أثرٌ من زجاج
حين نسيت الجدة ميمونة اسم حفيدتها، عرفت سلمى أن هذه الحكاية لن تنتظر حتى الصباح.
headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق
الفصل الثاني: أثرٌ من زجاج
وقفت سلمى في مكانها جامدةً، ويد جدتها ما زالت على خدّها. ظلّت الكلمتان «ابنةُ مَن أنتِ؟» تتردّدان في أذنها أعلى من أي جرس في سمران. خلع نادر نظارته، ومسحها بطرف ثوبه، ثم أعادها إلى عينيه، كأن العيب في الزجاج لا في الدنيا. أما زعتر، فلأول مرة منذ خرج من الجرس، لم يشكُ من الجوع.
ابتلعت سلمى ريقها، وأمسكت يدي جدتها كلتيهما وقالت: «أنا سلمى يا جدتي. سلماكِ أنتِ. وسأعيد إليكِ الريح، وسأعيد إليكِ اسمي، قبل أن يغيب هذا القمر. أعدكِ.» ابتسمت الجدة ابتسامة تائهة، ثم قالت بصوت خافت، كأن قطعة صغيرة في قلبها ما زالت تتذكر: «الريح لا تحب المستعجلين يا صغيرتي... أصغي قبل أن تركضي.» وجلست على الكرسي الخشبي قرب النافذة، تنظر إلى القمر وتقبض على عصاها ذات الجرس.
نزلت سلمى مسرعة، ونادت جارتهم أم حسن لتجلس مع الجدة. صعدت أم حسن الدرج وهي تلهث، وحدّقت في سلمى قليلاً ثم قالت: «أنتِ... لا بد أنكِ ابنة أناس طيبين يا حبيبتي.» انقبض قلب سلمى مرة أخرى، لكنها هذه المرة لم تبكِ. شدّت ظهرها، ولفّت صفّارة الهلال حول إصبعها، وقالت: «هيا بنا.»
قفز زعتر إلى كتفها، ولفّ ذيله ذا الخصلة البيضاء والسوداء حول عنقها كي لا يسقط، وأشار بأذنيه الكبيرتين إلى الأرض. كان الغبار الزجاجي اللامع ينحدر من البرج على الدرجات، ويمتد في الأزقة كخيط رفيع من الفضة. قال زعتر وهو يعدّل وشاحه الأحمر: «هذا الخيط آخر ما بقي من ريحي. سنتبعه، فيقودنا إلى صاحب المعطف الرمادي. لكن بشرط: أنا الدليل هنا، مفهوم؟» رفع نادر يده: «مفهوم... ولكن هل أستطيع أن أكتب هذا الشرط في دفتري؟»
ظلّوا يتبعون الخيط اللامع حتى دخلوا سوق النحّاسين. هذا السوق، في ليلة الحكايا خاصةً، يرنّ ويلمع، ويمتلئ بالضحك وطرق المطارق. لكن المطارق الليلة كانت صامتة. كان والد نادر واقفاً أمام دكانه يحمل وعاءً نحاسياً له صنبور طويل، وينظر إليه بحيرة: «يا نادر يا بني... ما اسم هذا الشيء؟ الذي نصبّ منه الماء؟» نظر نادر إلى سلمى، ثم قال بسرعة: «إبريق يا أبي! إبريق!» ردّد الرجل: «إبريق... إبريق»، وأخرج قطعة طباشير وكتب الاسم على الإبريق نفسه كي لا ينساه. أما نادر، فمن غير أن يراه أحد، فتح أول صفحة في دفتره، وكتب بخط كبير: «اسمي نادر. صديقتي سلمى.»
والأعجب من ذلك؟ كلما توغّلوا في السوق، ازداد النسيان. كان العطّار يمسك عود قرفة ويشمّه ويقول: «هذه التي رائحتها كالشتاء... ما اسمها يا ربي؟» وكانت بائعة الخبز تنادي على بضاعتها: «عندي... عندي المدوَّر الساخن!» وفي آخر السوق جلس صيادون يحاولون غناء أغنية الشباك، لكن الغناء كان يخرج «لا لا لا» ثم يتوقف في منتصفه. قال زعتر بصوت جادّ: «أرأيتم؟ حين تُحبس الحكايات، يبدأ الكلام نفسه بالضياع.»
