نعم، جزء من المخ يواصل العمل على اللغة تحت التخدير الكلي. هذا ما وجدته دراسة نشرتها مجلة «نيتشر» عام 2026: الحُصين، وهو منطقة في عمق الفص الصدغي، ظل يعالج الكلام لدى مرضى خُدّروا بعقار البروبوفول. فرّقت خلاياه بين الأسماء والأفعال والصفات، والتقطت معاني الكلمات، وأظهرت نشاطاً استباقياً يبدو أنه يتوقع الكلمة التالية في الجملة، والمريض غائب عن الوعي تماماً. ولا تعني النتيجة أن المريض يسمع بوعي أو يتذكر ما قيل حوله.
الدراسة صغيرة الحجم ودقيقة جداً في الوقت نفسه. شارك فيها سبعة مرضى فقط، وسجّل الباحثون منهم نشاط 651 خلية عصبية، كل خلية على حدة، داخل غرفة العمليات وأثناء جراحة حقيقية. ولم يُستخدم هذا المستوى من الدقة في الحُصين البشري تحت التخدير من قبل.
قال قائد الفريق، جرّاح الأعصاب سمير شيث من كلية بايلور للطب: «نتائجنا تُظهر أن الدماغ أكثر نشاطاً وقدرة أثناء غياب الوعي مما كنا نعتقد». وبعد أشهر من نشرها، ما زالت الدراسة تثير الأسئلة نفسها: ماذا يفعل المخ ونحن متخدرون؟ وهل يغيّر ذلك فهمنا للوعي؟ وإلى أي حد يمكن الاعتماد على نتائجها؟
من أجرى الدراسة وماذا وجد؟
أجرى الدراسة فريق من كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال في هيوستن بقيادة الدكتور سمير شيث، ونُشرت في «نيتشر» بعنوان «اللدونة واللغة في الحُصين البشري تحت التخدير» (Plasticity and language in the anaesthetized human hippocampus). وخلاصتها أن خلايا الحُصين تتعلم وتعالج اللغة على مستوى متقدم والمريض في تخدير كلي.
الباحث الأول في الورقة هو كاتلوفيتز (Katlowitz)، وظهرت في المجلد 654 من المجلة لعام 2026 برقم تعريفي DOI 10.1038/s41586-026-10448-0. أما شيث فهو جرّاح أعصاب وأستاذ في كلية بايلور للطب، ويدير مختبرات «كين» في معهد دنكان لأبحاث الأعصاب التابع لمستشفى تكساس للأطفال. وشارك في تأليف الدراسة بنجامين هايدن بصفته مؤلفاً رئيسياً مشاركاً.
خرجت الدراسة بنتيجتين. الأولى أن الحُصين يتعلم دون وعي، وقد ظهر ذلك في تجربة نغمات بسيطة. والثانية أنه يعالج الكلام المسموع، فيصنّف الكلمات ويلتقط معناها ويستبق ما يأتي بعدها. وكانت النتيجة الثانية هي التي لفتت انتباه الناس، لأنها تمس تجربة يعرفها ملايين خضعوا لعمليات جراحية: كانوا نائمين على طاولة العمليات وحولهم أطباء وممرضون يتحدثون.

كيف سجّل الباحثون نشاط خلايا عصبية مفردة لمرضى تحت التخدير؟
سجّل الباحثون النشاط أثناء جراحات علاجية لمرضى مصابين بصرع لا يستجيب للأدوية، واستعملوا مجسات دقيقة جداً اسمها «نيوروبيكسلز» (Neuropixels) تُغرس مباشرة في نسيج الحُصين. وهي تلتقط إشارات كل خلية عصبية وحدها، لا متوسط نشاط ملايين الخلايا.
كانت الجراحات من نوع استئصال الفص الصدغي الأمامي، وهو إجراء معروف لعلاج بعض حالات الصرع المقاوم. وفي أثناء هذه العملية يصل الجرّاحون إلى الحُصين مؤقتاً، والنسيج الذي سُجّل منه كان سيُستأصل في كل الأحوال ضمن العلاج. ولهذا السبب لم يكن هناك خطر إضافي يُذكر على المرضى، وتمكّن العلماء من الوصول إلى منطقة يصعب جداً الوصول إليها في الإنسان الحي.
يكمن الفرق في الدقة. يقيس تخطيط الدماغ الكهربائي من فروة الرأس نشاطاً كهربائياً مجمّعاً يمر عبر الجمجمة والجلد، فلا يستطيع أن يحدد ما تفعله خلية بعينها، ولا يصل بوضوح إلى البنى العميقة مثل الحُصين. أما مجسات نيوروبيكسلز فتسجل «لغة» الخلايا نفسها: متى تُطلق إشاراتها، وبأي قوة، واستجابةً لأي شيء. وتقول التغطيات العلمية إنها المرة الأولى التي تُستخدم فيها هذه التقنية في الحُصين البشري تحت التخدير.
