كل مرة تكتب فيها رقمك السري على ماكينة صراف آلي، يتحول الرقم فوراً إلى شفرة لا يقرؤها أحد، ولا حتى موظف البنك. أساس هذه الحماية جهاز طرحه المهندس المصري محمد محمد عطا الله، ابن بورسعيد، في الأسواق عام 1973. اسمه التجاري كان Identikey، وعرفه الناس باسم «صندوق أتالا» (Atalla Box)، وهو أول وحدة أمان مادية (HSM) في التاريخ.
لم يأتِ الرجل إلى البنوك من عالم المال. قبلها بأربعة عشر عاماً شارك في اختراع ترانزستور MOSFET داخل مختبرات بيل الأمريكية، وهو الترانزستور الذي تصفه جامعة بيردو بأنه «الجهاز الأكثر تصنيعاً في التاريخ». بعد ذلك ترك أشباه الموصلات واتجه إلى سؤال مختلف تماماً: كيف يتأكد البنك من هويتك من غير أن يعرف أحد رقمك؟
اليوم، الاثنين 19 أكتوبر 2026، مرّ أكثر من نصف قرن على طرح الصندوق. تغيّرت الأجهزة كثيراً منذ ذلك الوقت، لكن الفكرة التي وضعها عطا الله ما زالت تعمل في الماكينة التي تسحب منها راتبك: الرقم السري يُشفَّر من لحظة كتابته، ولا يُفتح إلا داخل صندوق محصّن.
ما هو «صندوق أتالا» وماذا فعل بالضبط؟
صندوق أتالا جهاز تشفير مستقل يأخذ الرقم السري الذي يكتبه العميل ويحوّله إلى رمز مختلف قبل أن يغادر الجهاز. بهذه الطريقة يتحقق البنك من صاحب البطاقة من غير أن يرى أي إنسان الرقم الأصلي. وطُرح الصندوق تجارياً عام 1973 باسم Identikey.
جمع الجهاز بين قارئ للبطاقات ولوحة صغيرة يكتب عليها العميل رقمه. داخل الصندوق معالج دقيق يحوّل الرقم إلى رمز آخر، وهذا الرمز وحده هو ما يصل إلى موظف البنك. يتعامل الموظف إذن مع نتيجة التحقق فقط، أما الرقم نفسه فلا يراه أبداً.
قبل ذلك كانت البنوك تعتمد على دفاتر الحسابات والتوقيعات ومعرفة الموظف بالعميل. أعطى الصندوق البنوك طريقة موثوقة للتحقق من الهوية عن بُعد، فساعدها على الانتقال من الدفاتر الورقية إلى البطاقات البلاستيكية. وكان عطا الله قد تقدّم عام 1972 بطلب براءة الاختراع الأمريكية رقم 3,938,091 عن نظام للتحقق من الرقم السري عن بُعد باستخدام التشفير.
ظهر التطوير الكبير التالي بعد ثلاث سنوات. أعلنت شركة أتالا في يناير 1976 عن جهاز Interchange Identikey وطرحته في مارس من العام نفسه، وأضاف الجهاز معالجة المعاملات عبر الإنترنت وأمن الشبكات. ثم قدّمت الشركة عام 1979 أول معالج لأمن الشبكات.
كيف يسافر رقمك السري من لوحة الماكينة إلى خوادم البنك؟
يُشفَّر رقمك السري داخل لوحة المفاتيح نفسها، في اللحظة التي تضغط فيها الأزرار، ثم ينتقل مشفّراً حتى يصل إلى وحدة أمان مادية لدى البنك، وهناك فقط يجري التحقق منه. لا توجد محطة في الطريق يمر فيها الرقم مكشوفاً.
المحطة الأولى هي لوحة المفاتيح المشفِّرة (PIN pad). اللوحة أكثر من مجرد أزرار، فهي جهاز تشفير قائم بذاته، يحوّل الرقم فور إدخاله إلى ما يسمى «كتلة رقم سري مشفّرة» (PIN block). وظل التشفير الثلاثي Triple DES هو الأشيع في هذه المرحلة حتى عام 2010. واللوحة مصمّمة لتدافع عن نفسها: إذا حاول أحد فتحها أو العبث بها، تمسح مكوناتها المادية وبرمجياتها مفاتيح التشفير والرقم السري تلقائياً. ويجب اعتماد هذه اللوحات وفق معايير صناعة بطاقات الدفع، ومنها المعيار الدولي ISO 9564.
