الشق ظهرت عينٌ زرقاء هائلة تحدّق فيه.
وفي اللحظة نفسها، في قصر الزجاج الأسود، انشقّت المرآة السابعة بصوتٍ كالرعد. وقف زمهرير، وتجمّد كل شيءٍ في القاعة، والتفت نحو غرفة نادرة وصرخ: "أنتِ أخبرتِه!" وعلى حافة بحر المرايا، بدأت صور فارس كلها تبتسم ابتسامةً باردة… ثم خطت أول خطوةٍ خارج مراياها.
في قصر عمر الشمس ما دخلته، كان فيه بنت واحدة بس رافضة تنطفي.
في قصر عمر الشمس ما دخلته، كان فيه بنت واحدة بس رافضة تنطفي.
نادرة صحيت على برد. الحيطان اللي حواليها كانت إزاز أسود بيلمع، وعلى أطرافها صقيع أبيض. والسقف عالي قوي، ما تشوفش آخره. المكان ما كانش فيه ولا شباك واحد، ولا شمعة، ولا أي صوت غير طقطقة التلج. حسّست على كُمّها، لقت قنديلها الصغير لسه مستخبي هناك، دافي زي عصفورة نايمة. خدت نفسها وارتاحت، وقالت لنفسها: "طول ما النور معايا، يبقى أنا مش محبوسة على الآخر."
الباب اتفتح من غير ولا صوت، ودخل زمهرير. كان طويل ورفيع، وعباءته من الصقيع. ودقنه نازل منها نقط تلج زي الإبر، وعينيه زرق وباردين زي مية البير في الشتا. سقّف بإيديه، فالحيطان اتفتحت، وبان وراها صناديق مليانة ياقوت وزمرد لحد ما بتفيض، وجنينة وردها من إزاز ملوّن، وتاج من الألماظ الأسود.
قال بصوته التخين: "ده كله ليكي يا ست الحسن، لو رضيتي تبقي ملكة قصري."
نادرة بصّت على الورد الإزاز وقالت: "وردك حلو، بس ما بيتشمّش. وتاجك بيلمع، بس ما بينوّرش. أنا بحب الحاجات اللي بتعيش." وبعدين ابتسمت وزوّدت: "عندي لك فزورة يا زمهرير: حاجة لما تديها للناس تزيد عندك وما تنقصش. تبقى إيه؟"
الساحر كشّر وفضل يفكر كتير، وهرش في دقنه المتلّجة لحد ما التلج وقع منها. وبعدين زعق: "مافيش حاجة كده! كل حاجة بتتدّي بتنقص!"
نادرة قالت بهدوء: "النور يا زمهرير. ولّع من قنديلك ألف قنديل، وقنديلك هيفضل منوّر زي ما هو. علشان كده عمرك ما هتفهمه… لأنك ما تعرفش غير الأخد."
الحيطان اتهزّت من غضبه، والصقيع زحف على الأرض ناحية رجليها. قال: "لو ما وافقتيش، هجمّد نور الصباح كلها، ونهرها، وأهلها، للأبد!" بس نادرة فضلت واقفة ثابتة وقالت: "التهديد مش إجابة على فزورة." فخرج وهو بيرزع الباب، فالإزاز اتشرخ وراه شرخ صغير.
الليلة دي نادرة ما نامتش. طلّعت القنديل تحت عباءتها، فنوّر نور خفيف ما يبانش من بعيد. ومشيت في طرقات القصر على أطراف صوابعها. خدت بالها من حاجة غريبة: صورتها في الحيطان السودا بتتأخر عنها خطوة، كأن حد بيراقبها من جوه الإزاز. افتكرت كلام أبوها: "لو عايزة تعرفي سر حد، بصّي هو بيروح فين لما يفتكر إن محدش شايفه."
مشيت ورا صوت رجلين زمهرير لحد ما وصلت لقاعة مدوّرة. وفي نصها عرش أسود، وحواليه سبع مرايات عملاقة في سبع براويز فضة. وشافت حاجة عجيبة: من كل مراية طالع خيط رفيع من نور دهبي، بيلفّ حوالين الساحر القاعد على العرش، فيزيد طول وبرد وقوة. ده نور القناديل المسروقة!
