أكبر سرقة بنك مسجّلة في التاريخ، بحسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية، وقعت في مصرف دار السلام للاستثمار ببغداد يوم الأربعاء 11 يوليو 2007. خرج اللصوص بـ282 مليون دولار نقداً و220 مليون دينار عراقي. والمتهمون الرئيسيون حراس كانوا ينامون داخل المصرف، ثم اختفوا ولم يُتّهم أحد رسمياً حتى اليوم.

لم تتحدث الروايات الرسمية عن اقتحام بالقوة ولا عن اشتباك مع الأمن ولا عن نفق. وصل الموظفون صباحاً إلى الفرع في حي السعدون وسط بغداد، فوجدوا الأبواب غير مقفلة والخزائن فارغة. وكانت أوراق نقدية بهذا الحجم قد خرجت من مدينة تقطعها نقاط التفتيش في كل اتجاه، في واحدة من أعنف سنوات الحرب الأهلية العراقية.

اليوم، الاثنين 19 أكتوبر 2026، مرّ على الحادثة أكثر من تسعة عشر عاماً. لم يظهر الحراس، ولم يُعلن رسمياً عن مكان المال، والمصرف نفسه يبدو أنه أغلق أبوابه. ومع ذلك يبقى سؤالان بلا جواب: كيف خرجت هذه الكمية من النقد من بغداد؟ ولماذا كانت موجودة في مصرف خاص صغير من الأساس؟

ماذا حدث داخل مصرف دار السلام يوم 11 يوليو 2007؟

سُرق من فرع مصرف دار السلام للاستثمار في حي السعدون نحو 282 مليون دولار نقداً، و220 مليون دينار عراقي كانت قيمتها وقتها قرابة 173 ألف دولار. وتحدد غينيس يوم 11 يوليو 2007 تاريخاً للسرقة، أما اكتشافها فجاء صباحاً على أيدي موظفي المصرف.

ما وجده الموظفون كان لافتاً في هدوئه: أبواب غير مقفلة، وخزائن فارغة، ولا أثر لحراس الليل. لم يكسر أحد قفلاً بالقوة ولم يُطلق أحد النار، وهذا تحديداً ما دفع المحققين منذ الساعات الأولى إلى البحث داخل المصرف قبل أن ينظروا خارجه.

انتشر الخبر دولياً يوم الخميس 12 يوليو 2007. وأشارت مجلة ماذر جونز الأمريكية إلى أنه جاء قبل ساعات من نشر البيت الأبيض تقييمه لتقدّم العراق في 18 معياراً حدّدها الكونغرس. وهكذا تزامنت أكبر سرقة نقدية في تاريخ البنوك مع يوم كانت واشنطن تحاول فيه أن تثبت أن الأوضاع في العراق تتحسن.

وضعت ماذر جونز الحادثة في سياق عراقي أوسع، فعدّتها ثاني أكبر سرقة في تاريخ البلاد بعد نحو مليار دولار أخذها صدام حسين وعائلته من البنك المركزي العراقي قبيل الغزو الأمريكي في مارس 2003. الفارق أن المليار الأول خرج بقرار من رأس السلطة، أما الملايين الـ282 فخرجت على أيدي حراس.

شارع السعدون وسط بغداد حيث يقع فرع مصرف دار السلام عام 2007
حي السعدون في بغداد، موقع أكبر سرقة بنك في التاريخرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

من سرق مصرف دار السلام؟

المشتبه بهم الرئيسيون هم حراس المصرف أنفسهم. قال مسؤولون في وزارة الداخلية العراقية إن «اثنين أو ثلاثة» منهم متورطون، وإنهم لم يُروا منذ وقوع السرقة.

الحراس كانوا ينامون داخل المصرف، وكان ذلك جزءاً من مهامهم المعتادة. معنى ذلك أنهم قضوا الليل وحدهم مع الخزائن والمفاتيح وساعات طويلة بلا رقابة. لهذا وصف المسؤولون الحادثة بأنها «عملية داخلية نموذجية»، فاللص هنا هو الشخص الذي استأجره المصرف ليحميه من اللصوص.

تذهب غينيس أبعد قليلاً، فترجّح أن الحراس كانوا يعملون لصالح إحدى الميليشيات الطائفية التي كانت تنشط في بغداد آنذاك، أو بالتعاون معها. وهذا ترجيح وليس حكماً قضائياً. فلم تُعلن أسماء الحراس رسمياً، ولم تُقدَّم لائحة اتهام، ولم تُسمِّ أي جهة رسمية ميليشيا بعينها.