خُدّر المرضى جميعاً بالبروبوفول، وهو من أكثر أدوية التخدير الكلي استخداماً، وأُبقي التخدير عند مستويات ثابتة. هذا التفصيل مهم: يعني أن النشاط المسجّل لم يكن بسبب مريض يفيق تدريجياً أو تخدير يتذبذب عمقه، بل حدث في حالة غياب وعي مستقرة.

ماذا حدث في تجربة النغمات؟
التقطت خلايا الحُصين النغمة غير المتوقعة، وازدادت استجابتها لها قوة خلال جلسة استمرت نحو عشر دقائق. وفسّر الباحثون ذلك بأنه تعلّم ولدونة عصبية تحدث بلا وعي.
قُسّم المرضى السبعة على تجربتين. ثلاثة منهم سمعوا سلسلة من النغمات المتكررة تقطعها من حين لآخر نغمة شاذة مختلفة. هذا التصميم معروف في علوم الأعصاب لاختبار قدرة المخ على رصد المفاجأة، أي ملاحظة ما يخرج عن النمط. ولم تكتفِ خلايا الحُصين بتمييز النغمة الشاذة، بل صارت استجابتها لها أقوى مع مرور الدقائق. أي أن شيئاً في الدائرة العصبية تغيّر بالخبرة، وهذا تعريف التعلم ببساطة.
ولكي يختبر الفريق مصدر هذا التعلم، درّب شبكة عصبية حاسوبية متكررة (RNN) على مهمة النغمات نفسها، فأعادت الشبكة إنتاج النمط الذي ظهر لدى المرضى. ويوحي ذلك بأن الدوائر المحلية داخل الحُصين قادرة وحدها على هذا التعلم، دون أن تحتاج إلى «إشراف» من مناطق الوعي العليا في القشرة. وتبقى هذه قراءة تفسيرية مبنية على نموذج حاسوبي، وليست إثباتاً تشريحياً.
ماذا يعني أن الحُصين يميّز أنواع الكلمات ويتوقع ما يليها؟
يعني ذلك أن خلايا الحُصين لم تستقبل الكلام كأصوات فقط، بل صنّفته نحوياً ودلالياً: ميّزت الأسماء من الأفعال والصفات، وجمعت الكلمات المتقاربة في المعنى، وأظهرت نشاطاً يسبق الكلمة القادمة كأنها تخمّنها. وتشبه قوة هذه الاستجابات ما يُسجَّل لدى مرضى مستيقظين.
في التجربة الثانية استمع المرضى الأربعة الباقون، وهم تحت التخدير، إلى قصص حقيقية من بودكاست «The Moth Radio Hour» المعروف بحكاياته الشخصية التي يرويها أصحابها. واختار الباحثون كلاماً طبيعياً متصلاً بدل قوائم كلمات معزولة، فاقتربت التجربة من الطريقة التي نسمع بها اللغة فعلاً.
جاءت النتائج على مستويات متعددة. بعض الخلايا فرّق الأسماء عن غيرها من الكلمات. وخلايا أخرى عاملت كلمتي «كلب» و«قطة» كأنهما أقرب إلى بعضهما من «كلب» و«قلم». هذا التمييز لا يأتي من الصوت، فالكلمات الثلاث لا تتشابه صوتياً بطريقة تفسره، وإنما من المعنى: حيوانان أليفان في مقابل أداة للكتابة. واستجابت الخلايا لتكرار الكلمة في اللغة، ولقسمها من أقسام الكلام، ولفئتها، مثل أن تكون مكاناً أو عاطفة أو شيئاً، في نحو 86% من الحالات، وهي نسبة قريبة مما يُسجَّل لدى المستيقظين.
ويبقى الجزء الأكثر إثارة هو التوقع. رصد الباحثون نشاطاً استباقياً يبدو أنه يتوقع الكلمات التالية في الجملة، وقال شيث: «يبدو أن الدماغ يتوقع ما سيأتي بعد ذلك في القصة حتى دون وعي». وقارن الباحثون ذلك بطريقة عمل النماذج اللغوية الكبيرة في الذكاء الاصطناعي، التي تقوم أساساً على تخمين الكلمة التالية. ولا يزال سؤال مهم بلا إجابة: هل هذه الإشارة تنبؤ حقيقي بما سيأتي، أم مجرد انعكاس لسياق الكلام الذي سبقها؟ فالتمييز بين الاحتمالين صعب، وهو ما لم تحسمه الدراسة.
