القنديل الذي تكلّم
في مدينةٍ تضيئها ألفُ قنديل، كان هناك قنديلٌ صغيرٌ واحد ينتظر منذ مئة عام أن يتكلّم.
headphones استمع للحكاية كاملة · 6 دقائق
الفصل الأول: القنديل الذي تكلّم
في زمنٍ بعيد، على ضفاف نهرٍ أزرق يلمع كالفضة، كانت هناك مدينةٌ اسمها "نور الصباح". بيوتها بيضاء، وأبوابها خضراء، وفي كل شارعٍ قنديلٌ نحاسيٌّ يضيء الليل كأنه نجمةٌ نزلت من السماء لتسهر مع الناس.
وفي آخر سوق النحّاسين، كان هناك دكّانٌ صغيرٌ يخرج منه صوت طَرْقٍ خفيف لا يتوقف: طِك… طِك… طِك. صاحبه رجلٌ رماديّ اللحية، واسع الابتسامة، اسمه فارس. لم يكن غنيًّا ولا أميرًا، لكن أهل السوق كانوا يلقّبونه "الشاطر فارس"، لأنه لم يعجز يومًا عن حلّ مشكلة.
إذا تعطّل ميزان العطّار، أصلحه فارس بمطرقته النحاسية الصغيرة. وإذا ضاعت عنزة بائعة اللبن، وجدها فارس فوق سطح الفرّان! وإذا تخاصم جاران على شجرة تينٍ تتدلّى أغصانها فوق السور، قسم فارس التين بينهما بحكمةٍ جعلتهما يضحكان ويتصالحان ويتقاسمان الفطور.
وفي أعلى المدينة، فوق التلّ، كان قصر السلطان يلمع بقبابه الذهبية. وفيه تعيش الأميرة نادرة، التي يسمّيها الناس "ست الحسن والجمال". لكن نادرة كانت تعرف سرًّا صغيرًا: أن الجمال الحقيقي لا يسكن الوجه، بل يسكن العقل والقلب.
كانت نادرة تحب الكتب والنجوم والألغاز، وتملّ من الحفلات الطويلة، ومن الأمراء الذين يأتون من كل بلد ليمدحوا عينيها ثم لا يجدون كلمةً أخرى يقولونها. وفي صباحٍ مشمس، لبست عباءةً بسيطةً بلون الرمل، وأسدلت غطاءها على رأسها، وتسلّلت من باب الحديقة الخلفي لتزور السوق كأي فتاةٍ من الناس.
مشت بين أكوام البرتقال، وأكياس القرفة والكمّون، وأصوات الباعة تتعالى من كل جانب. حتى وصلت إلى دكّان فارس، فتوقفت أمام رفٍّ عليه قنديلٌ صغيرٌ عجيب، نُقشت عليه نجومٌ وهلالٌ وكلماتٌ دقيقة لا تكاد تُقرأ.
سألت: "بكم هذا القنديل؟"
رفع فارس عينيه من عمله وابتسم: "هذا لا يُباع بالدنانير يا سيدتي."
"فبماذا يُباع إذن؟"
"بجواب لغز."
ضحكت نادرة، فالألغاز لعبتها المفضلة. قال فارس وهو يمسح يديه في مريلته الجلدية: "شيءٌ كلما أخذتَ منه كَبُر. فما هو؟"
فكّرت لحظة، ثم لمعت عيناها: "الحفرة!"
صفّق فارس بإعجاب: "عشرون عامًا أسأل هذا اللغز، وأول مرة يجيبني أحدٌ بهذه السرعة!"
قالت نادرة بمكر: "والآن دوري. شيءٌ له أسنان ولا يعضّ؟"
حكّ فارس لحيته الرمادية، ونظر حوله في الدكّان، ثم أخرج من جيبه مشطًا خشبيًا صغيرًا ورفعه عاليًا: "المشط!" ضحك الاثنان حتى التفت إليهما بائع الفول المجاور وهزّ رأسه قائلًا: "ألغاز من الصبح؟ والفول يبرد يا ناس!"
