عاد ويليام هاريسون، وكيل أراضي الفيكونتيسة كامبدن، حياً إلى بلدته تشيبينغ كامبدن في إنجلترا سنة 1662. وكانت السلطات قد شنقت قبل ذلك ثلاثة أشخاص بتهمة قتله: خادمه جون بيري، وأم الخادم جوان، وأخاه ريتشارد. لم يعثر أحد على جثة. أُدين الثلاثة باعتراف أدلى به جون ثم تراجع عنه، وبأغراض ملطخة بالدم وُجدت على الطريق. وحين ظهر هاريسون روى حكاية عن خطفه وبيعه عبداً في الدولة العثمانية، ولم يثبتها أحد حتى اليوم.

عُرفت القضية في التاريخ الإنجليزي باسم «أعجوبة كامبدن» (The Campden Wonder)، وتحفظ جمعية تاريخ تشيبينغ كامبدن تفاصيلها في أرشيفها. وما زالت تُدرَّس مثالاً على ما يحدث حين يحلّ اعتراف واحد محل الدليل. ويبقى فيها سؤالان بلا إجابة حتى الآن: لماذا اعترف رجل بجريمة لم تقع، ولماذا جرّ معه أمه وأخاه إلى المشنقة؟

ماذا حدث يوم اختفاء ويليام هاريسون؟

خرج ويليام هاريسون من بيته في تشيبينغ كامبدن بمقاطعة غلوسترشير يوم الخميس 16 أغسطس 1660، وكان في السبعين تقريباً، ولم يعد. كان متجهاً إلى قرية تشارينغوورث، التي تبعد نحو ميلين (3.2 كيلومتر تقريباً)، ليجمع الإيجارات من مستأجري الأراضي التي يديرها لحساب السيدة الفيكونتيسة كامبدن.

تأخر الرجل، فأرسلت زوجته خادمه جون بيري ليبحث عنه، ولم يعد بيري هو الآخر. في صباح اليوم التالي عثر إدوارد، ابن هاريسون، على الخادم في طريق تشارينغوورث، أما الأب فلم يظهر له أثر.

بعد ذلك وجد الباحثون على الطريق بين كامبدن وإبرينغتون قبعة هاريسون وقد شقّتها أداة حادة، وياقته ملطخة بالدم، ومشطه. لم يجدوا الجثة يومها، ولم يجدها أحد بعد ذلك. وكان معنى هذا عند أهل البلدة واضحاً: وكيل يحمل مال الإيجارات، وأغراض ممزقة عليها دم، فلا بد أنه قُتل.

قبعة مشقوقة وياقة ملطخة بالدم ومشط على طريق إبرينغتون في لغز كامبدن ويليام هاريسون
أغراض هاريسون التي وُجدت على الطريق كانت الدليل الوحيد على القتلرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا اتهم جون بيري أمه وأخاه؟

لا أحد يعرف حتى اليوم لماذا اتهم جون بيري أمه جوان وأخاه ريتشارد. ما نعرفه أن الاتهام جاء بعد سلسلة روايات متناقضة قدّمها هو نفسه. في البداية قال إنه خاف أن يبحث في الظلام فاختبأ في حظيرة الدجاج، ثم ضلّ طريقه في الضباب ونام تحت شجيرة.

بعد نحو أسبوع تغيّرت القصة. اتهم بيري سمكرياً متجولاً، ثم اتهم خادماً لرجل نبيل لم يذكر اسمه. وفي النهاية اعترف أمام القاضي المحلي بأن جوان وريتشارد قتلا هاريسون ليسرقا ماله، وأن ريتشارد خنقه، وأنه هو من مزّق القبعة والياقة والمشط ورماها على الطريق، وأنهم ألقوا الجثة في بركة. جفّف الأهالي البركة فلم يجدوا فيها شيئاً، وأنكرت الأم والابن أي صلة لهما بالأمر.

ثم ربط جون اعترافه بحادثة أقدم. قبل الاختفاء بنحو سنة سُرق من بيت هاريسون 140 جنيهاً، فقال جون إن ريتشارد هو من سرقها بعدما دلّه هو على مكانها، وإنها مدفونة في حديقة أخيه. فُتّشت الحديقة ولم يظهر فيها شيء.