هل يتعارض هذا مع ما نعرفه عن عمل التخدير والوعي؟
لا يتعارض بالضرورة. يرى الباحثون أن الوعي ينشأ على الأرجح من التواصل والتنسيق بين مناطق متعددة في الدماغ، لا من نشاط منطقة واحدة. فحتى لو عمل الحُصين بكفاءة، لا يعني ذلك أن المريض واعٍ.
تتسق هذه الفكرة مع أبحاث سابقة. ففي عام 2012 نشر لويس وزملاؤه في مجلة PNAS دراسة على مرضى صرع أيضاً، ووجدوا أن فقدان الوعي بالبروبوفول تزامن مع ظهور موجات بطيئة غير متزامنة عبر القشرة. وبقيت الشبكات العصبية المحلية سليمة وتعمل، لكنها صارت معزولة عن بعضها في الزمان والمكان. يمكن تشبيه ذلك بمكتب فيه أقسام كثيرة ما زالت تعمل، لكن خطوط الهاتف بينها انقطعت، فلا يصل شيء إلى الإدارة التي تجمع الصورة.
بهذه القراءة تكمل الدراسة الجديدة الصورة القديمة ولا تهدمها. فالتخدير لا يطفئ المخ كله كما يُطفأ مصباح، بل يقطع الحوار بين مناطقه. والحُصين، كما يبدو، يواصل عمله المحلي داخل هذه الجزيرة المعزولة.
لكن الدراسة تهز افتراضاً آخر. قال هايدن: «هذا النوع من الترميز التنبؤي شيء نربطه عادةً بحالة اليقظة والانتباه». وقال شيث إن العمل «يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى أن نكون واعين». فإذا كان الفهم الدلالي والتوقع يحدثان دون وعي، فما الذي يضيفه الوعي بالضبط؟ ولا تملك الدراسة إجابة، وقد نبّه موقع BrainFacts التابع لجمعية علوم الأعصاب الأمريكية (SfN) يوم 4 يونيو 2026 إلى أنها لا تحسم الجدل الأوسع حول ماهية الوعي وكيف ينتجه الدماغ.

ما حدود الدراسة وما الذي لا يجب أن نستنتجه منها؟
أهم حدودها صغر العينة: سبعة مرضى، كلهم مصابون بالصرع، وقد قُسّموا على تجربتين، فلم يستمع للقصص إلا أربعة منهم. ولم تفحص الدراسة إلا تخدير البروبوفول ومنطقة واحدة من الدماغ، ولم تختبر ما يتذكره المرضى بعد الإفاقة.
كل حد من هذه الحدود يمنع استنتاجاً بعينه. لا يجوز تعميم النتائج على النوم الطبيعي أو الغيبوبة أو أنواع التخدير الأخرى، لأن آليات كل حالة مختلفة. ومرضى الصرع المقاوم للأدوية فئة خاصة، وقد يختلف نسيج الحُصين لديهم عن غيرهم بعد سنوات من النوبات. كما أن التركيز على الحُصين وحده لا يخبرنا بما كانت تفعله بقية مناطق المخ في الوقت نفسه.
الاستنتاج الأخطر الذي يجب تجنبه هو القول إن المريض المخدَّر «يسمع» ما يقال في غرفة العمليات ويتذكره. فالدراسة لم تسأل المرضى بعد الإفاقة عن أي شيء سمعوه، ولا تثبت أنهم أدركوا الكلام أو احتفظوا به. أن تعالج خلية الكلام شيء، وأن يعيه صاحبها شيء آخر.
ويجب كذلك عدم الخلط بين هذه النتائج وظاهرة «الوعي أثناء التخدير»، وهي ظاهرة مختلفة تماماً يستيقظ فيها المريض جزئياً أثناء العملية ويتذكر بعد ذلك. وقد وجدت دراسة أمريكية متعددة المراكز عام 2004 شملت 19,575 مريضاً 25 حالة من هذا النوع، أي بنسبة 0.13%، وهو ما يعادل حالة أو حالتين لكل ألف مريض. أما مرضى دراسة «نيتشر» فكانوا في تخدير ثابت وغياب وعي كامل.
أهم النقاط
- سجّلت دراسة في «نيتشر» نشاط 651 خلية عصبية مفردة في الحُصين لدى سبعة مرضى صرع، وهم تحت تخدير كلي بالبروبوفول.
- التسجيل جرى بمجسات «نيوروبيكسلز» أثناء استئصال الفص الصدغي الأمامي، ومن نسيج كان سيُستأصل في كل الأحوال.