بعد ذلك تسافر الكتلة المشفّرة عبر الشبكة. لو سحبت من ماكينة تابعة لبنك غير بنكك، تمر المعاملة بأكثر من خادم. هنا تقوم وحدات الأمان المادية بمهمة اسمها «ترجمة الرقم السري»: تفك الكتلة داخل الصندوق المحصّن، ثم تعيد تشفيرها بمفتاح جديد قبل إرسالها إلى خادم التفويض التالي. فك التشفير وإعادته يحدثان داخل الجهاز المغلق، ولا يخرج الرقم الصريح منه.
المحطة الأخيرة هي البنك الذي أصدر بطاقتك. وحدة الأمان المادية هناك تتولى «التحقق من الرقم السري»، فتقارن ما وصلها بالرقم المرجعي المسجّل لدى البنك، ثم ترد بنعم أو لا. ولهذا لا يُطبع الرقم السري على البطاقة ولا يُخزَّن عليها، فالشريط أو الشريحة يحملان بيانات الحساب، والتحقق يجري عادة داخل وحدة أمان مادية. هذه السلسلة هي النسخة الحديثة من الفكرة التي حملها صندوق أتالا عام 1973.

من هو محمد عطا الله ابن بورسعيد؟
محمد محمد عطا الله مهندس مصري وُلد في 4 أغسطس 1924 في بورسعيد، أيام مملكة مصر، ودرس البكالوريوس في جامعة القاهرة. ثم سافر إلى جامعة بيردو الأمريكية، وحصل منها على الماجستير عام 1947 والدكتوراه عام 1949 في الهندسة الميكانيكية.
تخصصه الأصلي لم يكن الإلكترونيات. تحوّل المهندس الميكانيكي إلى واحد من أهم باحثي أشباه الموصلات بعد التحاقه بمختبرات بيل للهاتف عام 1949، وهي المؤسسة التي خرج منها الترانزستور الأول قبل ذلك بسنوات قليلة. ومن 1956 قاد هناك فريقاً صغيراً لأبحاث الترانزستور.
عرفه زملاؤه الأمريكيون بأكثر من اسم. نادوه «مارتن» أتالا ونادوه «جون» أتالا، وظهر باسم «جون» في عرض قدّمه عام 1958. وما زالت المصادر الإنجليزية تخلط بين الأسماء الثلاثة إلى اليوم، فيبحث القارئ عن «جون أتالا» من غير أن يعرف أنه يقرأ عن مهندس من بورسعيد.
عاش عطا الله معظم حياته في الولايات المتحدة، وتوفي في 30 ديسمبر 2009 في مدينة أثرتون بولاية كاليفورنيا عن 85 عاماً. وفي العام نفسه دخل قاعة مشاهير المخترعين الوطنية الأمريكية.

كيف انتقل من اختراع ترانزستور MOSFET إلى أمن المعلومات؟
مرّ الطريق بثلاث محطات: أبحاث السيليكون في مختبرات بيل، ثم إدارة مختبرات أشباه الموصلات في هيوليت باكارد وفيرتشايلد، ثم قرار ترك المجال كله والتفرغ لأمن البيانات المصرفية مطلع السبعينيات.
في مختبرات بيل طوّر عطا الله تقنية «تخميل السطح»، وهي تغطية سطح السيليكون بطبقة من ثاني أكسيد السيليكون المنمّاة حرارياً لتثبيت خصائصه الكهربائية، ونُشرت التقنية لأول مرة عام 1957. على هذه الطبقة بنى مع زميله الكوري الأمريكي داوون كانغ ترانزستور MOSFET في نوفمبر 1959، وعرضاه لأول مرة مطلع 1960. هذا الترانزستور هو الوحدة التي تُبنى منها المعالجات وشرائح الذاكرة، ولهذا تعدّه جامعة بيردو «الجهاز الأكثر تصنيعاً في التاريخ». وأُدرج ضمن قائمة «معالم IEEE» عام 2014.
استقال عطا الله من مختبرات بيل عام 1962. شارك في تأسيس HP Associates، وصار أول مدير لمختبر أشباه الموصلات في هيوليت باكارد، ثم أسهم في إنشاء مختبرات HP عام 1966. ومن مايو 1969 إلى نوفمبر 1971 عمل نائباً للرئيس ومديراً عاماً لقسم الميكروويف والإلكترونيات الضوئية في شركة فيرتشايلد لأشباه الموصلات.
