بدأت صداقة عمر الشريف وأحمد رمزي في كلية فيكتوريا بالإسكندرية، حيث كانا زميلي دراسة. بعدها رشّح الشريف صديقه لأول أدواره في «أيامنا الحلوة»، واستمرت الصداقة أكثر من نصف قرن، وانقطعت سنوات بسبب إشاعة كاذبة عن فاتن حمامة، ثم انتهت بلقائهما في آخر عمل لرمزي. أما رشدي أباظة فكان الضلع الثالث في الشلة: شريك رمزي في الأفلام وفي الخناقات، والنجم الذي يُقال إن دور «لورانس العرب» كان قريباً منه قبل أن يذهب إلى عمر الشريف.

في أرشيف بوابة الأهرام صورة لثلاثة شبان حول طاولة بلياردو: رشدي أباظة وعمر الشريف وأحمد رمزي. تكاد الصورة تختصر الحكاية كلها. ثلاثة رجال وسيمون من بيوت ميسورة، جمعتهم السينما في الخمسينيات، وصاروا معاً صورة لجيل كامل من الشباب في مصر، في اللبس وتسريحة الشعر وطريقة الكلام.

لكن الصداقة لم تكن صوراً لطيفة فقط. فيها ضربة حقيقية أمام الكاميرا، وقطيعة طالت سنوات، ودفعة في حمام سباحة، ودور عالمي ضاع من واحد ووصل إلى الآخر. وفيها أيضاً تنازل عن مئة ألف جنيه لم يعرف به صاحبه.

كيف بدأت صداقة عمر الشريف وأحمد رمزي؟

بدأت في فصول كلية فيكتوريا بالإسكندرية. هناك تعرّف ميشيل يوسف ديمتري شلهوب، الذي سيعرفه العالم لاحقاً باسم عمر الشريف، على زميله أحمد رمزي، وصارا صديقين قبل أن يقف أي منهما أمام كاميرا.

تشابهت خلفيتا الصديقين. وُلد عمر الشريف في الإسكندرية يوم 10 أبريل 1932، ووُلد أحمد رمزي في المدينة نفسها يوم 23 مارس 1930. وكان رمزي ابن طبيب مصري اسمه رمزي محمود بيومي وأم اسكتلندية، ودرس في مدرسة الأورمان قبل أن ينتقل إلى فيكتوريا. هي مدرسة كانت تخرّج أبناء الطبقة الميسورة، ويتكلم طلابها الإنجليزية بطلاقة ويعيشون حياة أقرب إلى الطابع الأوروبي.

بعد المدرسة اختلف الطريقان قليلاً. التحق رمزي بكلية التجارة ولم يكملها، فقد سبقته السينما. وكان سبب ذلك صديق المدرسة نفسه، الذي دخل الاستوديوهات أولاً ثم فتح الباب لرفيقه.

مبنى كلية فيكتوريا بالإسكندرية حيث بدأت صداقة عمر الشريف و احمد رمزي
كلية فيكتوريا بالإسكندرية، حيث تعرّف عمر الشريف على أحمد رمزيالصورة: Abdelrhman 1990 — ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0)

كيف دخل أحمد رمزي السينما بفضل عمر الشريف؟

دخلها بترشيح مباشر من عمر الشريف. قدّم يوسف شاهين الشريف لأول مرة في «صراع في الوادي» سنة 1954، وبعد ذلك بقليل رشّح الشريف صديقه لدور في «أيامنا الحلوة»، فكان هذا أول فيلم في مشوار أحمد رمزي.

تختلف المصادر في تحديد السنة التي بدأ فيها رمزي التمثيل، لكنها تتفق على تفصيلة صغيرة ومعبّرة: أجره الأول كان 40 جنيهاً. ووقف في ذلك الفيلم إلى جانب عمر الشريف وعبد الحليم حافظ، وكان أول مشهد صوّره في حياته مشهد «زرار القميص» مع زينات صدقي.