أنزل فارس القنديل عن الرف بعناية وقال: "صنعت جدّتي هذا القنديل وأخاه التوأم الذي هناك. كانت تقول إنهما لا يضيئان إلا في يدِ قلبٍ صادق. ولم يضئ أيٌّ منهما في يدي قط… ربما يضيء في يدك."
وما إن لمسته نادرة، حتى توهّج من داخله نورٌ ذهبيٌّ دافئ، رغم أنه بلا زيتٍ ولا فتيل! تراقص الضوء على جدران الدكّان النحاسية، فبدا المكان كأنه كنزٌ في مغارة.
نظر فارس إليها مذهولًا: "من أنتِ؟"
ابتسمت نادرة ولم تجب. ضمّت القنديل تحت عباءتها واختفت بين الزحام. لكن الريح رفعت طرف العباءة لحظة، فلمح فارس قلادةً ذهبيةً على صدرها، فيها حجرٌ كهرمانيٌّ محفورٌ عليه ختم السلطان. همس لنفسه: "الأميرة نادرة؟! في دكّاني أنا؟"
وفي المساء، اكتمل القمر، وجاء عيد القناديل. رفع أهل المدينة قناديلهم فوق الأسطح والشرفات، فصارت "نور الصباح" كأنها سماءٌ ثانية مليئة بالنجوم. ووقفت نادرة على شرفة القصر تحمل قنديلها الصغير، تبتسم وهي تتذكر صانع القناديل صاحب الألغاز.
وفجأة، هبّت ريحٌ باردة. انطفأ قنديلٌ… ثم آخر… ثم صارت القناديل تنطفئ واحدًا بعد واحد، كأن يدًا خفيّة تمرّ عليها. ومن ناحية جبل الضباب، زحفت سحابةٌ بنفسجيةٌ ضخمة، تلمع في داخلها البروق.
ودوّى صوتٌ غليظٌ من قلب السحابة: "أنا زمهرير، سيّد جبل الضباب! طلبتُ يدكِ يا نادرة فرفضتِ، والليلة تأتين معي إلى قصري خلف البحور السبعة!"
وقفت نادرة ثابتة رغم ارتجاف قلبها، وقالت بصوتٍ عالٍ: "القلوب لا تُؤخذ بالقوة يا زمهرير، والنور لا يُسجن طويلًا!" لكن السحابة التفّت حولها كالأفعى، فضمّت قنديلها إلى صدرها بكل قوتها… واختفت في الظلام.
في آخر السوق، كان فارس واقفًا على سطح دكّانه حين رأى السحابة البنفسجية تطير فوق المدينة نحو الجبال، وسمع صرخةً بعيدة. ثم ساد ظلامٌ تام، فلم يبقَ في نور الصباح قنديلٌ واحدٌ مضيء.
نزل فارس إلى دكّانه وجلس في العتمة، يفكّر ويفكّر. لم يكن فارسًا بسيف، ولا أميرًا بجيش. كان مجرد صانع قناديل. لكنه تذكّر ضحكة الأميرة، وجوابها السريع، والنور الذي خرج من يدها. وقال لنفسه: "الشاطر لا يجلس في الظلام يبكي… الشاطر يبحث عن الشمعة."
مدّ يده إلى الرف، وأنزل القنديل التوأم المغطّى بالغبار. نفخ عليه، فتطاير الغبار في الهواء. وفجأة، ارتعش القنديل بين يديه، ثم أضاء بنورٍ ذهبيٍّ خافت، وخرج منه صوتٌ يعرفه جيدًا، صوتٌ يرتجف لكنه شجاع: "يا صاحب الألغاز… هل تسمعني؟ أنا نادرة… وأنا في مكانٍ لا تصله الشمس."
قرّب فارس القنديل من وجهه، وقلبه يدقّ كالطبل: "أسمعكِ يا أميرة! أين أنتِ؟"
لكن قبل أن تجيب، انخفض النور فجأة، وخرج من القنديل صوتٌ آخر… غليظٌ وباردٌ كالثلج: "من يأتِ ليأخذها يا صانع القناديل… لن يعود أبدًا." ثم انطفأ القنديل، وعاد الظلام.
أبطال الحكاية