بعد فيرتشايلد غيّر الاتجاه. أسس شركة Atalla Technovation، التي صار اسمها لاحقاً Atalla Corporation، لحل مشكلات الأمان في البنوك والمؤسسات المالية. القفزة تبدو كبيرة، لكن المنطق واحد في الحالتين: صندوق أتالا يقوم على معالج دقيق، أي على شرائح مبنية من الترانزستور الذي شارك هو نفسه في اختراعه. استخدم المهندس أداته القديمة لحل مشكلة جديدة.

لماذا يسمّونه «أبو الرقم السري»؟
تلقّب ويكيبيديا عطا الله بـ«أبو الرقم السري» (Father of the PIN) تقديراً لعمله على نظام الرقم السري في إدارة أمن المعلومات. هو لم يخترع فكرة الرقم نفسها، لكنه اخترع الطريقة التي تجعل الرقم آمناً حين ينتقل بين الماكينة والبنك.
الفرق بين الأمرين مهم. ماكينة الصراف الآلي تُنسب إلى البريطاني جون شيبرد-بارون، الذي فكّر في رقم سري من ستة أرقام، ثم عدل عنه لأن زوجته لم تكن تتذكر إلا أربعة. ومن هنا صارت الأرقام الأربعة الطول الأكثر شيوعاً حتى اليوم. أما المعيار ISO 9564-1 فيسمح بأن يتكون الرقم من 4 إلى 12 رقماً، ويوصي بألا يزيد على 6.
إسهام عطا الله يقع في المساحة التي لا يراها العميل: كيف يُحمى الرقم بعد كتابته. قبل صندوقه لم يكن هناك جهاز تجاري يحمي الرقم من الموظفين ومن المتنصتين على خطوط الاتصال في الوقت نفسه. وتقول ويكيبيديا إن وحدات أتالا الأمنية كانت تحمي أكثر من 90% من شبكات الصراف الآلي العاملة عام 1998، و85% من معاملات الصراف الآلي في العالم عام 2006، و250 مليون معاملة بطاقات يومياً عام 2013.
اللقب له حدود. جامعة بيردو، التي منحته دكتوراه فخرية عام 2003 وأطلقت اسمه على «معهد أتالا للتكامل المتقدم للأنظمة والتغليف»، لا تستخدمه في صفحتها عنه. التكريمات الموثّقة تعطي صورة أدق: وسام بنجامين فرانكلين عام 1975، وقاعة مشاهير المخترعين الوطنية عام 2009، وقائمة الشرف لجمعية تاريخ تقنية المعلومات عام 2015.
ماذا بقي من شركة أتالا اليوم، وماذا تفعل أنت لحماية رقمك؟
خط منتجات أتالا لوحدات الأمان المادية ما زال قائماً تحت اسم Utimaco Atalla، بعد سلسلة طويلة من صفقات البيع والاندماج. اندمجت الشركة مع Tandem Computers عام 1987، ثم انتقلت ملكيتها إلى كومباك عام 1997، ثم إلى هيوليت باكارد عام 2001، ثم إلى ميكرو فوكس عام 2017. وفي 18 مايو 2018 أعلنت الشركة الألمانية Utimaco عزمها الاستحواذ على خط المنتجات.
تقاعد عطا الله عام 1990 بعد الاندماج مع Tandem، لكنه عاد إلى العمل بعد ست سنوات. فعام 1996 أسس شركة TriStrata Security لأمن الإنترنت، بطلب من ويليام زوندت، الرئيس السابق لبنك ويلز فارجو. كان الإنترنت التجاري يومها في بدايته، والسؤال القديم نفسه يعود بشكل جديد: كيف تثبت هويتك لجهاز بعيد؟
التشفير يحمي الرقم في رحلته عبر الشبكة، لكنه لا يحميه من عين تراقبك وأنت تكتبه. الثغرة الأضعف اليوم هي المستخدم نفسه، وبعض العادات البسيطة تغلقها إلى حد كبير:
غطِّ لوحة المفاتيح بيدك الأخرى أثناء الكتابة، فالكاميرات الصغيرة المزروعة فوق الماكينات تبحث عن حركة أصابعك. افحص فتحة البطاقة واللوحة قبل الاستخدام، وإذا بدا جزء منها بارزاً أو مثبّتاً بشكل غريب فابحث عن ماكينة أخرى. لا تختَر تاريخ ميلادك أو أرقاماً متتالية مثل 1234. وتذكّر أن البنك لا يحتاج إلى رقمك السري ولا يطلبه منك في الهاتف أو في رسالة، لأن أنظمته مصممة أصلاً كي لا يعرفه أحد فيه، فأي شخص يطلبه منك يحاول سرقتك.