- في تجربة النغمات قويت استجابة الخلايا للنغمة الشاذة خلال نحو عشر دقائق، أي أنها تعلمت دون وعي.
- فرّقت الخلايا بين الأسماء والأفعال والصفات، وقرّبت «كلب» من «قطة» أكثر من «قلم».
- استجابة لتكرار الكلمة وقسمها وفئتها في نحو 86% من الحالات، وهي نسبة قريبة مما يُسجَّل لدى المستيقظين.
- ظهر نشاط استباقي يشبه توقع الكلمة التالية، لكن لم يُحسم بعد هل هو تنبؤ حقيقي أم صدى للسياق السابق.
- نشاط الحُصين لا يعني أن المريض واعٍ أو أنه سيتذكر ما قيل؛ فالوعي يحتاج على الأرجح إلى تنسيق مناطق كثيرة معاً.
- الدراسة تخص البروبوفول ومنطقة واحدة وعينة صغيرة، فلا تُعمَّم على النوم أو الغيبوبة أو أنواع التخدير الأخرى.
أسئلة شائعة
هل يتذكر المريض ما قيل حوله أثناء العملية تحت التخدير الكلي؟
لا تثبت الدراسة ذلك، فهي لم تختبر ذاكرة المرضى بعد الإفاقة أصلاً. أظهرت أن خلايا الحُصين تعالج الكلام، لكن المعالجة العصبية لا تعني التذكر الواعي. والتذكر الفعلي لأحداث العملية ظاهرة نادرة ومختلفة تسمى الوعي أثناء التخدير.
ما هو الحُصين ولماذا اختاره الباحثون؟
الحُصين بنية في عمق الفص الصدغي، معروفة بدورها في الذاكرة والتعلم ومعالجة المعاني. واختاره الباحثون لأن جراحة استئصال الفص الصدغي الأمامي تتيح الوصول إليه مباشرة، والنسيج المسجّل منه كان سيُستأصل ضمن علاج الصرع.
كم نسبة الاستيقاظ أثناء التخدير الكلي؟
وجدت دراسة أمريكية متعددة المراكز عام 2004 شملت 19,575 مريضاً 25 حالة وعي أثناء التخدير، أي 0.13%، بما يعادل حالة أو حالتين لكل ألف مريض. ومن يقلقه ذلك قبل جراحة يمكنه أن يسأل طبيب التخدير عن طرق مراقبة عمق التخدير المتبعة.
هل تنطبق النتائج على النوم العادي أو الغيبوبة؟
لا، فالدراسة اقتصرت على التخدير بالبروبوفول عند مستويات ثابتة. والنوم الطبيعي والغيبوبة وأدوية التخدير الأخرى لها آليات مختلفة، ولا يجوز نقل النتائج إليها دون دراسات خاصة بها.
ما علاقة الدراسة بالذكاء الاصطناعي؟
قارن الباحثون توقع الحُصين للكلمة التالية بطريقة عمل النماذج اللغوية الكبيرة القائمة على التنبؤ بالكلمة القادمة. ويرون أن هذا التشابه قد يقدم إطاراً مشتركاً لعلماء الأعصاب وباحثي الذكاء الاصطناعي في دراسة التنبؤ اللغوي.
ما الفائدة العملية المتوقعة من هذه النتائج؟
يأمل الباحثون أن تساعد إشارات الحُصين اللغوية في تطوير واجهات بين الدماغ والحاسوب وأطراف كلام اصطناعية لمن فقدوا القدرة على الكلام بسبب السكتة الدماغية أو الإصابات. وقد بدأ الفريق دراسة منفصلة على مرضى مستيقظين في هذا الاتجاه.
الخلاصة
تقدم الدراسة للقارئ معلومة مطمئنة وأخرى مثيرة. المطمئنة أن نتائجها لا تعني أن المريض يتابع ما يدور في غرفة العمليات أو يخرج منها بذكريات عنه، والاستيقاظ الحقيقي أثناء التخدير يبقى نادراً ويمكن السؤال عنه قبل أي جراحة. والمثيرة أن الفهم والتوقع، وهما ما كنا نعدّه من علامات الذهن اليقظ، يحدثان في جزء من المخ بلا وعي. أما الخطوة القادمة فهي توسيع العينة واختبار أدوية تخدير أخرى ومناطق دماغية غير الحُصين، وانتظار نتائج دراسة الفريق على المرضى المستيقظين، لأنها ستبيّن هل يمكن أن تتحول هذه الإشارات إلى وسيلة تعيد الكلام لمن فقده.