وصار زرار القميص علامته. يقول الكاتب أشرف بيدس إن أحمد رمزي «الولد الشقي» أصبح موضة الشباب في تلك السنوات، فقلّدوا طريقته في فتح أزرار القميص وتسريحة شعره، واقتنوا سيارات مثل سياراته. وهكذا خرج من ترشيح صديق المدرسة نجم له جمهوره ومقلّدوه.

ولم يتوقف الدعم عند الفيلم الأول. تزوّج عمر الشريف فاتن حمامة سنة 1955، وكان أحمد رمزي شاهداً على عقد القران. ثم رشّحه الشريف لأفلام أمام زوجته، منها «القلب له أحكام» و«حب ودموع». وفي هذه السنوات كان رمزي أقرب إلى أخ في بيت الزوجين منه إلى زميل مهنة.

أحمد رمزي نجم السينما المصرية الذي دخل التمثيل بترشيح من عمر الشريف
أحمد رمزي، «الولد الشقي» الذي صار موضة شباب الخمسينياتالصورة: Not credited — ويكيميديا كومنز (Public domain)

لماذا تخاصم عمر الشريف وأحمد رمزي سنوات طويلة؟

تخاصما بسبب إشاعة كاذبة عن فاتن حمامة. بحسب موقع مصراوي، أشاع طرف من فريق يوسف شاهين أثناء تصوير «صراع في الميناء» سنة 1956 أن رمزي يغازل فاتن، والهدف أن تخرج خناقة البطلين على الشاشة حقيقية.

ونجحت الحيلة أكثر مما أراد أصحابها. ضرب الشريف صديقه ضرباً حقيقياً أمام الكاميرا، ثم غادر البلاتوه هو وفاتن. وبدأت بعد ذلك قطيعة طويلة، تختلف المصادر في مدتها بالضبط، لكنها تتفق على أنها استمرت سنوات وليس أسابيع.

وظهرت القطيعة في الشغل أيضاً. سنة 1959 رشّح المخرج عاطف سالم أحمد رمزي لفيلم «إحنا التلامذة» أمام عمر الشريف، فاعترض الشريف واقترح يوسف فخر الدين بدلاً منه. صديق الأمس، الذي كان يفتح الأبواب لرمزي، صار يغلق أحدها في وجهه.

جاء الصلح في حفلة عيد ميلاد ببيت صلاح ذو الفقار. هناك التقى الصديقان، وحلف رمزي أن الاتهام ملفّق من أساسه. وبعد ذلك اعترف يوسف شاهين بأن الإشاعة كانت كذبة. في القصة درس واضح عن هشاشة الصداقات في الوسط الفني: جملة واحدة قيلت لخدمة مشهد كانت كافية لتفريق رجلين سنوات.

أين يقف رشدي أباظة من شلة عمر الشريف وأحمد رمزي؟

كان رشدي أباظة الأكبر سناً في الثلاثي، وأقربهم إلى أحمد رمزي على الشاشة وخارجها. وُلد يوم 3 أغسطس 1926 في المنصورة، لأب ضابط شرطة وصل إلى رتبة لواء هو سعيد بغدادي أباظة، ولأم إيطالية. أي أنه، مثل رمزي، نشأ في بيت مختلط الأصول.

اشترك رمزي ورشدي في أفلام صارت من كلاسيكيات السينما الخفيفة، منها «تمر حنة» سنة 1957 و«شقاوة رجالة» سنة 1966 و«شقة الطلبة». وفي هذه الأفلام قدّما صورة الشاب الوسيم المشاغب، الذي يحب الحياة ولا يأخذها بجدية زائدة.

وخلف الكاميرا لم تكن العلاقة هادئة. حكى أحمد رمزي لصفاء أبو السعود على قناة «art» أن رشدي أباظة دفعه في حمام سباحة خلال خناقة حقيقية بينهما، وقال إن الاثنين كانا معروفين بالخناقات حتى بعيداً عن التصوير. كانت صداقة فيها عناد وتنافس، ولم تكن فيها مجاملات.

