اختفت طائرة الركاب «ميس هوبارت»، من طراز دي هافيلاند DH.86، فوق مضيق باس بين تسمانيا والبر الأسترالي صباح الجمعة 19 أكتوبر 1934، بعد نحو ساعة وعشرين دقيقة من إقلاعها. ولم يُعثر على حطامها ولا على أي من ركابها حتى اليوم. وكان من بين الركاب القس هيوبرت وارين، والد الطفل ديفيد وارين، الذي اخترع بعد أكثر من عشرين عاماً مسجل الطيران المعروف باسم «الصندوق الأسود».

اليوم، الاثنين 19 أكتوبر 2026، تمر 92 سنة على تلك الرحلة. آخر ما سُمع من الطائرة رسالة لاسلكية قصيرة في الساعة 10:20 صباحاً، معناها تقريباً: «فوق جزيرة رودوندو... كل شيء على ما يرام». بعدها لم يصل منها شيء. لم يكن على متنها جهاز يسجل ما جرى في القمرة، فلم يجد المحققون أمامهم إلا بقعة زيت ورياحاً شديدة وعدداً من الاحتمالات. والطفل الذي فقد أباه في تلك الرحلة قضى مسيرته المهنية لاحقاً في حل هذه المشكلة تحديداً: كيف يعرف المحققون ما حدث في الدقائق الأخيرة من رحلة لم ينجُ منها أحد؟

ماذا حدث لطائرة «ميس هوبارت» فوق مضيق باس؟

أقلعت الطائرة من مطار ويسترن جنكشن في لونسستون بتسمانيا في التاسعة من صباح الجمعة 19 أكتوبر 1934 متجهة إلى ملبورن، وانقطع أثرها بعد آخر رسالة لاسلكية في الساعة 10:20. كانت وقتها فوق جزيرة رودوندو، وهي جزيرة صخرية صغيرة جنوب رأس ويلسونز بروموناتوري في ولاية فيكتوريا، أي قريبة من الساحل الذي تقصده. ثم اختفت فوق مياه المضيق.

جلس في قمرة القيادة طياران: الكابتن فيكتور هوليمان، مؤسس شركة «هوليمانز إيرويز» ومديرها المروري، وجيلبرت جينكينز، الطيار السابق في سلاحي الجو الملكي الأسترالي والكندي. وفي المقصورة ركاب مدنيون، منهم القس هيوبرت إي. وارين، وكان متجهاً إلى كنيسة سانت توماس في إنفيلد بسيدني، والآنسة ك. ميرسر، فارسة المسابقات من كامبل تاون. تختلف المراجع قليلاً في العدد الإجمالي لمن كانوا على متن الطائرة، لكنها تتفق على أن أحداً منهم لم ينجُ ولم يُعثر على جثة أي منهم.

بدأ البحث بسرعة. شاركت فيه ست طائرات، منها «ميس لونسستون» شقيقة الطائرة المفقودة، ومعها سفن وبواخر ساحلية. ورصدت طائرة بحرية من طراز ساوثهامبتون بقعة زيت قرب جزيرة سيتادل، على بعد نحو 10 أميال غرب رأس ويلسونز بروموناتوري، فأُخذت عينات منها لمعرفة هل يطابق الزيت زيت محركات الطائرة. وبعد ثلاثة أيام شوهد من الجو شيء قد يكون حطاماً، لكن السفن لم تستطع الوصول إليه لأن البحر كان هائجاً. وأوقفت إدارة الطيران المدني البحث يوم الاثنين التالي دون أن تعثر على حطام مؤكد.

جزيرة رودوندو في مضيق باس حيث انقطع أثر طائرة ميس هوبارت 1934
جزيرة رودوندو، آخر نقطة أبلغت عنها طائرة ميس هوبارت قبل اختفائهارسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ما طائرة DH.86 ولماذا كانت قمرتها جزءاً من اللغز؟

كانت «ميس هوبارت»، المسجلة برمز VH-URN، أول طائرة إنتاج من طراز دي هافيلاند DH.86 رباعية المحركات، وكانت قمرة قيادتها تتسع لطيار واحد فقط. عند دخولها الخدمة في أكتوبر 1934 وُصفت بأنها «أسرع طائرة ركاب بريطانية الصنع تعمل في أي مكان في العالم».

اشترت «هوليمانز إيرويز» طائرتين من هذا الطراز بعد فوزها سنة 1934 بمناقصة مدعومة لنقل البريد الجوي. وبدأت «ميس هوبارت» رحلاتها المنتظمة بين لونسستون وملبورن في 3 أكتوبر 1934، أي قبل اختفائها بنحو أسبوعين ونصف فقط. كانت طائرة جديدة تماماً على خط بحري صعب، ولم يتراكم بعد ما يكفي من الخبرة التشغيلية بها.