يبدو هذا الترجيح منطقياً لسبب عملي. نقل مئات الملايين من الدولارات نقداً يحتاج إلى مركبات وأماكن تخزين ومسارات آمنة، وقبل ذلك يحتاج إلى من يضمن ألا يوقف أحدٌ القافلة. ومن الصعب أن يوفر حارسان أو ثلاثة كل ذلك بمفردهم.

كيف عبر اللصوص حواجز بغداد في عز الحرب الأهلية؟

الإجابة الأرجح أن صلاتهم فتحت لهم الطريق. تشتبه الحكومة العراقية في أن اللصوص كانت لهم علاقات بالشرطة المحلية وبميليشيات، ومكّنتهم هذه العلاقات من المرور عبر حواجز بغداد دون أن يكتشفهم أحد.

في صيف 2007 كانت بغداد مدينة مقسّمة بالجدران الإسمنتية ونقاط التفتيش، وكان التنقل بين أحيائها مغامرة يومية للسكان العاديين. وفي مدينة كهذه يصعب أن تمر شحنة ثقيلة من النقد دون أن تثير الشك. لذلك ظهرت منذ الأيام الأولى، بحسب صحيفة ستارز آند سترايبس، تكهنات بأن للصوص صلات بالميليشيات أو بقوات أمن منفلتة.

رجّح المسؤولون أن هذه الصلة بالذات هي ما سمح للحراس بالخروج من بغداد كلها وعدم الاكتفاء بمغادرة الحي. والفكرة بسيطة: الحاجز الذي تديره جهة متواطئة يصبح ممراً آمناً. ولم تكن الحدود بين الشرطة والميليشيات في بغداد ذلك العام واضحة دائماً، فبعض الوحدات كانت مخترقة، وبعض الحواجز يتحكم فيها ولاء طائفي أكثر مما تتحكم فيها الأوامر الرسمية.

السياق الأوسع هو الحرب الأهلية العراقية بين عامي 2006 و2008. تقول غينيس إن موارد الشرطة العراقية في تلك الفترة كانت محدودة بشدة، وكذلك قدرتها على الوصول إلى مناطق كثيرة. وأي محقق كان سيواجه مدينة تتقاسمها جماعات مسلحة، لا يملك فيها سلطة كاملة على الطرق ولا على الشهود.

نقطة تفتيش في بغداد عام 2007 تعبرها شاحنات مدنية خلال الحرب الأهلية
حواجز التفتيش التي كانت تقطع بغداد في سنوات الحرب الأهليةالصورة: Staff Sgt. Michael Pryor — ويكيميديا كومنز (Public domain)

لماذا كان في مصرف خاص صغير 282 مليون دولار نقداً؟

لا أحد يعرف على وجه اليقين. قال المسؤولون العراقيون وقتها إنه غير واضح لماذا كانت في المصرف كمية نقد أكبر بكثير من المعتاد، وتعترف غينيس بأنه لا يُعرف كيف احتفظ مصرف خاص صغير نسبياً بكل هذا المال.

دار السلام للاستثمار مصرف خاص تأسس عام 1998 ومقره بغداد، ومدرج في سوق العراق للأوراق المالية برمز BDSI. منذ أكتوبر 2005 ارتبط بمصرف HSBC البريطاني، الذي امتلك 70.1% من رأسماله المصدَر. وقد منح وجود اسم مصرفي عالمي بهذا الحجم المصرفَ الصغير ثقة لم تكن متاحة لمصارف عراقية كثيرة.

ومع ذلك لا يفسر وجود HSBC وحده هذا الحجم من الدولارات الورقية في فرع واحد. تذكر غينيس أن تقارير ربطت الأمر بالفساد داخل الحكومة العراقية، وبشحنات النقد التي أرسلتها سلطة الائتلاف المؤقتة، أي الإدارة التي حكمت العراق بقيادة أمريكية بعد 2003. هذه روايات صحفية وليست نتائج تحقيق منشور، لكنها تشير إلى موضع الخلل المحتمل.

