برج الريح السابع — وادي الصدى
auto_stories برج الريح السابع الفصل الثالث

وادي الصدى

في الصحراء، كل كلمة تقولها قد تعود إليك وقد صارت أكبر وأخبث، وقد تصير جداراً يحبسك.

menu_book اقرأ الفصل · 4 دقائق

headphones استمع للحكاية كاملة · 6 دقائق

الفصل الثالث: وادي الصدى

«مَن... مَن الذي يردّ علينا؟» همس نادر، فجاءه الجواب من خلف الكثبان بصوت أجشّ ثقيل: «علينا... علينا... علينا...». التصق نادر بسلمى حتى كاد قمعه النحاسي يوقعها، أما زعتر فنفخ في أذنيه الكبيرتين وقال بضجر: «اهدأ يا صاحب القمع. لا أحد يردّ علينا. هذا وادي الصدى، يعيد كل ما نقوله. لكنه لا يعيده كما هو، بل يعيده أكبر وأخبث.»

صوتٌ ثقيل يردّ عليهم من خلف الكثبان. لا أحد هناك... إلا الوادي الذي يعيد كل شيء.
صوتٌ ثقيل يردّ عليهم من خلف الكثبان. لا أحد هناك... إلا الوادي الذي يعيد كل شيء.

سار الثلاثة خلف الخيط اللامع حتى وقفوا على حافة شقّ واسع بين جبلين من الصخر الأحمر. كانت الريح القديمة قد نحتت الصخور على هيئات عجيبة: صخرة كالجمل الرابض، وصخرة كالوجه العابس، وصخور كثيرة مثقوبة كأنها آذان عملاقة تنتظر أن تسمع شيئاً. وكان الخيط الفضي ينحدر إلى قاع الوادي ويختفي بين الظلال. رفع زعتر ذيله وقال بجدية: «قاعدة الوادي واحدة: كل كلمة تصير صدى، وكل صدى يصير طريقاً. ومن يتكلم كثيراً يضيع بين طرقه.» فتح نادر دفتره وكتب بخط كبير: «لا تتكلم.» ثم همس: «وهل الهمس يُعدّ كلاماً؟» فردّت الصخور: «كلاماً... كلاماً...» فوضع يده على فمه بسرعة.

كل كلمة تصير صدى، وكل صدى يصير طريقاً. ومن يتكلم كثيراً يضيع بين الطرق.
كل كلمة تصير صدى، وكل صدى يصير طريقاً. ومن يتكلم كثيراً يضيع بين الطرق.

نزلوا بحذر، خطوة بعد خطوة، صامتين. لم يكن يُسمع إلا صرير الرمل تحت أقدامهم وأنفاس نادر المتقطعة. لكن الخيط اللامع صار يبهت كلما توغّلوا، حتى صار نقاطاً متفرقة كالنجوم البعيدة. رفعت سلمى رأسها، فرأت القمر يميل نحو الغرب أكثر فأكثر، وتذكّرت عيني جدتها البعيدتين. ضاق صدرها، ولم تعد تحتمل الانتظار. وضعت يديها حول فمها وصاحت بكل قوتها: «أين أنتِ أيتها الريح؟ أجيبيني!»

القمر يميل، وصبر سلمى ينفد. فصاحت... ونسيت قاعدة الوادي.
القمر يميل، وصبر سلمى ينفد. فصاحت... ونسيت قاعدة الوادي.

انفجر الوادي بالأصوات. عاد صوتها من مئة جهة، لكنه تغيّر وتشوّه: «أين أنتِ... ضِعتِ... ضِعتِ... لن تجيبكِ... أبداً...». ودارت الأصداء بين الصخور كدوامات الرمل، وحيثما دارت ارتفعت جدران شفافة لامعة تهتزّ كالهواء فوق الرمل الساخن. وتناثر الخيط الفضي إلى مئات الخيوط، كل خيط منها يلمع في اتجاه مختلف. شهق نادر: «سلمى... الوادي يبني متاهة من كلامكِ!»

