موريس هيلمان عالم فيروسات أمريكي (1919–2005) يُنسب إليه تطوير أكثر من 40 لقاحاً، منها أكثر من نصف اللقاحات الموصى بها روتينياً للأطفال في الولايات المتحدة، مثل لقاحات الحصبة والنكاف والتهاب الكبد B. ومع ذلك يجهل اسمَه معظم الناس، لأنه عمل في شركة دواء تجارية، ولم يسمِّ أي اكتشاف باسمه، ولم يحصل على جائزة نوبل رغم ترشيحه عدة مرات.
في مارس 1963، بعد منتصف الليل، أيقظت طفلة في الخامسة أباها. كانت تشكو من ألم في حلقها، وفكّها متورّم. شخّص الأب المرض فوراً: نكاف. ثم فعل ما لا يفعله أب عادي، فأخذ مسحة من حلقها وحملها إلى مختبره. من تلك المسحة خرجت سلالة فيروسية ما زالت حتى اليوم أساس معظم لقاحات النكاف في العالم، وتحمل اسم الطفلة: جيريل لين.
يقف الأب في هذه القصة وراء جزء كبير من جدول تطعيم الأطفال. ونعته صحيفة نيويورك تايمز سنة 2005 بأنه ربما أنقذ أرواحاً أكثر من أي عالم آخر في القرن العشرين. لكن اسمه لا يظهر في كتب المدارس، ولا يعرفه أغلب الآباء الذين يصطحبون أطفالهم إلى عيادات التطعيم.
من هو موريس هيلمان؟
موريس هيلمان عالم أحياء دقيقة أمريكي، وُلد يوم 30 أغسطس 1919 في مزرعة قرب مدينة مايلز سيتي بولاية مونتانا، وتوفي يوم 11 أبريل 2005 في فيلادلفيا عن 85 عاماً. قضى معظم حياته المهنية في تطوير اللقاحات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية ثم في شركة ميرك للأدوية.
جاء إلى الدنيا في ذروة جائحة الإنفلونزا الإسبانية، وهي مفارقة تتوقف عندها مجلة ناشيونال جيوغرافيك، لأن الرجل سيقضي عمره لاحقاً في مطاردة الفيروسات. نشأ في بيئة ريفية متواضعة، ثم تخرّج الأول على دفعته في جامعة ولاية مونتانا سنة 1941، وحصل على الدكتوراه في علم الأحياء الدقيقة من جامعة شيكاغو سنة 1944.
لم يتجه بعد الدكتوراه إلى البحث الأكاديمي. التحق بشركة إي. آر. سكويب، وساعد هناك في تطوير لقاح للتيفوس للجنود الأمريكيين. انتقل بعدها إلى معهد والتر ريد العسكري للأبحاث، حيث تولّى رئاسة قسم أمراض الجهاز التنفسي، وهو المنصب الذي كان يشغله حين واجه أول اختبار كبير في مسيرته.
سنة 1957 انضم إلى شركة ميرك رئيساً لقسمها الجديد لأبحاث الفيروسات وبيولوجيا الخلية في ويست بوينت بولاية بنسلفانيا. بقي فيها حتى سن التقاعد الإلزامي، 65 عاماً، سنة 1984، ولم يتوقف عن العمل بعد ذلك، فأدار معهد ميرك لعلوم اللقاحات حتى وفاته.
كيف توقّع هيلمان جائحة إنفلونزا 1957 من مقال صحفي؟
قرأ هيلمان يوم 17 أبريل 1957 مقالاً في نيويورك تايمز عن تفشي الإنفلونزا في هونغ كونغ، فاستنتج أنه أمام جائحة وشيكة، وقال بحسب ناشيونال جيوغرافيك: «يا إلهي، هذه هي الجائحة، لقد جاءت!». تحرّك فوراً لجلب عينات من الفيروس قبل أن يصل إلى الولايات المتحدة.
كان التفصيل الذي لفت انتباهه في الخبر بسيطاً: أعداد كبيرة من المرضى في وقت قصير. بصفته رئيس قسم أمراض الجهاز التنفسي في معهد والتر ريد، طلب إرسال عينات من هونغ كونغ، ثم اختبر الفيروس المعزول على عينات دم مئات الأشخاص. النتيجة كانت مقلقة. لم يملك أيٌّ منهم أجساماً مضادة لهذا الفيروس، أي أن البشر بلا حماية تقريباً.
