الشاي نفسه لا يسبب السرطان. ما تشير إليه الأدلة هو أن شرب أي مشروب «شديد السخونة» بانتظام ولسنوات يرتبط بزيادة خطر نوع واحد من سرطان المريء هو سرطان الخلايا الحرشفية. وفي سبتمبر 2026 وجدت دراسة لجامعة أكسفورد شملت 977,282 بالغاً بريطانياً أن هذا الخطر أعلى بنحو 3.17 مرة عند من يفضّلون مشروباتهم شديدة السخونة، مقارنة بمن يشربونها دافئة.

الرقم كبير، وانتشر سريعاً في المواقع العربية تحت عناوين من نوع «الشاي يسبب السرطان». لكن الدراسة تقول شيئاً أدق من ذلك. ما يهم فيها هو حرارة الكوب، لا نوع المشروب ولا إضافة الحليب. والسرطان الذي تتحدث عنه نادر نسبياً، فخطر الإصابة به على مدى العمر في بريطانيا يبلغ نحو 1%.

وللقارئ العربي سبب خاص ليهتم بالموضوع. فالشاي في بيوتنا ومقاهينا يُشرب كثيراً وطوال اليوم، ويصبّه كثيرون من البراد إلى الفم مباشرة. لذلك تستحق الدراسة قراءة هادئة: ماذا قاست؟ وما الحرارة التي تُعد خطرة؟ وكيف تتضرر بطانة المريء؟ وما الذي يمكن تغييره عملياً من الليلة؟

ماذا وجدت دراسة أكسفورد الجديدة عن المشروبات الساخنة؟

وجدت الدراسة أن تفضيل المشروبات شديدة السخونة يرتبط بخطر أعلى بنحو 3.17 مرة للإصابة بسرطان الخلايا الحرشفية في المريء، مقارنة بتفضيلها دافئة، وذلك بعد احتساب عدد الأكواب اليومية. قادت الدراسة الدكتورة كيرين بابير من جامعة أكسفورد، ونُشرت في سبتمبر 2026 في دورية International Journal of Cancer.

اعتمد الفريق على مصدرين كبيرين للبيانات، هما «دراسة المليون امرأة» و«البنك الحيوي البريطاني» (UK Biobank). بلغ متوسط المتابعة 14.2 سنة في الأولى و11.1 سنة في الثانية. وخلال هذه السنوات سجّل الباحثون 2348 إصابة بسرطان المريء، منها 1045 حالة سرطان خلايا حرشفية و1303 حالات سرطان غدي.

واللافت أن الخطر لم يقتصر على من يحبون المشروب «يغلي». فمن قالوا إنهم يفضّلونه «ساخناً» فقط كان خطرهم أعلى بنسبة 69% مقارنة بمن يشربونه دافئاً. وللكمية أثرها كذلك، إذ ارتبط شرب 6 أكواب ساخنة أو أكثر يومياً بزيادة نسبتها 71% في الخطر مقارنة بمن يشربون أقل من ذلك، بعد احتساب الحرارة المفضّلة.

أما سرطان المريء الغدي، وهو النوع الآخر الشائع، فلم يظهر له ارتباط واضح بحرارة المشروب. الارتباط كله تركّز في سرطان الخلايا الحرشفية، وسيتضح سبب ذلك عند الحديث عن موضع هذا الورم في المريء.

هل المشكلة في الشاي والقهوة أم في درجة الحرارة؟

المشكلة في الحرارة. لم تجد الدراسة ارتباطاً بين الشاي أو القهوة في حد ذاتهما وبين السرطان، ولم يغيّر نوع المشروب ولا إضافة الحليب النتائج. أي سائل يصل إلى المريء شديد السخونة يحمل الخطر نفسه.

تتفق هذه النتيجة مع ما انتهت إليه الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية قبل عشر سنوات. ففي 15 يونيو 2016، وبعد مراجعة أكثر من 1000 دراسة، صنّفت الوكالة المشروبات التي تزيد حرارتها على 65 درجة مئوية «مسرطنة محتملة للبشر» ضمن المجموعة 2A. وقال عالم الأوبئة في الوكالة دانا لوميس حينها إن «نوع السائل لا يهم، المهم هو درجة الحرارة». ورأت الوكالة أن الأدلة لا تكفي للقول إن القهوة نفسها تسبب السرطان.

ومشروب «المتة» المنتشر في أمريكا الجنوبية وفي أجزاء من سوريا ولبنان مثال واضح على ذلك. كان يُربط قديماً بالسرطان، ثم أرجعت الوكالة الدولية هذا الارتباط إلى تقديمه شديد السخونة، لأن دراسة على المتة الباردة لم تجد أي علاقة بينها وبين السرطان. النبتة واحدة في الحالتين، والفرق هو الحرارة.