تصميم القمرة صار سؤالاً مركزياً في التحقيق. على متن الطائرة طياران، والمقعد واحد. وعلى رحلة تستغرق أكثر من ساعة فوق البحر كان من المحتمل أن يتبادل الرجلان المقعد في الجو، ولحظة التبديل هذه تترك الطائرة بلا يد ثابتة على أدوات التحكم لثوانٍ.

ما النظريات التي طرحها التحقيق الرسمي؟

لم يحدد التحقيق الرسمي سبباً مرجحاً للحادث. بدأت جلساته في لونسستون يوم الثلاثاء 30 أكتوبر 1934، ودرس حالة الطقس ومدى الطائرة، ونُسب إليه أنه اعتبر الرياح المعاكسة الشديدة من بين العوامل التي أسهمت في الحادث.

دارت حول الحادث عدة فرضيات. ترى الأولى أن الوقود نفد من الطائرة، ربما بسبب تسرب، فقد كانت الرياح المعاكسة تطيل الرحلة وتستهلك وقوداً أكثر. وترى الثانية أن الطيار حاول الهبوط اضطرارياً على الماء فغاصت الطائرة مباشرة إلى القاع دون أن يطفو منها حطام يُذكر، وهذا يفسر لماذا لم تجد فرق البحث إلا بقعة زيت. أما الثالثة فتعود إلى القمرة: اشتبه المحققون في البداية أن الحادث وقع بينما كان الطياران يتبادلان المقعد الوحيد أثناء الطيران.

ولأن هذه الفرضية لم يكن ممكناً استبعادها، تشير المصادر إلى أن لجنة التحقيق أوصت بمنع الطيارين من تبادل أماكنهم أثناء الطيران، تحسباً لأن يكون الطاقم قد فقد السيطرة على الطائرة خلال التبديل. وجاءت بعد ذلك حادثة أخرى أكدت أن الطراز نفسه يحتاج إلى مراجعة: بعد نحو أربعة أسابيع تحطمت طائرة DH.86 تابعة لشركة كانتاس (VH-USG)، فكُشف عن عيب في آلية ضبط الزعنفة الذيلية، وأُعيد تصميم مقدمة الطراز لتتسع لطيارين بدلاً من واحد.

الحقيقة المرة في القضية كلها أن كل هذه الفرضيات بقيت تخمينات. لم يكن هناك حطام يُفحص، ولا شاهد، ولا تسجيل لما قاله الطياران أو لما قرأته العدادات في الدقائق الأخيرة.

كيف بدأ طريق ديفيد وارين بجهاز راديو كريستال؟

كانت آخر هدية تلقاها ديفيد وارين من أبيه جهاز راديو كريستال، وقد أشعل فيه شغفاً بالإلكترونيات لازمه بقية حياته. كان في التاسعة من عمره حين ضاع أبوه فوق مضيق باس.

وُلد وارين في 20 مارس 1925 في محطة تبشيرية نائية بجزيرة غروت آيلاندت في الإقليم الشمالي بأستراليا، وكان أول طفل أبيض يولد في الجزيرة. وصله جهاز الكريستال قبل الكارثة بقليل وهو تلميذ في مدرسة داخلية، ودرس في مدرسة لونسستون تشيرش غرامر ثم ترينيتي غرامر. وجهاز الكريستال من أبسط أجهزة الاستقبال: لا يحتاج إلى بطارية، ويلتقط موجات البث بسلك هوائي وبلورة وسماعة. أن يسمع طفل أصواتاً تصل عبر الهواء من مسافات بعيدة، بجهاز يستطيع فكه وفهم أجزائه، كان كافياً ليفتح أمامه هواية اللاسلكي والإلكترونيات.

لم يتجه وارين إلى الطيران مباشرة. تخصص في الكيمياء، وانتهى به الطريق كيميائياً متخصصاً في وقود الطائرات في مختبرات أبحاث الطيران (ARL) بملبورن. اجتمع في شخص واحد ابن ضحية حادث جوي غامض، وهاوٍ للإلكترونيات منذ الطفولة، وباحث يعمل يومياً في مؤسسة تفكر في سلامة الطائرات.