بعد تسعة أيام متواصلة من العمل، كل يوم منها 14 ساعة، أثبت هيلمان وزميل له أن الفيروس سلالة إنفلونزا جديدة، وهي التي عُرفت لاحقاً باسم «الإنفلونزا الآسيوية». ثم توقّع أن يصل الفيروس إلى الولايات المتحدة في الأسبوع الأول من سبتمبر 1957. يقول الطبيب بول أوفيت، كاتب سيرته، إنها المرة الوحيدة التي تنبأ فيها عالم بدقة بجائحة إنفلونزا.
لم يقتنع الجميع. رفضت لجنة الإنفلونزا العسكرية وهيئة الصحة العامة الأمريكية تحذيراته، فتجاوزهما وتواصل مباشرة مع ستة مصنّعين للقاحات. واجهته مشكلة عملية: كان إنتاج اللقاح يحتاج ملايين البيض المخصّب، والمزارعون يذبحون الديوك عادة في نهاية موسم التفريخ. طلب من المصنّعين أن يقنعوا مورّدي البيض بإبقاء الديوك حية لفترة أطول. نجحت الخطة، فبدأت التطعيمات قبل وصول الفيروس في أوائل سبتمبر، ووُزّعت 40 مليون جرعة بحلول أواخر الخريف.
حصدت الجائحة أكثر من مليون حياة حول العالم وعشرات الآلاف في الولايات المتحدة، مع تفاوت في التقديرات بين المصادر. وتقدّر مجلة جامعة شيكاغو أن نحو مليون أمريكي كانوا سيموتون لولا حملة التطعيم المبكرة.
كيف صنع لقاح النكاف من حلق ابنته جيريل لين؟
أخذ هيلمان مسحة من حلق ابنته جيريل لين في الليلة نفسها التي مرضت فيها بالنكاف في مارس 1963، ثم نمّى الفيروس في خلايا دجاج مرة بعد مرة حتى ضعف، فحصل على سلالة تحفّز المناعة دون أن تسبب المرض. رُخّص اللقاح سنة 1967، بعد نحو أربع سنوات.
تعتمد الفكرة على مبدأ «إضعاف» الفيروس الحي. حين يتكاثر الفيروس لأجيال متتالية في خلايا غير بشرية، يتكيّف معها ويفقد تدريجياً قدرته على إمراض الإنسان، لكنه يحتفظ بالشكل الذي يتعرّف عليه الجهاز المناعي. والنتيجة لقاح يعلّم الجسم كيف يواجه العدوى الحقيقية.
سُميت السلالة «جيريل لين» على اسم الطفلة. ولا تزال أساس معظم لقاحات النكاف المستخدمة اليوم، بما فيها اللقاح الثلاثي MMR. وفي العام المقبل، 2027، تمر ستون سنة على ترخيص اللقاح المأخوذ من تلك المسحة.
في القصة تفصيل يذكره من كتبوا عن هيلمان: لم يكن في بيته ذلك الوقت أمٌّ تتولى رعاية الطفلة، فقد توفيت زوجته الأولى قبل ذلك بفترة قصيرة. فاضطر الأب إلى أن يجمع بين رعاية ابنته المريضة وبين ما رآه فرصة علمية لا تتكرر، فأخذ العينة ثم عاد ليطمئن عليها.
كم لقاحاً من جدول تطعيم الأطفال اليوم يرجع إلى هيلمان؟
يرجع إلى هيلمان وفريقه أكثر من نصف اللقاحات الأربعة عشر الموصى بها روتينياً للأطفال في الولايات المتحدة. وتختلف المصادر قليلاً في العدد الدقيق بسبب طريقة احتساب لقاح الحصبة الألمانية داخل اللقاح الثلاثي MMR.
من هذه اللقاحات: الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية، والتهاب الكبد A، والتهاب الكبد B، والجديري المائي، والمكورات السحائية، والمكورات الرئوية، والمستدمية النزلية من النوع b. وإذا كان طفلك قد أخذ تطعيماته الأساسية، فالأرجح أن جزءاً كبيراً منها خرج من مختبر هيلمان.
سجلّه مع الحصبة طويل. رُخّص لقاحه الأول Rubeovax سنة 1963، ثم أضعف السلالة أكثر لتقليل الآثار الجانبية، فرُخّص لقاح Attenuvax سنة 1968، وهو لقاح الحصبة الوحيد المستخدم في الولايات المتحدة منذ ذلك الوقت. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن لقاح الحصبة منع 20.3 مليون وفاة حول العالم بين عامي 2000 و2015.