عاد صوتها من مئة جهة، مشوّهاً وساخراً. والوادي يبني من كلماتها متاهة لامعة.
عاد صوتها من مئة جهة، مشوّهاً وساخراً. والوادي يبني من كلماتها متاهة لامعة.

لم تتوقف سلمى. «من هنا!» وركضت وراء أقرب خيط. ركض نادر خلفها يصيح: «سلمى، انتظري!» فردّت الجدران: «انتظري... لا تنتظري... لا تنتظري...». انعطفت يميناً ثم يساراً، فإذا بجدار يهتزّ أمامها. عادت فوجدت صخرة الجمل الرابض نفسها. ركضت في طريق آخر، فوصلت إلى صخرة الجمل مرة ثانية، ثم ثالثة. وكلما ارتجف نادر وتمتم، ردّت الأصداء ساخرة: «خائف... خائف... خائف...». صرخ زعتر من على كتفها: «توقفي يا بنت!» فتضاعف صوته ألف مرة، وارتفع جدار جديد خلفهم مباشرة، فصاروا محبوسين في دائرة ضيقة من الأصوات.

وقفت سلمى تلهث، ووجهها محمرّ، والدموع تلسع عينيها. فتحت فمها لتصرخ مرة أخرى، ثم توقفت. سمعت في رأسها صوتاً دافئاً تعرفه جيداً: «الريح لا تحب المستعجلين يا صغيرتي... أصغي قبل أن تركضي.» أغمضت عينيها، ووضعت يدها على فمها، وجلست على الرمل. ثم أشارت لنادر وزعتر بإصبعها: صمتاً. جلس نادر بجانبها وضمّ قمعه، ونزل زعتر إلى حجرها وطوى أذنيه.

يميناً، يساراً... ثم صخرة الجمل من جديد. كل صرخة ترفع جداراً آخر حولهم.
يميناً، يساراً... ثم صخرة الجمل من جديد. كل صرخة ترفع جداراً آخر حولهم.

مرّ وقت طويل. أخذت الأصداء تخفت شيئاً فشيئاً، كما تخفت الدوائر في ماء البركة بعد أن يستقر الحجر في القاع. وبدأت الجدران اللامعة ترقّ حتى صارت كخيوط الحرير. ثم، في قلب ذلك الصمت، سمعت سلمى شيئاً صغيراً جداً: «تِن... تِن...» حبّات زجاج ترنّ، ومعها نسمة ضعيفة تكاد لا تُسمع، تدندن لحناً ناقصاً كأغنية نسيت نصف كلماتها. فتحت سلمى عينيها ببطء. كان خيط واحد فقط، من بين مئات الخيوط، يتوهّج كلما جاء ذلك اللحن. همست بلا صوت تقريباً: «إنها ريحنا. إنها محبوسة... وتنادينا.»

تذكّرت صوت جدتها: أصغي قبل أن تركضي. فجلست، وأغمضت عينيها، وصمتت.
تذكّرت صوت جدتها: أصغي قبل أن تركضي. فجلست، وأغمضت عينيها، وصمتت.

أمسكت سلمى يد نادر، ورفع زعتر أذنيه كهوائيين صغيرين، ومشوا خلف الخيط المتوهّج على أطراف أصابعهم. لم ينطق أحد بكلمة. وحين مرّوا بالجدران الرقيقة، تلاشت أمامهم كالضباب. وبعد قليل وجدوا أنفسهم يصعدون كثيباً عالياً خارج الوادي، والصخور المثقوبة صامتة خلفهم كأنها نائمة.

تِن... تِن... ولحنٌ ضعيف يدندن في الصمت. إنها ريحهم المحبوسة، وهي تناديهم.
تِن... تِن... ولحنٌ ضعيف يدندن في الصمت. إنها ريحهم المحبوسة، وهي تناديهم.