ديفيد وارين مخترع الصندوق الأسود الذي فقد والده في طائرة ميس هوبارت
ديفيد وارين، الطفل الذي فقد أباه في الرحلة واخترع الصندوق الأسودالصورة: Uploaded first to de.wikipedia: 18:30, 27. Apr 2004 . . Avatar (Diskussion) . . — ويكيميديا كومنز (Public domain)

لماذا رفض رؤساء وارين فكرة الصندوق الأسود في البداية؟

رفضوها لأنهم لم يروا لها حاجة، وكان موقفهم أنها «لو كانت مفيدة لصنعها الأمريكيون من قبل». وقالت إدارة الطيران المدني الأسترالية إن للجهاز «فائدة مباشرة قليلة في الطيران المدني حالياً».

وُلدت الفكرة في أوائل الخمسينيات، حين كان وارين في الثامنة والعشرين. شارك في اجتماع لفريق يحقق في تحطم طائرة الكوميت النفاثة سنة 1953، وهي من أوائل طائرات الركاب النفاثة في العالم. كان قد رأى قبلها في معرض تجاري مسجل صوت صغيراً محمولاً من طراز «مينيفون»، فربط بين الأمرين: لو كان في القمرة جهاز يسجل أصوات الطيارين وقراءات الأجهزة، لعرف المحققون ما جرى بدل أن يخمنوه.

نشر وارين سنة 1954 تقريراً بعنوان «جهاز للمساعدة في التحقيق في حوادث الطائرات»، ولم يلقَ اهتماماً يُذكر. ويرى بعض من كتبوا عن تاريخ الاختراع أن الرفض لم يكن تقنياً فقط، فقد خشي الطيارون أن يتحول جهاز يسجل كلامهم إلى أداة رقابة عليهم، وكانت الجهات الرسمية تميل إلى انتظار ما يأتي من الدول الكبرى في صناعة الطيران.

واصل وارين العمل رغم ذلك. بنى سنة 1956 نموذجه الأولي باسم «وحدة ذاكرة الطيران ARL»، وكان يسجل على سلك فولاذي أربع ساعات من الأصوات، مع قراءات ثمانية أجهزة قياس كل ثانيتين.

كيف صار الصندوق الأسود إلزامياً في الطائرات؟

جاء الاعتراف من بريطانيا أولاً، ثم فرضته أستراليا بعد حادث محلي. في سنة 1958 عرض وارين جهازه في إنجلترا بدعوة من السير روبرت هاردينغهام، سكرتير مجلس تسجيل الطائرات البريطاني، وهناك أطلق صحفي على الجهاز اسم «الصندوق الأسود». وأنتجت شركة إس. دافال آند صن البريطانية أول نسخة تجارية منه، واسمها «البيضة الحمراء».

نقطة التحول في أستراليا جاءت سنة 1960. بعد التحقيق في تحطم طائرة فوكر فريندشيب قرب ماكاي في كوينزلاند، أوصت لجنة التحقيق بتركيب المسجل على الطائرات الأسترالية، فصارت أستراليا أول دولة في العالم تجعل تسجيل أصوات قمرة القيادة إلزامياً. وفي سنة 1967 صارت أيضاً أول دولة تفرض تركيب مسجل بيانات الرحلة ومسجل صوت القمرة معاً على كل الطائرات التوربينية المروحية والنفاثة. ثم انتشر المبدأ في العالم، وصار تحليل الصندوقين أول ما يفعله المحققون بعد أي حادث كبير.

توفي ديفيد وارين في ملبورن يوم 19 يوليو 2010 عن 85 عاماً. نال وسام ضابط في رتبة أستراليا سنة 2002، ومنحته منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) جائزة إدوارد وارنر سنة 2016 بعد وفاته.

أما «ميس هوبارت» نفسها فما زالت في قاع مضيق باس في مكان لا يعرفه أحد. وتدير هيئة التراث في فيكتوريا (Heritage Victoria) برنامجاً لحطام الطائرات الغارقة في مياه الولاية، وهو إطار يحمي هذا النوع من المواقع ويوثقه، وأي عثور مستقبلي على الطائرة قد يكون أول دليل مادي على ما حدث صباح ذلك اليوم.

الصندوق الأسود البرتقالي لتسجيل بيانات الطيران الذي ألهمت اختراعه كارثة ميس هوبارت
مسجل بيانات الطيران، الذي صار إلزامياً في الطائرات بعد فكرة وارينالصورة: NTSBgov — ويكيميديا كومنز (Public domain)