وفيها ضحك كثير أيضاً. في برنامج «هو وهي» مع إيناس الدغيدي حكى رمزي موقفاً حدث أثناء الدوبلاج في «معمل الجبس»، انتهى بأن كتب رمزي على الحائط أنه «مسطول»، فوقع رشدي على الأرض من الضحك. الرواية على لسان رمزي وحده، لكنها تعطي فكرة عن جو هذه الشلة: شباب نجوم يعملون كثيراً ويضحكون كثيراً، ويتخانقون ثم يعودون إلى الطاولة نفسها، كما في صورة البلياردو.

رشدي أباظة الضلع الثالث في شلة عمر الشريف و احمد رمزي
رشدي أباظة، شريك أحمد رمزي في الأفلام والمغامراتالصورة: Unknown authorUnknown author — ويكيميديا كومنز (Public domain)

هل ضاع دور «لورانس العرب» من رشدي أباظة لصالح عمر الشريف؟

تتفق روايات منشورة على أن اسم رشدي أباظة كان مطروحاً قبل أن يذهب الدور إلى عمر الشريف، لكنها تختلف في سبب ضياعه. بعض الروايات تقول إنه لم يذهب إلى ميعاد التعاقد، وروايات أخرى تقول إنه رفض الإجراءات التي طلبها فريق ديفيد لين لأنه رآها أقل من مكانته كنجم.

النتيجة معروفة. قدّم عمر الشريف دوره في «لورانس العرب» سنة 1962، ورُشّح عنه لجائزة أوسكار أفضل ممثل مساعد، وخسرها لصالح إد بيجلي. لكن الفيلم أخرجه إلى العالمية، وبدأت معه مسيرة لم يصل إليها ممثل مصري من جيله.

وحين سُئل رشدي أباظة إن كان نادماً، أجاب بحسب اليوم السابع بأنه يؤمن بالقسمة والنصيب، وأن نصيب عمر الشريف كان الشهرة العالمية، ونصيبه هو أن يُحرم منها. هي إجابة رجل اعتاد أن يكون النجم الأول، ويعرف أن الفرصة لا تتكرر.

ومن زاوية مهنية، تذكر ويكيبيديا أن عمر الشريف كان قد صار منافساً رئيسياً في السينما المصرية لنجوم مثل رشدي أباظة وصلاح ذو الفقار وشكري سرحان. فالصداقة لم تمنع التنافس على الأدوار. والمثير أن هذا التنافس لم يتحول، بحسب ما وصل إلينا من روايات، إلى عداوة معلنة بين الشريف وأباظة.

كيف انتهت حكاية الأصدقاء الثلاثة؟

كان رشدي أباظة أول من رحل. توفي يوم 27 يوليو 1980 بسرطان المخ، أثناء تصوير فيلم «الأقوياء»، ودُفن في نزلة السمان. وبقي الصديقان القديمان من فيكتوريا: واحد انشغل بمسيرة عالمية، والآخر ابتعد عن الأضواء تدريجياً.

ثم جمعهما العمل مرة أخيرة. كان آخر أعمال أحمد رمزي مسلسل «حنان وحنين» من بطولة عمر الشريف، فبدأ مشوار رمزي إلى جانب صديقه وانتهى إلى جانبه. وبحسب مصراوي، تنازل الشريف عن 100 ألف جنيه من أجره في المسلسل لصالح رمزي دون أن يخبره، لأنه كان يعرف أن صديقه يمر بضائقة مالية.

توفي أحمد رمزي يوم 28 سبتمبر 2012 في بيته بالساحل الشمالي في محافظة مطروح، عن 82 عاماً. وفي خبر وفاته الذي نشره موقع «أموال الغد» في اليوم نفسه، وصفت الصحافة عمر الشريف بأنه صديقه وزميل دراسته الذي رافقه طوال حياته.

وبحسب مصراوي، عرف عمر الشريف بالخبر بعد يومين. قال إن رحيل رمزي كسر ظهره، وإن رمزي «كان حتة مني»، ووصفه بأنه «صديق العمر الأكثر وفاءً وإخلاصاً». ولم يعش الشريف بعده طويلاً، فقد توفي يوم 10 يوليو 2015 في القاهرة إثر أزمة قلبية، بعد أقل من ثلاث سنوات من رحيل صديقه.