ومن المعروف أن الاقتصاد العراقي في تلك السنوات كان يعتمد على النقد بدرجة كبيرة. كانت الرواتب والعقود والصفقات تُدفع في الغالب بأوراق نقدية، لأن النظام المصرفي الإلكتروني كان ضعيفاً والثقة في التحويلات قليلة. وفي بيئة كهذه تصبح الخزنة الممتلئة هدفاً مغرياً، ويصعب أيضاً تتبع مصدر ما بداخلها.

رزم ضخمة من الدولارات النقدية داخل غرفة تخزين في مصرف عراقي
مئات الملايين من الدولارات النقدية كانت مكدسة في مصرف خاص صغيررسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

هل استُعيد المال؟ ولماذا لم يُتّهم أحد حتى اليوم؟

لا يوجد إعلان رسمي موثّق عن استعادة الأموال المسروقة، ويبدو بحسب غينيس أن أحداً لم يُتّهم رسمياً بالجريمة حتى اليوم. القضية ما زالت مفتوحة من الناحية العملية، أي أن هناك مشتبهاً بهم معروفين للمسؤولين ولا توجد محاكمة.

يعود غياب الاتهام إلى عدة عوامل اجتمعت في وقت واحد. كانت الشرطة تعمل بموارد شحيحة، وكانت بعض أجهزة الأمن نفسها موضع شك، وكانت الجهات التي يُرجَّح أنها حمت اللصوص مسلحة ونافذة. ثم إن الحراس اختفوا تماماً، وملاحقة شخص تحميه ميليشيا في عراق 2007 كانت مهمة تتجاوز قدرة أي مركز شرطة.

وتختلف هذه القضية عن سرقات البنوك الكبرى في أوروبا وأمريكا في نقطة أساسية: لم يُحاكم أحد فيها. فأكبر السرقات الغربية انتهت غالباً بمحاكمات طويلة، وبجزء من المال يُعثر عليه في مخبأ أو حساب. أما في بغداد فقد دخلت الأموال، بحسب كل الترجيحات، اقتصاد الحرب نفسه، حيث يمكن أن يتحول النقد بسرعة إلى سلاح أو نفوذ أو عقارات لا يسأل أحد عن مصدرها.

وهنا يكمن ما يجعل الحادثة لغزاً دائماً. فالسؤال عن هوية الفاعل له إجابة تقريبية، أما السؤال الأصعب فهو عن الجهة التي كانت تستطيع محاسبته ولم تفعل.

ماذا حدث لمصرف دار السلام وHSBC بعد السرقة؟

واصل المصرف عمله بعد السرقة، وظلت HSBC تملك حصتها فيه سنوات، ثم قررت الخروج من العراق عام 2013. ويبدو بحسب غينيس أن المصرف أُغلق عام 2018، بعد آخر بيانات مالية نشرها عن الربع الثاني من ذلك العام.

في سنوات ما بعد السرقة لم يكن دار السلام مصرفاً متعثراً. كان له ثمانية فروع داخل العراق، وحقق عام 2011 صافي ربح بلغ 12.06 مليار دينار، وكان رئيس مجلس إدارته أسعد الخضيري. واحتفظت HSBC بنسبة 70.1% من رأسماله حتى 31 ديسمبر 2012.

في 25 يونيو 2013 أعلنت HSBC، بعد مراجعة استراتيجية، أنها ستبيع حصتها في دار السلام ولن تكتتب في زيادة رأسماله، ضمن خطة لإعادة هيكلة أعمالها حول العالم. لكن الخروج تعثر. رفضت هيئة الأوراق المالية العراقية مقترحين قدمهما المصرف البريطاني، أحدهما يقضي ببيع الحصة بسعر رمزي هو فلس عراقي واحد للسهم، في حين كانت قيمة الحصة وقتها نحو 100 مليار دينار، أي قرابة 86 مليون دولار.

وفي مرحلة لاحقة عرضت HSBC أن تتنازل عن حصتها مجاناً، فمنعت الجهات الرقابية العراقية هذا العرض أيضاً. يكشف المشهد كله مفارقة واضحة: مصرف عالمي يحاول التخلي عن حصة تساوي عشرات الملايين مقابل لا شيء، في بلد خرجت فيه من أحد الفروع نفسها 282 مليون دولار في ليلة واحدة. ثم انتهت قصة المصرف بهدوء، على ما يبدو، بعد أن توقفت بياناته المالية في 2018.

