ماتت سعاد حسني يوم الخميس 21 يونيو 2001 في لندن، بعد سقوطها من شرفة شقة في الدور السادس بمبنى «ستيوارت تاور» (Stuart Tower). أعلنت الشرطة البريطانية وقتها أن الوفاة انتحار، وأكد تحقيق قضائي بريطاني هذا الحكم لاحقاً. أسرتها رفضت الرواية الرسمية، وظهرت روايتان تنافسانها: حادث قتل عارض، واغتيال سياسي. لم تحسم أي جهة حتى اليوم هذا الخلاف بدليل نهائي.

مرّ أكثر من خمسة وعشرين عاماً على تلك الليلة، ولا يزال اسم «السندريلا» يعود إلى الأخبار كلما تكلم صديق قديم أو قريب عن آخر أيامها. فنان يقول إنها كانت تجهّز حقائب العودة. أخت تقول إنها رأت كسراً في الجمجمة. ومحامٍ يسأل عن فردة حذاء وُجدت في المطبخ وأخرى في الشرفة.

تتتبع السطور التالية الوقائع الثابتة أولاً، ثم الروايات المتضاربة كما قالها أصحابها، مع الفصل بين ما أثبتته جهات التحقيق وما بقي اتهامات وشهادات شخصية. ولمن يريد الصورة الكاملة لحياتها من البداية، فالحكاية الأوسع موجودة في التقرير الرئيسي «سعاد حسني: الحكاية الكاملة للسندريلا من بولاق إلى شرفة لندن».

كيف ماتت سعاد حسني في لندن؟

سقطت سعاد حسني من شرفة شقة في الدور السادس ببرج «ستيوارت تاور» في لندن يوم 21 يونيو 2001، وماتت متأثرة بالسقوط. هذه هي الواقعة التي تتفق عليها كل الروايات، والخلاف كله يبدأ بعدها: هل قفزت؟ أم سقطت؟ أم أُلقيت؟

الشقة لم تكن ملكها. كانت تقيم فيها مع صديقتها نادية يسري، وهذا التفصيل سيصبح لاحقاً مركز كثير من الأسئلة. أما اختيار المبنى نفسه فله حكاية بسيطة: الممثل حسام داغر نشر في أغسطس 2022 صوراً من أمام البرج، وقال إن سعاد اختارت السكن هناك لأن تحته سينما كانت تذهب إليها كل يوم لتشاهد الأفلام.

كان عمرها وقتها نحو 58 أو 59 عاماً، لأن المصادر تختلف في سنة ميلادها. موقع السينما.كوم يذكر أنها وُلدت في حي بولاق بالقاهرة يوم 26 يناير 1943، بينما يذكر موقع Egyptian Streets يناير 1942. وكانت قد غابت عن الشاشة منذ عشر سنوات كاملة، فآخر أفلامها «الراعي والنساء» عُرض سنة 1991 مع أحمد زكي ويسرا، وابتعدت بعده عن الحياة العامة.

برج ستيوارت تاور في لندن حيث سقطت سعاد حسني من شرفة الدور السادس
مبنى ستيوارت تاور في لندن الذي شهد سقوط سعاد حسني عام 2001الصورة: David Howard — ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 2.0)

كيف كانت أيام سعاد حسني الأخيرة قبل الوفاة؟

عاشت سعاد حسني سنواتها الأخيرة في لندن للعلاج، بعيدة عن الأضواء، وتعاني من أمراض مزمنة أثّرت في جسدها وفي ظهورها العام. كانت تشكو من مشكلات مزمنة في العمود الفقري واضطراب في ضغط الدم، وزاد وزنها بشكل واضح بسبب علاج الكورتيزون. وسافرت إلى بريطانيا في سرية.

يضيف موقع السينما.كوم تفاصيل أخرى عن تدهور حالتها: عملية في العمود الفقري، وشلل في العصب الوجهي، وزيادة في الوزن بسبب الستيرويدات. لنجمة بنت صورتها على خفة الحركة والوجه المعبّر، كانت هذه الإصابات ضربة في صميم أدواتها، وهو ما يفسر جزئياً اختفاءها الطويل عن الكاميرا.