وكل مراية كانت بتورّي مكان مختلف. الأولى بتورّي نور الصباح ضلمة وحزينة. والتانية بتورّي بحر الرمال الهامسة. والتالتة بتورّي بحر الريح وهو بيعصف. أما السابعة، فنادرة شافت فيها راجل دقنه رمادي، واقف على حافة بحر من المرايات، ومعاه ناقة بيضا وقنديل صغير. قلبها كان هيقفز من صدرها: "فارس!"
زمهرير مدّ صباعه الساقع ناحية المراية السابعة، فصورة من صور فارس هناك ابتسمت ابتسامة باردة. الساحر ضحك وقال: "تعالى يا صانع القناديل، صدّق صورتك، وامشي وراها لحد قاع البحر." نادرة فهمت: المراية السابعة دي عين زمهرير، والصورة اللي بتبتسم لوحدها دي فخ ليه.
ولما الساحر خرج، نادرة قرّبت بحرص، ولمست بنور قنديلها طرف المراية الأولى. المراية اترعشت كأن حاجة لسعتها، وبان في ركنها خربوش رفيع. وشوشت وهي مندهشة: "المرايات بتاكل النور المسروق… بس ما تستحملش نور القلب الصادق!"
رجعت أوضتها بسرعة. كانت عارفة إن زمهرير بيسمع اللي بيقوله القنديل، أصلها سمعته وهو بيهدد فارس من خلاله ليلة ما خطفها. يعني لو قالت السر على بلاطة، الساحر هيعرفه. ابتسمت وقالت لنفسها: "يبقى هكلمه بلغة ما يفهمهاش غير صاحب الفوازير."
قرّبت القنديل من شفايفها ووشوشت: "يا صاحب الفوازير… افتكر الحفرة: كل ما ياخد من نورنا يكبر. وليه سبع وشوش وماليهوش قلب." وبعدين سكتت لحظة وكمّلت: "وافتكر المشط: الصورة اللي ابتسمتلك ليها سنان، بس ما بتعضّش غير اللي يصدّقها. اطرقها زي ما بتطرق في دكانك." وفي الآخر قالت: "والحاجة اللي بتزيد لما تديها… هي مفتاح كل حاجة."
وفي قاعة المرايات، زمهرير سمع الوشوشة طالعة من الحيطان. ضحك الأول: "حفرة؟ مشط؟ تخريف أميرة خايفة!" بس الضحكة سكتت فجأة، وعينيه الزرق ضاقت. ولأول مرة من مية سنة، الساحر حسّ بحاجة شبه القلق.
على حافة بحر المرايات، قنديل فارس نوّر، وسمع الصوت اللي كان مستنيه. غمّض عينيه وعاد الفوازير في دماغه، وبعدين ابتسم: "الحفرة… حاجة بتكبر كل ما تاخد. يبقى هو بيكبر بنورنا المسروق. سبع وشوش من غير قلب… سبع مرايات! والصورة اللي ابتسمت دي مش صورتي." طبطب على رقبة وفيّة وقال: "إنتي ما بتصدقيش ودانك، وأنا مش هصدق عينيّا."
مشي ناحية الصورة الساكتة الباردة، ورفع شاكوشه النحاس، وطرق عليها: طِك… طِك… طِك. المراية رنّت رنة فاضية، واتشرخت شرخ طويل. ومن ورا الشرخ بانت عين زرقا ضخمة بتبحلق فيه.
وفي نفس اللحظة، في قصر الإزاز الأسود، المراية السابعة اتشرخت بصوت زي الرعد. زمهرير وقف، وكل حاجة في القاعة اتجمدت. لفّ ناحية أوضة نادرة وزعق: "إنتي قولتيله!" وعلى حافة بحر المرايات، صور فارس كلها ابتدت تبتسم ابتسامة باردة… وبعدين خطت أول خطوة برّه مراياتها.
أبطال الحكاية