أهم النقاط

  • أقلعت «ميس هوبارت» من لونسستون الساعة 9 صباح الجمعة 19 أكتوبر 1934، وأرسلت آخر رسالة لاسلكية الساعة 10:20 فوق جزيرة رودوندو، ثم اختفت فوق مضيق باس.
  • كانت الطائرة أول طائرة إنتاج من طراز DH.86، ودخلت الخدمة المنتظمة في 3 أكتوبر 1934، وفي قمرتها مقعد قيادة واحد لطيارين.
  • لم يحدد تحقيق لونسستون، الذي بدأ في 30 أكتوبر 1934، سبباً مرجحاً للحادث. من الفرضيات: نفاد الوقود، أو هبوط اضطراري على الماء، أو فقدان السيطرة أثناء تبادل الطيارين المقعد.
  • تشير المصادر إلى توصية بمنع تبادل الطيارين أماكنهم أثناء الطيران. وبعد تحطم طائرة كانتاس من الطراز نفسه بنحو أربعة أسابيع، أُعيد تصميم المقدمة لتتسع لطيارين.
  • فقد ديفيد وارين أباه في التاسعة، وكانت آخر هدية منه جهاز راديو كريستال.
  • رفض رؤساؤه فكرة المسجل في البداية بحجة أنها لو كانت مفيدة لصنعها الأمريكيون، لكنه بنى نموذجاً أولياً سنة 1956.
  • فرضت أستراليا تسجيل أصوات القمرة بعد حادث ماكاي سنة 1960، ثم فرضت المسجلين معاً سنة 1967.
  • لم يُعثر على حطام «ميس هوبارت» حتى اليوم.

أسئلة شائعة

هل عُثر على حطام طائرة «ميس هوبارت»؟

لا. رُصدت بقعة زيت قرب جزيرة سيتادل، وشوهد من الجو بعد ثلاثة أيام ما قد يكون حطاماً، لكن السفن لم تصل إليه لهياج البحر. ولم يُعثر على الطائرة ولا على ركابها حتى اليوم.

من كان قائد طائرة «ميس هوبارت»؟

كان على متنها طياران: الكابتن فيكتور هوليمان، مؤسس شركة «هوليمانز إيرويز»، وجيلبرت جينكينز، الطيار السابق في سلاحي الجو الأسترالي والكندي. ولأن القمرة فيها مقعد واحد، فلا يُعرف على وجه اليقين من كان يقود الطائرة لحظة الحادث.

لماذا يسمى مسجل الطيران «الصندوق الأسود» رغم أن لونه برتقالي؟

أطلق صحفي بريطاني هذا الاسم على جهاز وارين حين عُرض في إنجلترا سنة 1958، وبقي الاسم. وأول نسخة تجارية من الجهاز كان اسمها «البيضة الحمراء»، والمسجلات الحديثة تُطلى بلون فاقع ليسهل العثور عليها بين الحطام.

ماذا كان يسجل أول صندوق أسود صنعه ديفيد وارين؟

كان نموذج 1956، المسمى «وحدة ذاكرة الطيران ARL»، يسجل على سلك فولاذي أربع ساعات من أصوات القمرة. وكان يسجل معها قراءات ثمانية أجهزة قياس كل ثانيتين.

ما أول دولة جعلت الصندوق الأسود إلزامياً؟

أستراليا. فرضت تسجيل أصوات قمرة القيادة بعد التحقيق في تحطم فوكر فريندشيب قرب ماكاي سنة 1960، ثم فرضت سنة 1967 مسجل البيانات ومسجل الصوت معاً على كل الطائرات التوربينية المروحية والنفاثة.

متى توفي ديفيد وارين؟

توفي في ملبورن يوم 19 يوليو 2010 عن 85 عاماً. ومنحته منظمة الطيران المدني الدولي جائزة إدوارد وارنر سنة 2016 بعد وفاته.

الخلاصة

بقيت قضية «ميس هوبارت» بلا جواب لأن المحققين لم يملكوا عام 1934 أي سجل لما دار في قمرتها، فاكتفوا بالطقس والمدى وبقعة الزيت. هذه الثغرة هي التي سدها ديفيد وارين بعد عقدين. اليوم يُستخرج المسجلان بعد أي حادث طيران كبير، ومنهما يُعرف في الغالب سبب الحادث، فيتعدل تصميم أو إجراء أو تدريب قبل أن يتكرر الخطأ. والدرس الذي تتركه القصة لمن يعمل في أي مجال تقني أن الحجة التي واجهت وارين، «لو كانت مفيدة لصنعها غيرنا»، يمكن أن تؤخر فكرة صحيحة سنوات. أما ما يمكن أن يأتي لاحقاً فمعلّق بالعثور على الطائرة نفسها: إذا وُجد حطامها يوماً في قاع مضيق باس، فسيكون أول دليل مادي على ما جرى بعد الساعة 10:20 من صباح 19 أكتوبر 1934، وأول فرصة للتحقق من الفرضيات التي بقيت معلقة 92 عاماً.