وفي سجل الخادم تفصيلة كان ينبغي أن تجعل المحققين أكثر حذراً. قبل الاختفاء بأسابيع بلّغ بيري أن رجلين يحملان السيوف هاجماه، ثم اعترف لاحقاً بأنه اخترع القصة كلها. كان رجلاً يخترع الحكايات إذن، ومع ذلك صدّقت المحكمة أخطر حكاياته.

كيف تحوّل اختفاء بلا جثة إلى حكم بالإعدام؟

مرّت القضية بمرحلتين، ولم تصل إلى المشنقة إلا عبر تهمة السرقة. في المرحلة الأولى رفض القاضي السير كريستوفر تيرنر أن يحاكم الثلاثة بتهمة القتل، لأنه لم تكن هناك جثة ولا دليل واضح على أن قتلاً وقع أصلاً.

أما في تهمة السرقة فاتخذ الدفاع قراراً تبيّن أنه كارثي. غيّرت جوان وريتشارد إقرارهما إلى «مذنب» بنصيحة محاميهما، ليستفيدا من العفو العام الذي منحه «قانون التعويض والنسيان» لسنة 1660، وهو القانون الذي صدر مع عودة آل ستيوارت إلى العرش. بدا الأمر حيلة قانونية ذكية، لكن الكاتبة ليندا ستراتمان تصفها بأنها نصيحة سيئة، لأن تهمة القتل لم تكن قد حُسمت بعد. صار في ملف المتهمَين إقرار رسمي بأنهما لصّان.

في ربيع 1661، وهاريسون ما زال مفقوداً، مثل الثلاثة أمام القاضي السير روبرت هايد وهيئة محلفين بتهمة القتل. لم تقدّم الإدانة جثة. قدّمت إقرارهم السابق بالسرقة، ومال الإيجارات الذي كان مع هاريسون، ومعرفة جون بالطريق الذي يسلكه سيده، والأغراض الملطخة بالدم. وأنكر جون التهمة هذه المرة، وقال إن شهادته الأولى كانت كاذبة لأنه كان مختل العقل. لم يقتنع المحلفون، وأدانوا الثلاثة، وحُكم عليهم جميعاً بالإعدام.

شُنق الثلاثة معاً على تل برودواي في غلوسترشير، حيث يقوم برج برودواي اليوم. وشُنقت جوان أولاً، لأن الناس ظنوا أنها ساحرة وأن موتها سيفك سحراً يمنع ابنيها من الاعتراف. لكن ريتشارد أصرّ على براءته، وتوسّل إلى أخيه أن يقول الحقيقة. وقال جون، والحبل حول عنقه، إنه لا يعرف شيئاً عن مصير هاريسون.

قاعة محكمة إنجليزية من القرن السابع عشر تستحضر محاكمة لغز كامبدن ويليام هاريسون
حكم بالإعدام صدر رغم غياب الجثة واعتماده على اعتراف متراجع عنهرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ماذا قال هاريسون عن غيابه؟

قال هاريسون إنه خُطف وبيع عبداً في الدولة العثمانية، ثم عاد إلى إنجلترا سنة 1662 على سفينة قادمة من لشبونة. وروى أن رجلين على ظهر الخيل سرقاه وخطفاه وطعناه في فخذه وجنبه، ثم أخذاه على ظهر الخيل عبر بلدة ديل في مقاطعة كنت.

وبحسب روايته بيع بسبعة جنيهات لتجار رقيق ووضعوه على سفينتهم، وعولج هناك ستة أسابيع حتى شُفي، ثم نُقل إلى سفينة تركية وبيع في الدولة العثمانية. اشتراه طبيب عجوز في سميرنا، وهي إزمير التركية اليوم، واشتغل عنده في معمل تقطير. وأعطاه الطبيب وعاء من الفضة ليشرب فيه.

مات الطبيب بعد نحو سنة وثلاثة أرباع، كما قال هاريسون، فدفع الوعاء الفضي ثمناً لرحلته إلى لشبونة. ومن هناك أبحر إلى دوفر، ثم مشى إلى كامبدن. وصل الرجل الذي شُنق ثلاثة أشخاص بتهمة قتله إلى بلدته حياً، وأعاده أصحاب الضيعة إلى وظيفته القديمة.