طوّر سنة 1969 لقاحاً للحصبة الألمانية، ثم جمعه مع لقاحي الحصبة والنكاف في اللقاح الثلاثي MMR الذي رُخّص سنة 1971، وهو أول لقاح يجمع عدة فيروسات حية مختلفة في حقنة واحدة. أما لقاح التهاب الكبد B فيُعد أول لقاح يقي من نوع من السرطان البشري، هو سرطان الكبد، لأن العدوى المزمنة بالفيروس من أهم أسبابه.
لماذا لم يحصل موريس هيلمان على جائزة نوبل؟
رُشّح هيلمان لجائزة نوبل عدة مرات ولم يفز بها. ويرجع بول أوفيت ذلك بدرجة كبيرة إلى أنه عمل في شركة تجارية هي ميرك، لا في جامعة أو معهد بحثي أكاديمي.
حجة أوفيت أن الوسط العلمي ينظر إلى أبحاث الشركات بقدر من الريبة، ويميل إلى تكريم من يكتشفون المبادئ في المختبرات الجامعية أكثر ممن يحوّلونها إلى منتجات. وهيلمان قضى أهم عقود عمله داخل شركة دواء.
هناك رأي آخر. يرى ناقد في مجلة سيتي جورنال أن الشركة ليست السبب الحقيقي، ويستشهد بأن غودفري هاونسفيلد فاز بنوبل رغم أنه كان يعمل في شركة EMI. ويقول إن أعمال هيلمان كانت في معظمها تطبيقاً عملياً بارعاً لأفكار غيره، بينما تكافئ نوبل عادة الاكتشاف الأساسي.
يكشف الخلاف بين الرأيين سؤالاً قديماً في تقدير العلم: أيهما أحق بالتكريم، من يفهم كيف تعمل المناعة، أم من يحوّل هذا الفهم إلى ملايين الجرعات الآمنة؟ لم تحسم لجنة نوبل هذا السؤال لصالح هيلمان، لكنه نال تكريمات أخرى كبيرة، منها الميدالية الوطنية للعلوم سنة 1988 التي سلّمها له الرئيس رونالد ريغان، وجائزة لاسكر للخدمة العامة، وجائزة الأمير ماهيدول، وجائزة خاصة لإنجاز العمر من منظمة الصحة العالمية.
لماذا لا يعرف الجمهور اسم موريس هيلمان؟
لم يسمِّ هيلمان أي لقاح أو اكتشاف باسمه، لأنه كان يخشى أن يظن الناس أنه يروّج لمنتج تجاري ما دام يعمل في صناعة الدواء. لذلك ارتبطت لقاحاته بأسماء تجارية وأسماء شركات، لا باسمه.
تبرز المقارنة مع جوناس سولك، مطوّر لقاح شلل الأطفال الذي صار اسمه معروفاً في كل بيت أمريكي في الخمسينيات. ترى مجلة جامعة شيكاغو أن تواضع هيلمان قد يكون من أسباب غيابه عن كتب التاريخ مقارنة بسولك. ولم يكن هذا التواضع لطفاً في التعامل. كان صارماً جداً في عمله، يعمل سبعة أيام في الأسبوع، ويفصل الموظفين الذين لا يستطيعون مجاراته.
ويوجد سبب أعمق يرتبط بطبيعة اللقاحات نفسها. نجاح اللقاح يعني أن المرض يختفي من حياة الناس، فينسون خطره وينسون من أنهاه. جيل الآباء اليوم لم يرَ أغلبه أطفالاً يموتون بالحصبة أو يُصابون بالصمم بسبب النكاف، فلا يسأل عمّن منع ذلك.
بدأت محاولات إعادة الاعتبار للرجل بعد وفاته. سنة 2007 صدر كتاب بول أوفيت «Vaccinated» عن قصته، وفي 2008 أطلقت ميرك اسمه على منشأتها لأبحاث اللقاحات في دورهام بولاية كارولاينا الشمالية، وفي 2016 صدر فيلم وثائقي بعنوان «Hilleman: A Perilous Quest to Save the World's Children». ومع ذلك ظل اسمه حاضراً بين الأطباء والباحثين أكثر منه بين عامة الناس.