شاي وشاي بالحليب ومتة ساخنة تؤكد أن الخطر في الحرارة لا المشروب
الشاي والقهوة والمتة سواء، فالخطر في سخونة المشروب لا في نوعهرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ما درجة حرارة الشاي التي تُعد خطرة؟

الحد المعتمد دولياً هو 65 درجة مئوية، فهو الرقم الذي استخدمته الوكالة الدولية لبحوث السرطان في تصنيف عام 2016. لكن هذا الرقم ليس خطاً فاصلاً بين الأمان والخطر، فبعض الأدلة تشير إلى أن الخطر قد يبدأ في الارتفاع قبل بلوغه.

يشير الباحثون إلى أن الشاي والقهوة يُشربان عادة عند نحو 60 درجة مئوية في بريطانيا وأمريكا، ويرجّحون أن يبدأ الخطر في الارتفاع تحت عتبة الـ65. وتدعم ذلك دراسة نُشرت في مارس 2019 تابعت نحو 50 ألف شخص في محافظة گلستان الإيرانية لنحو 10 سنوات. وجدت تلك الدراسة أن شرب 700 مل من الشاي أو أكثر يومياً، أي ما يعادل ثلاثة أكواب كبيرة تقريباً، بحرارة 60 درجة أو أعلى ارتبط بزيادة الخطر بنحو 90%.

وفي الدراسة الإيرانية نفسها تفصيلة أقرب إلى عاداتنا اليومية. من كانوا يشربون الشاي خلال دقيقتين من صبّه كانوا أكثر عرضة للخطر بنسبة 51% مقارنة بمن ينتظرون 6 دقائق أو أكثر. هذا مقياس يستطيع أي شخص تطبيقه في بيته دون ميزان حرارة.

مع ذلك لا توجد حتى الآن «درجة آمنة» قاطعة. دراسة أكسفورد لم تقِس حرارة الأكواب أصلاً، بل سألت المشاركين عن تفضيلهم. والتجارب المعملية تعطي إشارة في الاتجاه نفسه، إذ زاد الماء الساخن جداً بين 65 و70 درجة أورام المريء لدى فئران التجارب. الخلاصة العملية: كلما ابتعدت عن الـ65 كان أفضل، ودرجة الستين نفسها لا يصح اعتبارها مضمونة.

قياس درجة حرارة الشاي الساخن بميزان حرارة لمعرفة الحرارة الخطرة
تعدّ الوكالة الدولية لبحوث السرطان المشروبات الأسخن من 65 درجة مئوية مسرطنة محتملةرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

كيف تؤثر المشروبات شديدة السخونة على المريء؟

التفسير الأرجح هو الإصابة الحرارية المتكررة لبطانة المريء. فكل رشفة شديدة السخونة تسبب ضرراً بسيطاً في الخلايا المبطّنة، وتكرار هذا الضرر يومياً ولسنوات يرفع احتمال أن تخطئ الخلايا أثناء إصلاح نفسها وتتحول إلى خلايا سرطانية.

ويفسر ذلك تركّز الارتباط في سرطان الخلايا الحرشفية دون الغدي. فالنوع الحرشفي ينشأ عادة في الثلثين العلويين من المريء، وهو الجزء الذي يلامسه المشروب الساخن أولاً وهو في أعلى حرارته. أما السرطان الغدي فيظهر غالباً في الجزء السفلي القريب من المعدة، وله عوامل خطر أخرى معروفة مثل ارتجاع الحمض والسمنة.

يرى خبير كيمياء الأغذية ديرك لاخنماير أن التفسير الأقرب هو التأثير المباشر للحرارة على أنسجة الحلق عبر التهاب متكرر. وتقول مؤسسة أبحاث السرطان البريطانية إن المشروبات شديدة السخونة قد تتلف بطانة المريء فيرتفع خطر السرطان مع الوقت. ولا يتحدث أي من الطرفين عن مادة سامة في الشاي، فالمسألة كلها تتعلق بالحرارة وبطول التعرض لها.

وقد يتساءل البعض: لماذا لا يحمينا الإحساس بالحرق؟ السبب أن الفم والحلق يعتادان الحرارة مع التكرار، فيشرب المعتاد على الشاي الساخن جداً كوبه دون ألم، بينما تتأثر الأنسجة في الداخل. ولهذا لا يكفي الإحساس وحده دليلاً على أن الكوب صار آمناً.