وهناك ملف المال والعلاج. وافق رئيس الوزراء كمال الجنزوري على علاجها على نفقة الدولة، ثم أوقف رئيس الوزراء التالي عاطف عبيد هذا العلاج بعد خطاب من المستشار الطبي للسفارة المصرية يقول إنها لم تعد تحتاجه. ردّت سعاد برسالة إلى عبيد عبّرت فيها عن حزنها من القرار.

رغم هذا كله، تشير شهادة واحدة على الأقل إلى أنها كانت تفكر في المستقبل لا في النهاية. الفنان حسين فهمي قال، في تصريحات نُشرت يوم 9 مارس 2025، إنه كلّمها قبل وفاتها بثلاثة أيام، واتفقا على عمل فني جديد بعد عودتها إلى مصر، وإنها سحبت أموالها من لندن وجهّزت حقائبها للسفر. شهادته شخصية ولا تثبت شيئاً بذاتها، لكنها من أكثر ما يستند إليه من يرفضون فكرة الانتحار.

لماذا حكمت بريطانيا بأن سعاد حسني انتحرت؟

أعلنت الشرطة البريطانية أن الوفاة انتحار، ثم أصدر تحقيق قضائي بريطاني من نوع «inquest»، وهو تحقيق يحدد سبب الوفاة وظروفها، حكماً بالنتيجة نفسها. لم تجد الجهات البريطانية ما يكفي لاعتبار ما حدث جريمة.

الأسرة لم تقبل الحكم. في أغسطس 2003 أعلن عصام قنديل، محامي أسرتها، أنه سيطعن عليه، لأن التحقيق في رأيه تجاهل أدلة تشير إلى أنها قُتلت. وطالب بفحص نقطتين بعينهما: تضارب أقوال صديقتها نادية يسري عن سبب مسح الرسائل من هاتفها المحمول بعد وفاتها، ووجود فردة حذاء في المطبخ والأخرى في الشرفة.

فردة الحذاء تحديداً صارت رمزاً للقضية كلها. امرأة تنوي القفز لا تترك عادةً حذاءً موزعاً بين غرفتين، هكذا يجادل المشككون، بينما يمكن أن يكون للتفصيلة تفسير عادي تماماً. وفي اليوم نفسه تقريباً، 14 أغسطس 2003، نقلت صحيفة عرب نيوز عن ضابط شرطة بريطاني أن التحقيق سيُعاد فتحه إذا ظهرت أدلة جديدة أو شهادات شهود جديدة. الباب بقي موارباً من الناحية النظرية، ولم يُعلَن أنه فُتح من جديد.

قاعة محكمة تحقيق الوفيات البريطانية التي نظرت في وفاة سعاد حسني
التحقيق القضائي البريطاني انتهى إلى أن وفاة سعاد حسني انتحارالصورة: Christine Matthews — ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 2.0)

من اتهمت أسرة سعاد حسني بقتلها وماذا قال القضاء المصري؟

قدّمت شقيقتها جنجاه عبد المنعم حافظ بلاغاً رسمياً في مصر تتهم فيه صفوت الشريف، الرئيس الأسبق لمجلس الشورى، وحبيب العادلي، وزير الداخلية الأسبق، وشخصاً اسمه رأفت بدران، وصديقتها نادية يسري، بالتورط في وفاتها. وفي مارس 2013 أوقف قاضي التحقيق محمود علاء الدين التحقيق «لعدم كفاية الأدلة».

روت جنجاه دافعاً محدداً للاتهام: قالت إن سعاد كانت تنوي كتابة مذكرات تكشف أن صفوت الشريف جنّدها هي وممثلات أخريات لأعمال وصفتها بأنها «أمن قومي»، وإن ستة شرائط مسجّل عليها حكايتها صودرت. ودعمت صديقتها اعتماد محمد علي، المعروفة باعتماد خورشيد، التي عاشت معها في لندن، هذا الاتجاه بشهادة قالت فيها إن سعاد ذكرت في حوار تلفزيوني مسجّل قبل وفاتها بفترة قصيرة أن صفوت الشريف هدّدها.