وصلت إلينا هذه الرواية لأن قاضي الصلح في غلوسترشير السير توماس أوفربري دوّن القضية في كتيب نشره سنة 1676، يبدأ عنوانه بعبارة «A True and Perfect Account»، وأرفق به رسالة فيها رواية هاريسون بلسانه.

ميناء عثماني في القرن السابع عشر يجسد رواية هاريسون عن بيعه عبداً
زعم هاريسون أنه خُطف وبيع عبداً في الدولة العثمانيةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

أي أجزاء من رواية الاختطاف بقيت غير مثبتة؟

لم يثبت أي جزء من رواية هاريسون. لم يُقبض على الخاطفين، ولم يظهر شاهد رآه في ديل أو على السفينة، ولم يؤكد أحد حكاية الطبيب في سميرنا. كل ما نعرفه عن تلك السنتين جاء على لسانه وحده.

وتجمع الكاتبة ليندا ستراتمان نقاط الضعف في الرواية، وأولها الدافع. السرقة هي الدافع المفترض، ومع ذلك خطف الرجلان رجلاً في السبعين وتركا جيوبه مليئة بالمال، ثم باعاه بجنيهات قليلة بعد كل هذا العناء. والطريق نفسه يصعب تصديقه: رجلان على ظهر الخيل يعبران بأسير جريح حتى ديل في أقصى جنوب شرق إنجلترا، ولا يلاحظهما أحد. وتبقى بعد ذلك مسألة الجروح: كيف يشفى رجل في هذا العمر من طعنات السيوف؟

لهذا ظهرت تفسيرات أخرى، ولا يملك أي منها دليلاً حاسماً. يرى بعضها أن هاريسون رحل بإرادته هرباً من الاضطراب الذي تلا عودة آل ستيوارت إلى الحكم. ويقول تفسير آخر إنه ظنّ أن جوان بيري سحرته ففرّ منها. وهناك من يذهب إلى أنه كان جاسوساً في مهمة سرية واخترع حكاية الأسر غطاءً لها.

أما أوفربري فاقترح أن أحداً ربما استأجر من هاجموا هاريسون، وطُرح اسم ابنه إدوارد مشتبهاً محتملاً، فهو من عثر على الخادم صباح الاختفاء. غير أن هذه الفرضية تبقى ضعيفة ولا تسندها وقائع ثابتة. وحتى لو صحّ أي من هذه التفسيرات فإنه لا يفسّر ما فعله جون بيري، ولا لماذا اختار أن يتهم أقرب الناس إليه.

ماذا بقي من «أعجوبة كامبدن» في القانون والأدب؟

بقيت القضية حاضرة في النقاش القانوني والأدبي، وإن كان بعض ما يُنسب إليها مبالغاً فيه. يشيع أنها جعلت القضاء البريطاني يرفض لزمن طويل محاكمة أي متهم بالقتل دون جثة، لكن المؤرخ جيمس مورتون يرى أن هذه القاعدة لم توجد أصلاً، وهذا الرأي هو الأرجح.

وفي الأدب كتب الشاعر الإنجليزي جون ميسفيلد مسرحيتين عن القضية، هما «The Campden Wonder» و«Mrs Harrison». ومن هنا على الأرجح انتشرت حكاية أن زوجة هاريسون انتحرت حين عرفت أن زوجها حي، وهي أسطورة شائعة لا أكثر.

أما الدرس القانوني فما زال صالحاً، بصرف النظر عن وجود القاعدة المزعومة. المتهم الذي يعترف ثم يتراجع، والإقرار بالذنب في تهمة صغيرة لكسب عفو، وتصديق الأدلة الظرفية لمجرد أنها تتراكم: كل هذا ما زال يظهر في قضايا الإدانة الخاطئة الحديثة. وهذا ما فعلته محكمة 1661 بالضبط، فقد عاملت تراكم الأدلة الضعيفة كأنه دليل واحد قوي.

