الليلة التي سكتت فيها الريح
في مدينة سَمَران، لم تكن الريح تهبّ فقط... كانت تحكي، وفي تلك الليلة، سكتت.
headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق
الفصل الأول: الليلة التي سكتت فيها الريح
في مدينة سَمَران، حيث يلتقي البحر الأزرق برمال الصحراء الذهبية، لم تكن الريح مجرد هواء يحرّك أشرعة المراكب. كانت ريحاً تحكي. فوق بيوت المدينة الطينية ارتفعت سبعة أبراج للريح، لكل برج نافذة مفتوحة نحو السماء، ولكل برج ريح تحمل شيئاً مختلفاً: ريح تحمل رائحة الخبز الساخن، وريح تحمل أغاني الصيادين، وريح تحمل برودة الفجر. أما البرج السابع، أعلاها وأقدمها، فكانت ريحه تحمل الحكايات.
في كل ليلة يكتمل فيها القمر، كان أهل سمران يصعدون إلى أسطح بيوتهم، يفرشون السجاد الملوّن، ويصبّون القهوة بالهيل، ويوزّعون التمر والمعمول، وينتظرون. وحين تقرع حارسة البرج جرسها، تهبّ ريح دافئة في الأزقة، وتهمس في أذن كل واحد بحكاية من حكايات أجداده: حكاية جدّ عبر البحر في عاصفة، أو جدّة زرعت أول نخلة في الواحة. كانوا يسمّونها «ليلة الحكايا».
وكانت حارسة البرج السابع هي الجدة ميمونة، وكانت حفيدتها سلمى ترى أن هذه الليلة تتأخر دائماً أكثر مما يجب. «جدتي، لماذا لا تقرعين الجرس الآن؟ الناس ينتظرون!» ابتسمت الجدة وهي تلمّع الجرس النحاسي الصغير في رأس عصاها: «الريح لا تحب المستعجلين يا سلمى. الحكاية تُصغى إليها أولاً، ثم تُروى.» نفخت سلمى خصلة من شعرها المجعّد عن وجهها، وعبثت بصفّارة الهلال النحاسية المعلّقة في عنقها، تلك التي أهدتها لها جدتها يوم ميلادها وقالت إنها «للأيام الصعبة». «أنا أصغي منذ ساعة كاملة يا جدتي!»
قبل أن تجيب الجدة، سُمعت قرقعة عالية عند باب البرج، ودخل نادر، صديق سلمى وابن النحّاس، يجرّ خلفه قمعاً نحاسياً ضخماً أكبر منه. «ما هذا؟» سألت سلمى. رفع نادر نظارته المربوطة بشريط لاصق وقال بفخر: «هذا مِلقاط الأصوات! اختراعي الجديد. سألتقط به الحكايات وأحفظها في دفتري، فلا تضيع حكاية واحدة بعد اليوم.» ضحكت الجدة: «الحكايات يا بُني لا تُحبس في القموع.» «ولا في الدفاتر؟» «ولا في الدفاتر. الحكاية تعيش حين تنتقل من قلب إلى قلب.» هزّ نادر رأسه كأنه فهم، ثم همس لسلمى: «سأجرّبه على أي حال.»
حين صار القمر فوق البرج تماماً، وقفت الجدة ميمونة عند الشرفة العالية، ورفعت عصاها، وقرعت الجرس ثلاث مرات. دَنن... دَنن... دَنن. صمتت المدينة كلها. الأطفال على الأسطح أغمضوا عيونهم، والصيادون في الميناء توقفوا عن ربط الحبال، وحتى القطط جلست على الجدران تنتظر. لكن... لم يحدث شيء. لا همس. لا نسمة. لم تتحرك شعرة واحدة من شعر سلمى. الفوانيس الملونة المعلقة بين البيوت ارتعشت ارتعاشة صغيرة، ثم سكنت.
قرعت الجدة الجرس مرة أخرى، ثم مرة ثالثة. ارتفعت همهمة قلقة من الأسطح، وصاح أحدهم: «يا حارسة البرج! أين الريح؟» نظرت سلمى إلى جدتها، فرأت في عينيها شيئاً لم تره من قبل: الخوف. قالت الجدة بصوت منخفض: «تعالي يا سلمى. يجب أن نصعد إلى قلب الريح.»