القاضي رأى الأمر بشكل مختلف تماماً. قال إنه لا يوجد دليل على هذه الاتهامات، وإن وزارة الداخلية ليس لديها سجلات لموظف باسم رأفت بدران. وأضاف أن اتهامات الشقيقة قامت على تقارير الصحفي عماد فوزي، الذي كان وقتها قيد التحقيق بتهمة تلفيق معلومات.

النتيجة القانونية واضحة: لم يُدَن أحد، والأسماء الواردة في البلاغ تبقى أسماء في اتهام لم يثبت أمام القضاء. أما على المستوى الشعبي، فقد جعل وجود أسماء سياسية بهذا الوزن رواية الاغتيال أكثر انتشاراً من أي رواية أخرى، حتى دون حكم يسندها.

دار القضاء العالي في القاهرة حيث نظرت دعوى أسرة سعاد حسني
القضاء المصري نظر اتهامات أسرة سعاد حسني بشأن وفاتهاالصورة: Bastique — ويكيميديا كومنز (CC BY 3.0)

ماذا قال المقربون عن لحظة الوفاة والجثمان؟

المقربون من سعاد حسني قدّموا روايات متناقضة، بعضها يرجّح القتل وبعضها يتعارض مع البعض الآخر في تفاصيل جوهرية. وأبرز هذه الروايات رواية الفنان سمير صبري، التي تقف في منطقة ثالثة بين الانتحار والاغتيال السياسي.

في برنامج «واحد من الناس» مع عمرو الليثي، في حديث نُشر يوم 19 يناير 2021، قال صبري إن سعاد قُتلت في الشقة بالصدفة، بعد أن تدخلت في خلاف بين صاحبة الشقة «نادية» وأشخاص جاؤوا لسرقة أموال، وإن القاتل وضع جثتها في الأسفل ليبدو الأمر انتحاراً. وقال أيضاً إن نادية أخبرته في البداية أن سعاد ماتت أمام عينيها، ثم أنكرت ذلك وغيّرت أقوالها.

حسين فهمي ذهب في اتجاه قريب. قال إن الجثمان وُجد على بُعد خمسة أمتار من الحافة، ورجّح أنها ماتت قبل أن تُلقى من أعلى، وقال: «سعاد لو أرادت الانتحار لكانت اختارت طريقة أسهل». هذا استنتاج شخصي من فنان، وليس تقريراً جنائياً.

التناقض الأكبر يخص الجمجمة. سمير صبري قال إن تقرير الطب الشرعي أثبت عدم وجود كسر فيها، أما أختها من الأم جيهان عبد المنعم فقالت، نقلاً عن اليوم السابع، إنها لاحظت كسراً في مؤخرة الجمجمة أثناء الغُسل. وأوضحت جيهان أنها وجنجاه وحدهما من غسّلتا الجثمان، ونفت شائعة حلق شعرها، وقالت إن شعرها كان طويلاً يصل إلى منتصف ظهرها، وإن وزنها كان نحو 70 كيلوغراماً. روايتان من شخصين قريبين، وكل منهما تنقض الأخرى في نقطة يُفترض أنها حاسمة.

لماذا يربط البعض وفاة سعاد حسني بأشرف مروان والليثي ناصف؟

يربط كثيرون وفاة سعاد حسني بحالتين لمصريين بارزين سقطا من شرفات في لندن أيضاً: أشرف مروان، زوج ابنة جمال عبد الناصر، الذي سقط من شرفة بيته في يونيو 2007، والليثي ناصف، القائد الأسبق للحرس الجمهوري، الذي سقط من شرفة في منتصف السبعينيات.

التشابه في طريقة الموت والمدينة جعل البعض يتحدث عن «نمط». لكن التشابه وحده لا يصنع دليلاً. لكل حالة ظروفها وتحقيقاتها، ولا يوجد حكم قضائي يربط بين الحالات الثلاث. ما يفعله هذا الربط عملياً هو أنه يغذي الشك العام ويجعل قبول رواية الانتحار أصعب على الجمهور.

في هذه القضية تحديداً، يحتاج القارئ إلى ميزان بسيط: ما أثبتته جهة تحقيق رسمية في كفة، وما قاله شخص في برنامج أو تصريح في كفة أخرى. الأول قال انتحار في بريطانيا، و«عدم كفاية أدلة» في مصر. الثاني يميل في أغلبه إلى القتل، لكنه مختلف حتى في تفاصيله الأساسية.