أهم النقاط

  • تعرّف عمر الشريف وأحمد رمزي في كلية فيكتوريا بالإسكندرية، قبل أن يدخل أي منهما السينما.
  • رشّح الشريف صديقه لأول أفلامه «أيامنا الحلوة»، وكان أجر رمزي الأول 40 جنيهاً.
  • كان رمزي شاهداً على عقد قران الشريف وفاتن حمامة، ومثّل أمامها في «القلب له أحكام» و«حب ودموع».
  • بدأت القطيعة بإشاعة كاذبة أثناء تصوير «صراع في الميناء» سنة 1956، واستمرت سنوات، ثم انتهت بصلح في بيت صلاح ذو الفقار.
  • رشدي أباظة شارك رمزي أفلاماً مثل «تمر حنة» و«شقاوة رجالة» و«شقة الطلبة»، وشاركه أيضاً خناقات حقيقية خارج التصوير.
  • تختلف الروايات في سبب ضياع «لورانس العرب» من رشدي أباظة، وقال هو إنها قسمة ونصيب.
  • في «حنان وحنين»، آخر أعمال رمزي، تنازل الشريف عن 100 ألف جنيه من أجره لصديقه دون أن يخبره، بحسب مصراوي.

أسئلة شائعة

هل كان أحمد رمزي شاهداً على زواج عمر الشريف وفاتن حمامة؟

نعم، كان أحمد رمزي شاهداً على عقد قران عمر الشريف وفاتن حمامة، وتم الزواج سنة 1955. واستمر الزواج حتى الطلاق سنة 1974.

ما أول فيلم لأحمد رمزي؟

أول أفلامه «أيامنا الحلوة»، بترشيح من صديقه عمر الشريف، ووقف فيه إلى جانب الشريف وعبد الحليم حافظ. وكان أول مشهد صوّره مشهد «زرار القميص» مع زينات صدقي.

متى توفي أحمد رمزي وأين؟

توفي أحمد رمزي يوم 28 سبتمبر 2012 في بيته بالساحل الشمالي في محافظة مطروح، عن 82 عاماً.

متى توفي رشدي أباظة وما سبب وفاته؟

توفي رشدي أباظة يوم 27 يوليو 1980 بسرطان المخ، وكان وقتها يصوّر فيلم «الأقوياء». ودُفن في نزلة السمان.

ما الأفلام التي جمعت أحمد رمزي ورشدي أباظة؟

من أشهرها «تمر حنة» سنة 1957 و«شقاوة رجالة» سنة 1966 و«شقة الطلبة». وفي هذه الأفلام قدّما صورة الشاب الوسيم المشاغب التي اشتهر بها الاثنان.

ما آخر عمل جمع عمر الشريف وأحمد رمزي؟

آخر عمل جمعهما هو مسلسل «حنان وحنين» من بطولة عمر الشريف، وكان آخر أعمال أحمد رمزي. وبحسب مصراوي، تنازل الشريف عن جزء من أجره لصالح صديقه.

الخلاصة

الأفلام وحدها لا تحكي هذه القصة كاملة. من يشاهد اليوم «أيامنا الحلوة» أو «صراع في الميناء» أو «شقاوة رجالة» يرى ثلاثة نجوم وسيمين، ولا يرى الضربة الحقيقية خلف المشهد، ولا السنوات التي لم يتكلم فيها الصديقان، ولا المبلغ الذي دفعه الشريف بعد نصف قرن دون أن يخبر أحداً. وعند مشاهدة هذه الأفلام من جديد يساعد أن نتذكر أن الصداقة كانت جزءاً من طريقة صناعة السينما المصرية في الخمسينيات والستينيات: ترشيحات تمر عبر الأصدقاء، وأدوار تذهب لهذا أو ذاك، وتنافس لم يلغِ الود. ومن يريد أن يرى كيف أثّرت هذه الشلة في مسيرة عمر الشريف كلها، من ميشيل شلهوب في الإسكندرية إلى «لورانس العرب» والوداع الأخير، سيجد القصة كاملة في التقرير الرئيسي عن عمر الشريف ضمن هذا العمود.