أهم النقاط

  • اختفى ويليام هاريسون يوم الخميس 16 أغسطس 1660 في طريقه من تشيبينغ كامبدن إلى تشارينغوورث لجمع الإيجارات، ولم يُعثر على جثته أبداً.
  • اتهم خادمه جون بيري أمه جوان وأخاه ريتشارد بقتله، بعد أن قدّم روايات متناقضة، وكان قد اعترف من قبل باختلاق قصة هجوم عليه.
  • رفض القاضي كريستوفر تيرنر محاكمتهم بالقتل في البداية، لكن إقرار جوان وريتشارد بالسرقة طمعاً في عفو «قانون التعويض والنسيان» انقلب عليهما.
  • أُدين الثلاثة في ربيع 1661 أمام القاضي روبرت هايد، وشُنقوا على تل برودواي.
  • عاد هاريسون حياً سنة 1662 على سفينة من لشبونة، وروى قصة خطف وعبودية في سميرنا لم تثبت أبداً.
  • لا تجد القاعدة المنسوبة للقضية، أي منع المحاكمة بالقتل دون جثة، سنداً عند المؤرخ جيمس مورتون، وانتحار زوجة هاريسون أسطورة.

أسئلة شائعة

أين تقع تشيبينغ كامبدن؟

تشيبينغ كامبدن بلدة صغيرة في مقاطعة غلوسترشير غرب إنجلترا. وتبعد قرية تشارينغوورث التي كان هاريسون متجهاً إليها نحو ميلين، أي 3.2 كيلومتر تقريباً.

لماذا شُنقت جوان بيري قبل ابنيها؟

ظن الناس أنها ساحرة، وأن سحرها يمنع ابنيها من الاعتراف بالحقيقة، فشنقوها أولاً على أمل أن يزول السحر بموتها. لكن ريتشارد ظل مصراً على براءته، وقال جون إنه لا يعرف شيئاً عن مصير هاريسون.

من دوّن قصة أعجوبة كامبدن؟

دوّنها قاضي الصلح في غلوسترشير السير توماس أوفربري في كتيب نشره سنة 1676، يبدأ عنوانه بعبارة «A True and Perfect Account». وأرفق به رسالة فيها رواية هاريسون بلسانه.

هل انتحرت زوجة ويليام هاريسون بعد عودته؟

لا يوجد ما يثبت ذلك، فالقول بأنها انتحرت حين عرفت أن زوجها حي أسطورة شائعة. ويبدو أنها انتشرت مع الأعمال الأدبية عن القضية، ومنها مسرحية جون ميسفيلد «Mrs Harrison».

ما قانون التعويض والنسيان وما علاقته بالقضية؟

هو قانون صدر سنة 1660 ومنح عفواً عاماً عن جرائم سابقة مع عودة آل ستيوارت إلى الحكم. أقرّت جوان وريتشارد بالذنب في سرقة الـ140 جنيهاً ليستفيدا منه، فاستُخدم إقرارهما لاحقاً دليلاً على إدانتهما بالقتل.

هل عُرف الجاني الحقيقي في قضية هاريسون؟

لا. اقترح أوفربري أن أحداً ربما استأجر من هاجموا هاريسون، وطُرح اسم ابنه إدوارد، لكنها فرضية ضعيفة بلا دليل. وتبقى القضية مفتوحة على تفسيرات مختلفة.

الخلاصة

بعد أكثر من ثلاثة قرون ونصف ما زالت أسئلة القضية بلا إجابة: أين قضى هاريسون غيابه فعلاً، ولماذا اعترف جون بيري بجريمة لم تقع؟ لكن ما تثبته الوقائع يكفي لفهم الخطأ. قاضٍ رفض المحاكمة لغياب الجثة، ثم محكمة أخرى أدانت المتهمين بأدلة لم يتغير فيها شيء، إلا إقراراً بالسرقة قدّمه المتهمان طمعاً في عفو. ومن يتابع اليوم قضايا الإدانة الخاطئة سيرى العناصر نفسها تتكرر: اعتراف متقلّب، وصفقة إجرائية تبدو مريحة على المدى القصير، وجمهور يريد أن يرى أحداً يدفع الثمن. لهذا يفيد الرجوع إلى كتيب أوفربري، أو إلى أرشيف جمعية تاريخ تشيبينغ كامبدن، أكثر من الاكتفاء بالأساطير التي تراكمت حول القضية، مثل قاعدة «لا قتل بلا جثة» وانتحار الزوجة. فالوقائع الثابتة أغرب من تلك الإضافات، وفيها وحدها ما يفيد.