صعدتا الدرج الحلزوني الضيق، ونادر يلهث خلفهما ويصطدم قمعه بكل درجة. في أعلى البرج كانت هناك غرفة دائرية صغيرة، تتدلّى من سقفها عشرات الأجراس النحاسية الرقيقة، تُسمّى «قلب الريح». في كل ليلة حكايا كانت هذه الأجراس ترنّ وحدها كأنها تضحك. أما الليلة، فكانت معلقة بلا حراك، باردة كالحجر. وعلى الأرض، في ضوء القمر الداخل من النافذة، لمع شيء. انحنت سلمى ولمسته بإصبعها: «غبار... لكنه يلمع مثل الزجاج المكسور.»
وفجأة اهتزّ جرس صغير في الزاوية، وخرج منه صوت غاضب: «أخرجوني من هنا! أيّ واحد! حتى ذلك الولد ذو النظارة!» تجمّد نادر: «س... سلمى؟ الجرس يتكلم.» مدّت سلمى يدها بحذر وقلبت الجرس، فسقط منه جربوع صغير بلون الرمل، أذناه أكبر من رأسه، وذيله طويل ينتهي بخصلة سوداء وبيضاء، ويلفّ حول عنقه وشاحاً أحمر صغيراً. نفض الغبار عن نفسه وقال: «أخيراً! ثلاث ساعات وأنا محشور هناك مثل تمرة في علبة!» صرخ نادر وسقط جالساً داخل قمعه.
لم تتفاجأ الجدة. قالت بهدوء: «أهلاً يا زعتر. لم أرك منذ زمن طويل.» «تعرفينه؟!» قالت سلمى ونادر معاً. رفع الجربوع أنفه بفخر: «أنا زعتر، ساعي الريح السابعة. أركبها كل ليلة حكايا وأوصل الحكايات إلى البيوت البعيدة في الواحة. لكن ريحي اختفت، فسقطت ككيس طحين.» ثم شمّ الهواء وأضاف: «وهل في جيب أحدكم تمرة؟ لا أفكر جيداً وأنا جائع.» أخرج نادر بيد مرتجفة تمرة من أحد جيوبه الكثيرة، فالتهمها زعتر في لحظة وقال: «أنت أفضل مما تبدو يا صاحب القمع.»
«اختفت كيف؟» سألت سلمى. خفض زعتر أذنيه الكبيرتين: «عند العصر، صعد رجل يلبس معطفاً طويلاً بلون الرماد، يحمل قارورة زجاجية كبيرة. فتح غطاءها عند النافذة، فدخلت الريح كلها فيها كما يدخل الماء في الإسفنج. حاولتُ أن أعضّ إصبعه، فرماني في الجرس.» همس نادر: «قارورة؟ يعني... أحدهم سرق الريح؟»
في تلك اللحظة ارتفعت من الأسطح أصوات غريبة. لم تكن أصوات قلق هذه المرة، بل أصوات حيرة. اقتربت سلمى من النافذة، فسمعت جارهم الصياد يقول: «كانت هناك حكاية عن جدّي والعاصفة... كيف تبدأ؟ لا أتذكر.» وقالت امرأة أخرى: «وأنا نسيت الأغنية التي كانت أمي تغنيها لي!» قال زعتر بصوت جادّ لأول مرة: «هكذا يبدأ الأمر. حين تُحبس ريح الحكايات، ينسى الناس حكاياتهم أولاً... ثم ينسون ما هو أقرب.»
أمسكت الجدة عصاها بقوة: «لا تخافوا. سأحكي لهم بنفسي، كما فعلت جدتي من قبلي.» وخرجت إلى الشرفة، ورفعت صوتها الدافئ فوق المدينة: «كان يا ما كان، في قديم الزمان، فتاة صغيرة زرعت نخلة على شاطئ البحر، وقالت لها...» وتوقفت. انتظرت سلمى. انتظر الناس على الأسطح. لكن الجدة ظلّت تحدّق في القمر، وشفتاها مفتوحتان، كأن الكلمة التالية طارت بعيداً مع الريح المسروقة.
«جدتي؟» اقتربت سلمى وأمسكت يدها. «ماذا قالت الفتاة للنخلة؟ أنتِ تحكين هذه الحكاية كل سنة!» التفتت الجدة ببطء، ونظرت إلى سلمى طويلاً بعينين لطيفتين لكنهما بعيدتان جداً، ثم ربّتت على خدها وقالت بصوت حائر: «ما أجمل عينيكِ يا صغيرتي... ابنة مَن أنتِ؟»
movie ملخّص الفصل الأول
الحكاية في فيديو · 2 دقائق
اتفرّجوا عليها مع العيلة، وشاركوها مع أصحابكم.
أبطال الحكاية