أهم النقاط
- وُلد موريس هيلمان يوم 30 أغسطس 1919 في مونتانا، وتوفي يوم 11 أبريل 2005 في فيلادلفيا عن 85 عاماً.
- يُنسب إليه أكثر من 40 لقاحاً، بينها أكثر من نصف اللقاحات الأربعة عشر الموصى بها روتينياً للأطفال في أمريكا.
- سلالة «جيريل لين» لقاح النكاف أُخذت من حلق ابنته في مارس 1963، ورُخّص اللقاح سنة 1967، وما زالت أساس معظم لقاحات النكاف ومنها MMR.
- قرأ عن تفشي الإنفلونزا في هونغ كونغ يوم 17 أبريل 1957، فجهّز لقاحاً وُزّعت منه 40 مليون جرعة بحلول أواخر الخريف.
- أقنع مورّدي البيض بإبقاء الديوك حية لفترة أطول، لأن الإنتاج كان يحتاج ملايين البيض المخصّب.
- رُشّح لنوبل عدة مرات ولم يفز، والتفسيرات تتراوح بين عمله في شركة تجارية وكون إنجازه تطبيقياً أكثر منه اكتشافاً أساسياً.
- رفض أن يسمّي أي اكتشاف باسمه حتى لا يبدو مروّجاً لمنتج تجاري.
أسئلة شائعة
هل ما زال لقاح النكاف المستخدم اليوم مأخوذاً من ابنة هيلمان؟
نعم. معظم لقاحات النكاف المستخدمة اليوم، ومنها اللقاح الثلاثي MMR، تعتمد على سلالة «جيريل لين» التي عزلها هيلمان من حلق ابنته سنة 1963 وأضعفها في خلايا الدجاج.
ما هو لقاح MMR ومن طوّره؟
هو اللقاح الثلاثي ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، وقد جمعه موريس هيلمان في حقنة واحدة ورُخّص سنة 1971. وكان أول لقاح يجمع عدة فيروسات حية مختلفة في جرعة واحدة.
ما الشركة التي عمل فيها موريس هيلمان؟
عمل في بداياته في شركة إي. آر. سكويب ثم في معهد والتر ريد العسكري للأبحاث. انضم إلى شركة ميرك سنة 1957 وبقي فيها حتى تقاعده سنة 1984، ثم أدار معهد ميرك لعلوم اللقاحات حتى وفاته سنة 2005.
كيف يقي لقاح التهاب الكبد B من السرطان؟
العدوى المزمنة بفيروس التهاب الكبد B من أهم أسباب سرطان الكبد، والوقاية من العدوى تقلل خطر الإصابة به. لذلك يُعد اللقاح الذي طوّره هيلمان أول لقاح يقي من نوع من السرطان البشري.
ما أهم الجوائز التي حصل عليها موريس هيلمان؟
حصل على الميدالية الوطنية للعلوم سنة 1988 من الرئيس رونالد ريغان، وجائزة لاسكر للخدمة العامة، وجائزة الأمير ماهيدول، وجائزة خاصة لإنجاز العمر من منظمة الصحة العالمية. لكنه لم يحصل على نوبل.
هل يوجد كتاب أو فيلم عن موريس هيلمان؟
نعم. نشر الطبيب بول أوفيت عنه كتاب «Vaccinated» سنة 2007، وصدر سنة 2016 فيلم وثائقي بعنوان «Hilleman: A Perilous Quest to Save the World's Children».
الخلاصة
في المرة القادمة التي تفتح فيها بطاقة تطعيم طفلك، ستجد عليها أسماء لقاحات الحصبة والنكاف والتهاب الكبد والجديري المائي، ولن تجد اسم موريس هيلمان. كان هذا اختياره، فقد رفض أن يضع اسمه على أي منتج. وللقصة درس عملي أيضاً: اللقاحات التي طوّرها لا تزال تعمل منذ عقود لأن الأطفال يواصلون أخذها. وحين تتراجع نسب التطعيم تعود أمراض مثل الحصبة إلى الظهور، والذي يحمي منها في الحقيقة هو أن يأخذ الأطفال الجرعات في مواعيدها. لذلك، إن كنت لا تعرف هل استكمل طفلك تطعيماته، فراجع جدوله مع طبيب الأطفال أو أقرب مركز صحي. وفي 2027 تمر ستون سنة على ترخيص لقاح النكاف، وقد تكون مناسبة جيدة ليتعرّف مزيد من الناس على اسم هيلمان.