عند ملتقى أربعة أزقة، صار الخيط اللامع باهتاً جداً، لا يكاد يُرى. لم تنتظر سلمى. «من هنا!» وركضت في زقاق إلى اليمين، ونادر خلفها بقمعه، فتعثّر بسلة برتقال، وتدحرج البرتقال في كل مكان. صاح زعتر: «يا بنت، انتظري! هذا الأثر لا يُرى بالركض!» عادت سلمى خجلى تلهث. نزل زعتر عن كتفها، ووضع أذنه الكبيرة على الأرض، وأغمض عينيه. «اصمتوا... أصغوا.» تذكّرت سلمى كلام جدتها، فصمتت وأغمضت عينيها هي أيضاً. وبعد قليل سمعته: صوتاً صغيراً جداً، «تِن... تِن...»، كحبّات زجاج يرنّ بعضها ببعض، آتياً من الزقاق الذي على اليسار.
قادهم ذلك الزقاق إلى طرف المدينة، قرب بوابة الصحراء، أمام ورشة قديمة بابها خشبي متشقق، ولافتتها ممحوّ نصفها، لم يبقَ منها إلا «ورشة... الزجّاج». كان الخيط اللامع يدخل من تحت الباب مباشرة. همس نادر: «رأيي أن نطرق الباب أولاً... فإن ردّ أحد، نرحل.» لم تجب سلمى، ودفعت الباب، فأصدر صريراً طويلاً جعل نادر يختبئ خلف قمعه.
في الداخل كان فرن زجاج كبير، بارد كالحجر، وحوله مئات القوارير الفارغة بكل الألوان: أزرق كالبحر، وأخضر كالنخل، وعسلي كالرمل. وكان عليها غبار وخيوط عنكبوت، كأن أحداً لم يلمسها منذ سنين. وكان الغبار اللامع كله متجمعاً فوق طاولة العمل، فوق ورقة كبيرة ملفوفة. بسطتها سلمى في ضوء القمر، فشهق ثلاثتهم. رسمة لقصر عجيب في وسط الصحراء، جدرانه وقبابه كلها مصنوعة من القوارير. وأمامه وادٍ مرسوم بخطوط متعرّجة كالموج، وقد كُتب بجانبه: «وادي الصدى». وفي الزاوية السفلى، بخط صغير مائل: «كي لا تضيعي مني أبداً.»
جلس نادر على الأرض، وفتح دفتره، وبدأ يكتب بيد مرتعشة: «قصر قوارير. في وسط الصحراء. ليلاً. ووادٍ اسمه الصدى! أي أن فيه عقارب، ورمالاً تبتلع، وأصواتاً تردّ وحدها، وجوعاً...» قاطعه زعتر: «الجوع من اختصاصي أنا، لو سمحت.» نظرت سلمى من النافذة إلى القمر، وكان قد بدأ يميل نحو الغرب قليلاً. قالت بهدوء: «جدتي لا تتذكرني يا نادر. لو انتظرنا حتى الصباح، فربما تنساني أنت أيضاً.»
سكت نادر قليلاً، ونظر إلى أول صفحة في دفتره، ثم نهض وحمل القمع على ظهره. «أنا لست ذاهباً لأنني شجاع، بالمناسبة. أنا ذاهب لأنكِ لو نسيتِني، فمن سيذكّركِ بأن لكِ صديقاً اسمه نادر؟» ضحكت سلمى من قلبها لأول مرة في تلك الليلة، وعانقته، فاصطدم القمع برأسها. أدار زعتر عينيه وقال: «يكفي يا جماعة، كفى عواطف. وهاتِ تمرة يا صاحب القمع، فالطريق طويل.»
وخرج الثلاثة من بوابة سمران، والخيط اللامع أمامهم يتلوّى بين الكثبان الذهبية تحت ضوء القمر. وضعت سلمى يدها على صفّارة الهلال التي قالت جدتها إنها «للأيام الصعبة»، وهمست لنفسها: «وإن لم يكن هذا يوماً صعباً، فماذا يكون؟»
movie ملخّص الفصل الثاني
الحكاية في فيديو · 2 دقائق
اتفرّجوا عليها مع العيلة، وشاركوها مع أصحابكم.
أبطال الحكاية