أهم النقاط

  • تصنّف غينيس سرقة مصرف دار السلام للاستثمار في بغداد يوم 11 يوليو 2007 أكبر سرقة بنك مسجلة: 282 مليون دولار نقداً و220 مليون دينار عراقي (نحو 173 ألف دولار).
  • لم يقتحم أحد المكان بالقوة. وجد الموظفون صباحاً الأبواب غير مقفلة والخزائن فارغة في فرع حي السعدون.
  • الحراس هم المشتبه بهم الرئيسيون. قالت وزارة الداخلية إن «اثنين أو ثلاثة» منهم متورطون واختفوا بعد السرقة.
  • يُرجَّح أن صلاتهم بميليشيات وبعناصر في الشرطة المحلية هي ما سمح لهم بعبور حواجز بغداد.
  • لا يزال مصدر هذه الكمية من النقد غامضاً، وتربطه تقارير بالفساد وبشحنات نقد سلطة الائتلاف المؤقتة.
  • لم يُعلن رسمياً عن استعادة المال، ولم يُتّهم أحد حتى اليوم.
  • أعلنت HSBC، صاحبة نحو 70% من المصرف، في 25 يونيو 2013 نيتها الخروج منه، لكن الرقابة العراقية رفضت بيع الحصة بفلس واحد للسهم ثم رفضت التنازل المجاني. ويبدو أن المصرف أُغلق عام 2018.

أسئلة شائعة

ما أكبر سرقة بنك في التاريخ؟

بحسب موسوعة غينيس، هي سرقة مصرف دار السلام للاستثمار في بغداد يوم 11 يوليو 2007، وفيها اختفى 282 مليون دولار نقداً إلى جانب 220 مليون دينار عراقي. ولم يُتّهم أحد رسمياً بالجريمة حتى اليوم.

أين يقع مصرف دار السلام الذي تعرض للسرقة؟

وقعت السرقة في فرع المصرف بحي السعدون وسط بغداد. والمصرف خاص تأسس عام 1998 وكان له ثمانية فروع داخل العراق.

هل كان لمصرف HSBC علاقة بمصرف دار السلام؟

نعم، ارتبطت HSBC بالمصرف منذ أكتوبر 2005 وامتلكت 70.1% من رأسماله، أي أنها كانت المساهم الأكبر وقت السرقة. وفي 25 يونيو 2013 أعلنت نيتها بيع حصتها والخروج منه.

ما ثاني أكبر سرقة في تاريخ العراق؟

صنّفت مجلة ماذر جونز سرقة دار السلام ثاني أكبر سرقة في العراق، بعد نحو مليار دولار أخذها صدام حسين وعائلته من البنك المركزي العراقي قبيل الغزو الأمريكي في مارس 2003.

هل ما زال مصرف دار السلام يعمل اليوم؟

يبدو بحسب غينيس أن المصرف أُغلق عام 2018، إذ نشر آخر بياناته المالية عن الربع الثاني من ذلك العام. ولا يوجد ما يشير إلى عودته للعمل بعد ذلك.

لماذا رفضت هيئة الأوراق المالية العراقية بيع حصة HSBC؟

رفضت الهيئة مقترحين للبيع، أحدهما بسعر رمزي هو فلس عراقي واحد للسهم، مع أن قيمة الحصة كانت نحو 100 مليار دينار (حوالي 86 مليون دولار). ثم منعت الجهات الرقابية عرضاً لاحقاً من HSBC بالتنازل عن الحصة مجاناً.

الخلاصة

بعد أكثر من تسعة عشر عاماً، تبقى سرقة دار السلام شاهداً على ما يحدث حين يجتمع نقد كثير ورقابة ضعيفة وحرب أهلية في مكان واحد. الحراس معروفون للمسؤولين بالاسم أو بالوظيفة على الأقل، والطريق الذي سلكوه مفهوم بالترجيح، ومع ذلك لم يُحاكم أحد. الدرس العملي للمصارف، وهو درس تكرره هيئات الرقابة المصرفية حول العالم، أن الخطر الأكبر غالباً يأتي من داخل المؤسسة: من يملك المفاتيح ويقضي الليل وحده مع الخزنة يحتاج إلى رقابة مزدوجة وتناوب ومراجعة مستقلة لكميات النقد المحتفظ بها. أما الملف القضائي فلا يُتوقع أن يُفتح من جديد إلا إذا ظهر أحد الحراس أو تكلّم أحد من كانوا يسيطرون على حواجز بغداد في صيف 2007، وكلا الاحتمالين يبدو بعيداً.