أهم النقاط
- صندوق أتالا، الذي طُرح تجارياً عام 1973 باسم Identikey، هو أول وحدة أمان مادية (HSM) في التاريخ.
- مخترعه محمد محمد عطا الله، المولود في بورسعيد في 4 أغسطس 1924 وخريج جامعة القاهرة.
- يُشفَّر رقمك السري داخل لوحة المفاتيح نفسها ويتحول إلى «كتلة مشفّرة»، ولا يُفك إلا داخل وحدات أمان مادية محصّنة.
- قبل أتالا شارك مع داوون كانغ في اختراع ترانزستور MOSFET في نوفمبر 1959.
- لقب «أبو الرقم السري» تستخدمه ويكيبيديا، ولا تستخدمه جامعة بيردو.
- الأرقام الأربعة الشائعة سببها زوجة مخترع الصراف الآلي جون شيبرد-بارون، التي لم تكن تتذكر ستة أرقام.
- خط منتجات أتالا ما زال قائماً حتى اليوم تحت اسم Utimaco Atalla.
أسئلة شائعة
هل يستطيع موظف البنك معرفة رقمي السري؟
لا، الأنظمة مصممة كي لا يراه أي موظف. يُشفَّر الرقم داخل لوحة المفاتيح، ويجري التحقق منه داخل وحدة أمان مادية تعطي نتيجة المطابقة فقط. وهذه بالتحديد الفكرة التي طبّقها صندوق أتالا عام 1973.
هل الرقم السري مخزّن على بطاقة الصراف الآلي؟
لا، فالرقم السري لا يُطبع على البطاقة ولا يُخزَّن عليها. البطاقة تحمل بيانات الحساب، والتحقق من الرقم يجري عادة داخل وحدة أمان مادية لدى البنك.
ماذا يحدث لو حاول لص فتح لوحة مفاتيح الصراف الآلي؟
صُممت اللوحات المعتمدة بحيث تمسح مفاتيح التشفير والرقم السري تلقائياً عند اكتشاف أي عبث. لهذا يلجأ المحتالون عادة إلى تثبيت أجهزة خارجية فوق الماكينة أو إلى كاميرات خفية، وليس إلى اختراق اللوحة نفسها.
لماذا يتكون الرقم السري غالباً من أربعة أرقام؟
أراد جون شيبرد-بارون، الذي يُنسب إليه اختراع الصراف الآلي، رقماً من ستة أرقام، لكن زوجته لم تكن تتذكر إلا أربعة. والمعيار ISO 9564-1 يسمح بطول من 4 إلى 12 رقماً، ويوصي بألا يزيد على 6.
ما هي وحدة الأمان المادية HSM؟
هي جهاز محصّن يحفظ مفاتيح التشفير وينفّذ العمليات الحساسة داخله. في البنوك تتحقق من الرقم السري بمقارنته بالرقم المرجعي، وتعيد تشفيره بمفتاح جديد عندما ينتقل بين الخوادم.
هل حصل محمد عطا الله على تكريم في حياته؟
نعم، فقد حصل على وسام بنجامين فرانكلين عام 1975، ودكتوراه فخرية من جامعة بيردو عام 2003. ودخل قاعة مشاهير المخترعين الوطنية الأمريكية عام 2009، وهو العام الذي توفي فيه.
الخلاصة
بطاقة الصراف التي في محفظتك تمر بسلسلة حماية تبدأ تحت أصابعك وتنتهي داخل صندوق مغلق في مركز بيانات لا تعرف مكانه، وأول حلقة في هذه السلسلة صنعها مهندس من بورسعيد. تبقى أمامك أنت مسؤولية واحدة: التشفير يحمي الرقم في الطريق، ولا يحميه من كاميرا فوق الماكينة أو من مكالمة تطلبه منك. والسؤال الذي شغل عطا الله، أي كيف تثبت هويتك لجهاز بعيد من غير أن تكشف سرك، يتكرر الآن مع الدفع بالهاتف وبصمة الوجه. عندما تسمع عن «وحدات أمان مادية» في محافظ الهواتف أو في الخدمات البنكية الرقمية، فهي في أصلها امتداد للصندوق الذي طُرح في الأسواق عام 1973.