هل يعني ذلك أن كل من يشرب الشاي الساخن معرّض للسرطان؟

لا. الزيادة التي تتحدث عنها الدراسة نسبية، والخطر المطلق يبقى منخفضاً. فسرطان الخلايا الحرشفية في المريء نادر نسبياً في بريطانيا، ويبلغ خطر الإصابة به على مدى العمر نحو 1%، أي أن الغالبية الساحقة من محبي الشاي الساخن لن يصابوا به.

يمكن تقريب المعنى بمثال بسيط. إذا كان الخطر الأساسي ضئيلاً، فإن تضاعفه ثلاث مرات يجعله أكبر، لكنه لا يحوّله إلى احتمال مرجّح. ومع ذلك يصبح الأثر ملموساً على مستوى المجتمع كله. يقدّر الباحثون أنه لو ثبت أن العلاقة سببية، فإن انتقال من يشربون مشروباتهم «شديدة السخونة» إلى «ساخنة» فقط قد يمنع نحو 14% من حالات هذا السرطان في بريطانيا، أي نحو 440 حالة سنوياً.

وللدراسة حدود ينبغي معرفتها. فهي دراسة رصدية تتابع الناس ولا تُجري عليهم تجربة، ولذلك لا تثبت أن الحرارة سبب مباشر. ولم تقِس الحرارة بميزان، بل اعتمدت على اختيار كل مشارك بين «دافئ» و«ساخن» و«شديد السخونة»، وما يراه شخص ساخناً قد يراه آخر دافئاً. لهذا لا تصلح الدراسة لتحديد درجة آمنة قاطعة.

في المقابل، تعامل الباحثون مع أهم الاعتراضات المتوقعة. فقد بقي الارتباط قائماً بعد احتساب التدخين والكحول، وظهر كذلك لدى غير المدخنين وقليلي شرب الكحول. وبقيت النتائج متشابهة بعد استبعاد أول 5 سنوات من المتابعة، وهذا يضعف احتمال أن يكون مرض غير مكتشف قد غيّر عادات الشرب لدى بعض المشاركين قبل التشخيص.

كيف تشرب شايك بأمان؟

لا تحتاج إلى التوقف عن الشاي أو القهوة. يكفي أن تترك الكوب يبرد قليلاً قبل أن تشرب منه. فالخطر مرتبط بشرب المشروبات شديدة الحرارة بانتظام وعلى مدى سنوات، ولا يأتي من كوب ساخن عرضي.

تنصح اختصاصية التغذية العلاجية الدكتورة عائشة صقر بعدم شرب الشاي والقهوة فور تحضيرهما، وبانتظار انخفاض حرارتهما. وتوضح أنه لا توجد مدة انتظار ثابتة تصلح للجميع، لأن سرعة التبريد تتوقف على كمية السائل وحجم الكوب ومادته وحرارة الغرفة. كوب الزجاج الصغير على صينية في شرفة في الشتاء يبرد أسرع كثيراً من «مج» خزفي كبير ممتلئ في مكتب دافئ.

وهذه خطوات عملية تساعدك: انتظر بضع دقائق بعد الصب. الدراسة الإيرانية وجدت الفرق واضحاً بين دقيقتين و6 دقائق أو أكثر، فاجعل الدقائق الست مرجعاً تقريبياً. استخدم أكواباً أصغر، فهي تبرد أسرع، وتقلل الكمية التي تشربها في الجلسة الواحدة. أضف قليلاً من الحليب البارد أو الماء إن كان ذلك يناسب ذوقك. فالحليب لا يغيّر النتيجة إن بقي المشروب شديد السخونة، لكنه يخفض الحرارة. ارتشف رشفات صغيرة، ولا تشرب الكوب على دفعات كبيرة متتالية. انتبه للعدد، فستة أكواب ساخنة يومياً أو أكثر ارتبطت بخطر أعلى. حاول ألا تشرب من البراد أو الكنكة فوراً، وصبّ في كوب مفتوح وانتظر.

ولا ينبغي أن تحجب حرارة الشاي العوامل الأكبر. فقد قالت فيونا أوسغن من مؤسسة أبحاث السرطان البريطانية إن أهم طرق تقليل خطر هذا السرطان هي الامتناع عن التدخين وتقليل الكحول، وإن من يقلقه الأمر يمكنه ترك مشروبه يبرد قليلاً قبل شربه. ومن يدخّن ويشرب شايه شديد السخونة يستفيد من ترك السيجارة أكثر بكثير مما يستفيد من الانتظار حتى يبرد الكوب، والأفضل أن يفعل الأمرين معاً.