في أعلى الكثيب، تنفّس زعتر طويلاً وقال: «لم أرَكِ صامتة هكذا منذ عرفتكِ.» ابتسمت سلمى: «لقد عرفتني منذ ليلة واحدة فقط.» «وكانت أطول ليلة في حياتي!» ضحك نادر ضحكة صغيرة، ثم توقف فجأة ونظر إلى قمعه. كان القمع النحاسي ما زال يطنّ طنيناً خفيفاً. «انتظرا... حين كنا صامتين، كان القمع يرتجف. لقد التقط لحن الريح قبل أن نسمعه نحن!» ولمعت عيناه خلف نظارته المربوطة بالشريط اللاصق: «مِلقاط الأصوات لا يلتقط الحكايات القريبة فقط... إنه يلتقط الأصوات البعيدة أيضاً!»

اختراع نادر يلتقط الأصوات البعيدة! ومن بعيد... بكاء رجل حزين لا يتوقف.
اختراع نادر يلتقط الأصوات البعيدة! ومن بعيد... بكاء رجل حزين لا يتوقف.

وجّه نادر فتحة القمع الواسعة نحو الأفق، حيث كان بريق خافت يرتعش بين الكثبان، ووضع أذنه على طرفه الضيق. تغيّر وجهه. «سلمى... اسمعي.» وضعت سلمى أذنها، فسمعت صوتاً لم تتوقعه أبداً: بكاء. بكاء رجل حزين، متعب، كأنه يبكي منذ سنين طويلة، وبين شهقاته كلمات متقطعة: «لا تذهبي... ابقي هنا... لن أنساكِ... لن أنساكِ...». خفض زعتر أذنيه ولم يطلب تمرة. وقالت سلمى بصوت منخفض: «ظننته لصاً شريراً. لكن مَن يبكي هكذا... حزين جداً، يا نادر.» كتب نادر في دفتره ببطء: «صاحب المعطف الرمادي يبكي.» ثم أضاف تحتها: «لماذا؟»

وفجأة انقطع البكاء. ساد صمت ثقيل في القمع، ثم همس الصوت نفسه، قريباً هذه المرة، كأنه يتكلم في آذانهم مباشرة: «هناك من يُصغي إليّ...». وفي اللحظة نفسها، اشتعل في الأفق ألف بريق دفعة واحدة، وانكشف قصر القوارير كله تحت القمر، وكل قارورة فيه تستدير ببطء... نحوهم.

أبطال الحكاية

أبطال برج الريح السابع: سلمى، نادر، زعتر، الجدة ميمونة
الجدة ميمونة

الجدة ميمونة

حارسة البرج السابع وحكواتية المدينة

حكيمة وهادئة ودافئة الصوت، تحب المزاح الخفيف، وتؤمن أن الحكاية تُصغى إليها قبل أن تُروى. تحمل أسراراً قديمة عن البرج لم تخبر بها أحداً.

زعتر

زعتر

جربوع ناطق، ساعي الريح السابعة

متذمّر وسريع الكلام ومغرور قليلاً، يعشق التمر ويعتبر نفسه أهم كائن في المدينة. خلف تذمّره قلب مخلص، ويعرف أسرار الرياح أكثر من أي أحد.

نادر

نادر

صديق سلمى المخترع وابن النحّاس

ذكي ومنظّم ومحبّ للاختراعات، يكتب كل شيء في دفتره، لكنه خوّاف بشكل مضحك ويقع في المواقف المحرجة. وفيّ لصديقته حتى وهو يرتجف.

سلمى

سلمى

البطلة، حفيدة حارسة البرج السابع

فضولية وشجاعة وسريعة الحماس، لا تحب الانتظار وتريد أن تفعل كل شيء الآن. قلبها كبير، وعليها أن تتعلم أن الإصغاء قوة لا تقل عن الشجاعة.