أهم النقاط

  • ماتت سعاد حسني يوم 21 يونيو 2001 بعد سقوطها من الدور السادس في برج «ستيوارت تاور» بلندن.
  • الشرطة البريطانية ثم تحقيق قضائي بريطاني انتهيا إلى أنها انتحرت.
  • محامي الأسرة عصام قنديل أعلن في أغسطس 2003 الطعن على الحكم، وأشار إلى رسائل هاتف ممسوحة وفردة حذاء في المطبخ وأخرى في الشرفة.
  • شقيقتها جنجاه اتهمت في بلاغ رسمي صفوت الشريف وحبيب العادلي ورأفت بدران ونادية يسري، وأوقف القاضي التحقيق في مارس 2013 لعدم كفاية الأدلة.
  • روايات المقربين متضاربة: سمير صبري تحدث عن قتل عارض أثناء سرقة، وحسين فهمي قال إنها كانت تجهّز حقائب العودة.
  • الخلاف حول وجود كسر في الجمجمة قائم بين رواية سمير صبري ورواية أختها جيهان عبد المنعم.
  • تختلف المصادر في سنة ميلادها، 1942 أو 1943، لذلك يُقدَّر عمرها عند الوفاة بنحو 58 أو 59 عاماً.

أسئلة شائعة

كم كان عمر سعاد حسني عند وفاتها؟

كان عمرها نحو 58 أو 59 عاماً. السبب أن المصادر تختلف في سنة ميلادها: السينما.كوم تذكر 26 يناير 1943، وEgyptian Streets تذكر يناير 1942.

من هي نادية يسري في قضية سعاد حسني؟

نادية يسري صديقة سعاد حسني التي كانت تقيم معها في شقة لندن. محامي الأسرة أشار إلى تضارب أقوالها حول مسح رسائل هاتف سعاد، وورد اسمها في بلاغ الشقيقة جنجاه، لكن القضاء المصري لم يجد دليلاً يدينها.

لماذا سافرت سعاد حسني إلى لندن؟

سافرت للعلاج من مشكلات مزمنة في العمود الفقري واضطراب ضغط الدم وشلل في العصب الوجهي، إلى جانب زيادة الوزن بسبب الكورتيزون. وعولجت فترة على نفقة الدولة المصرية قبل أن يُوقَف هذا العلاج.

هل أعيد فتح التحقيق في وفاة سعاد حسني؟

ضابط شرطة بريطاني قال في أغسطس 2003 إن التحقيق قد يُفتح من جديد إذا ظهرت أدلة أو شهادات جديدة، ولم يُعلَن أنه فُتح. وفي مصر أوقف قاضي التحقيق القضية في مارس 2013 لعدم كفاية الأدلة.

ما آخر فيلم لسعاد حسني قبل وفاتها؟

آخر أفلامها كان «الراعي والنساء» سنة 1991 مع أحمد زكي ويسرا. بعده ابتعدت عن الحياة العامة، ورحلت بعد عشر سنوات من آخر ظهور لها على الشاشة.

الخلاصة

["قانونياً، القضية مغلقة في البلدين: انتحار بحسب التحقيق البريطاني، وتحقيق موقوف لعدم كفاية الأدلة في مصر. لكن الأسئلة التي طرحها المحامي والأسرة لم يرد عليها أحد علناً بإجابة مقنعة، من الرسائل الممسوحة إلى فردة الحذاء إلى الخلاف حول الجمجمة، ولذلك يبقى الجدل حياً. وإن كان من تغيير منتظر، فلن تصنعه مقابلة تلفزيونية جديدة يعيد فيها صديق قديم روايته. يصنعه شيء ملموس فقط: تقرير الطب الشرعي الكامل منشوراً، أو شاهد جديد أمام جهة تحقيق، وهو ما قالت الشرطة البريطانية نفسها إنه شرط لإعادة فتح الملف. حتى يحدث ذلك، يُستحسن أن يقرأ المهتم كل رواية جديدة عن «السندريلا» بسؤالين: من قالها؟ وهل قالها أمام محقق أم أمام كاميرا؟"]