ترك كوب الشاي يبرد قليلاً قبل شربه طريقة آمنة لشرب الشاي الساخن
لو تركت الشاي بضع دقائق قبل شربه يقلّ الخطر على المريءرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

أهم النقاط

  • الشاي والقهوة ليسا مسرطنين في حد ذاتهما، والعامل المرتبط بالخطر هو حرارة أي مشروب.
  • دراسة أكسفورد (سبتمبر 2026، 977,282 مشاركاً) وجدت خطراً أعلى بنحو 3.17 مرة لسرطان الخلايا الحرشفية في المريء عند من يفضّلون المشروبات شديدة السخونة.
  • حتى «الساخن» فقط ارتبط بزيادة 69% مقارنة بالدافئ.
  • تصنّف منظمة الصحة العالمية منذ 15 يونيو 2016 المشروبات التي تزيد على 65 درجة مئوية «مسرطنة محتملة» (المجموعة 2A)، وقد يبدأ الخطر في الارتفاع قبل هذا الحد.
  • يقتصر الارتباط على سرطان الخلايا الحرشفية في الثلثين العلويين من المريء، ولم يظهر ارتباط واضح بالسرطان الغدي.
  • الخطر المطلق منخفض، فخطر الإصابة على مدى العمر في بريطانيا نحو 1%.
  • النصيحة العملية: انتظر بضع دقائق بعد الصب. والإقلاع عن التدخين وتقليل الكحول أهم من ذلك.

أسئلة شائعة

كم دقيقة أنتظر قبل شرب الشاي بعد صبه؟

لا توجد مدة ثابتة، لأن التبريد يختلف بحسب حجم الكوب ومادته وكمية السائل وحرارة الغرفة. في دراسة گلستان الإيرانية، كان من ينتظرون 6 دقائق أو أكثر أقل خطراً بوضوح ممن يشربون خلال دقيقتين، فيمكن اعتماد هذه المدة مرجعاً تقريبياً.

هل إضافة الحليب إلى الشاي تقلل خطر السرطان؟

لم تجد دراسة أكسفورد أن الحليب يغيّر النتائج إذا بقي المشروب شديد السخونة. فائدته الوحيدة هنا أنه يخفض حرارة الكوب إذا كان بارداً.

ما أعراض سرطان المريء التي تستدعي زيارة الطبيب؟

من العلامات المعروفة صعوبة البلع أو الإحساس بأن الطعام يتوقف في الصدر، وفقدان الوزن دون سبب واضح، وألم أو حرقة مستمرة خلف عظمة القص. ظهور هذه الأعراض لا يعني الإصابة بالسرطان، لكن استمرارها يستدعي مراجعة الطبيب.

هل القهوة التركية أو الشاي الأخضر أكثر أماناً من الشاي الأحمر؟

نوع المشروب لا يغيّر الخطر وفق دراسة أكسفورد والوكالة الدولية لبحوث السرطان، فالمهم هو درجة الحرارة. أي مشروب يُشرب شديد السخونة بانتظام يحمل الخطر نفسه، سواء كان قهوة أو شاياً أو أعشاباً.

هل الشوربة والمشروبات الساخنة الأخرى تدخل في هذا التحذير؟

تقول الوكالة الدولية لبحوث السرطان إن نوع السائل لا يهم وإن المهم هو الحرارة، فالمنطق نفسه ينطبق على أي سائل شديد السخونة يُتناول بانتظام. لكن دراسة أكسفورد ركزت على المشروبات الساخنة مثل الشاي والقهوة.

هل شرب كوب شاي ساخن جداً من وقت لآخر يسبب ضرراً؟

يرتبط الخطر بالتكرار المنتظم لشرب المشروبات شديدة الحرارة على مدى سنوات، لا بكوب ساخن عرضي. ولا يوجد ما يدعو إلى القلق من كوب واحد، والمطلوب تغيير العادة اليومية.

الخلاصة

لا تطلب الدراسة منك ترك الشاي. ما تقترحه أبسط من ذلك: أن تترك بين الصب والرشفة الأولى بضع دقائق. ويمكن تطبيق ذلك من كوب الصباح القادم، باستخدام كوب أصغر أو بصب الشاي قبل أن تجلس بقليل، دون أي تغيير في عاداتك الأخرى. أما علمياً فما زال السؤال مفتوحاً. نحتاج إلى دراسات تقيس حرارة الأكواب بالفعل بدل سؤال الناس عن تفضيلهم، حتى يمكن تحديد درجة آمنة واضحة، وإلى أبحاث في مجتمعات يُشرب فيها الشاي بكثرة وسخونة كمجتمعاتنا العربية. وإلى أن تتوافر هذه الأبحاث، ابدأ بالأولويات بحسب حجم أثرها: الإقلاع عن التدخين أولاً، ثم تقليل الكحول، ثم الانتظار حتى يبرد الكوب قليلاً.