حجر هيباتيا حصاة سوداء لامعة عثر عليها الجيولوجي المصري علي بركات في ديسمبر 1996 بمنطقة زجاج الصحراء الليبية جنوب غرب مصر. أثبتت التحاليل أنها لم تتكون على الأرض، لكن تركيبها لا يطابق أي نيزك أو مذنب معروف. وتقترح دراسة نُشرت سنة 2022 أنها ربما تحمل بقايا نجم انفجر قبل أن تتكون الشمس، بينما يرى علماء آخرون أن أدلة هذه الفرضية لم تكتمل بعد.

وزنها الأصلي نحو 30 غراماً، ولم يبقَ منها اليوم سوى نحو 4 غرامات معروفة بعد أن قُطّعت ووُزعت على مختبرات في أكثر من بلد. ومع ذلك أنتجت هذه الكمية الصغيرة سلسلة من الأوراق العلمية، وكشفت عن ألماس مجهري، ومركّب كيميائي لم يُعرف من قبل، وخلافاً لم يُحسم حول سؤال بسيط: من أين جاءت؟

اليوم، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، يقترب الاكتشاف من إتمام عامه الثلاثين في ديسمبر المقبل، ولا يزال الحجر بلا تصنيف رسمي يتفق عليه المجتمع العلمي. والمكان الذي وُجد فيه له قصة أقدم، فمنه جاء الزجاج الأصفر الذي نُحت منه جعران في إحدى قلادات توت عنخ آمون.

كيف عثر علي بركات على حجر هيباتيا؟

عثر عليه مصادفة أثناء تجوله فجراً في ديسمبر 1996، داخل حقل زجاج الصحراء الليبية في أقصى جنوب غرب مصر. يروي بركات اللحظة بنفسه: «في يوم، بعد صلاة الفجر، بدأت أتمشى، فرأيت على الأرض صخرة صغيرة سوداء لكنها لامعة».

وُجدت الحصاة عند إحداثيات تقريبية 25°20′ شمالاً و25°30′ شرقاً، وإلى جوارها مادة زجاجية داكنة تشبه الخَبَث، فُسّرت لاحقاً على أنها من زجاج الصحراء الليبية. المنطقة نفسها جزء من بحر الرمال الأعظم، وتبعد نحو 800 كيلومتر غرب وادي النيل. وصفها بركات بأنها «مليئة بمواد غريبة مجهولة الأصل»، وكان ذلك سبباً كافياً ليلتقط الحصاة ويحتفظ بها.

ما فعله بعد ذلك أقل شيوعاً. درس بركات الحجر بنفسه وعلى نفقته الخاصة لسنوات طويلة، حتى نشر عنه كتاباً سنة 2012، ثم سلّم البحث لفريق علمي من إيطاليا وجنوب أفريقيا. ومن هنا بدأ الحجر يدخل الأوراق المحكّمة.

كثبان بحر الرمال الأعظم في جنوب غرب مصر حيث عُثر على حجر هيباتيا
بحر الرمال الأعظم، المنطقة التي عُثر فيها على حجر هيباتيا عام 1996الصورة: NASA's Earth Observatory — ويكيميديا كومنز (CC BY 2.0)

لماذا سُمّي الحجر «هيباتيا» وماذا حدث له بعد الاكتشاف؟

حمل الحجر اسم هيباتيا تكريماً لعالمة الرياضيات السكندرية، بعد أن اقترحت ورقة علمية سنة 2013 أن أصله من خارج الأرض. والتسمية في حد ذاتها خروج على العرف، فالنيازك تُسمّى عادة باسم أقرب مكان جغرافي إلى موقع سقوطها، لا باسم شخص.

في العام نفسه أظهرت دراسة لنظائر الأرغون أن الصخرة لم تتكون على الأرض. وكانت هذه أول نتيجة تنقل الحصاة من خانة «حجر غريب» إلى خانة «جسم من الفضاء». لكن الثمن كان ضخماً بالنسبة لعيّنة بهذا الحجم: كل تحليل جديد يحتاج إلى قطعة، والقطعة الواحدة البالغة نحو 30 غراماً تقلصت إلى نحو 4 غرامات فقط معروفة اليوم.

لهذا التقطيع أثر عملي على الخلاف العلمي الدائر حتى الآن. فكلما صغرت العينة المتاحة، صعب على مختبرات مستقلة أن تعيد التحاليل من الصفر وتتحقق من النتائج بنفسها.

لماذا لا يطابق تركيب حجر هيباتيا أي نيزك أو مذنب معروف؟

لأن تحاليله أظهرت مزيجاً من المعادن ونسب العناصر والنظائر لا يتوافق مع أي فئة معروفة من النيازك أو المذنبات. في سنة 2015 اقترحت دراسة للغازات النبيلة داخل الحجر أنه قد لا يطابق أي نوع مسجل منها.

توالت المفاجآت بعد ذلك. عثر الباحثون على ألماس مجهري داخل الحجر، وعلى توزيعات نظائر شاذة. ثم وجدت ورقة سنة 2018 هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات، وكربيد السيليكون، ومركّباً من فوسفيد النيكل لم يكن معروفاً من قبل. وبحسب جامعة جوهانسبرغ، لم يُعثر على هذا الفوسفيد في أي جسم آخر داخل المجموعة الشمسية.

الخطوة الأدق جاءت من مختبرات iThemba Labs في جنوب أفريقيا. استخدم الفريق المسبار البروتوني لتحليل 17 نقطة اختيرت بعيداً عن المعادن الأرضية التي تسربت إلى شقوق الحجر، ورصد 15 عنصراً. كانت نسب السيليكون والكروم والمنغنيز أقل من 1%، وهي نسب منخفضة على نحو غير مألوف لمادة صخرية في مجموعتنا الشمسية، بينما ارتفعت نسب الحديد والكبريت والفوسفور والنحاس والفاناديوم.

بناءً على هذه الأرقام استبعد الفريق قائمة طويلة من المصادر المحتملة: الأرض، وكل الأنواع المعروفة من المذنبات والنيازك، وغبار المجموعة الشمسية الداخلية، ومتوسط الغبار بين النجمي، وتدفق المادة من عملاق أحمر، والمستعر الأعظم من النوع الثاني. لم يبقَ أمامهم إلا تفسير أبعد من كل ذلك.

شريحة صغيرة من حجر هيباتيا تحت المجهر تكشف ألماساً مجهرياً ومعادن غريبة
تحاليل مخبرية كشفت ألماساً مجهرياً ومركّبات لم تُعرف من قبلرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ما فرضية «المستعر الأعظم من النوع Ia» التي تفسر أصل الحجر؟

تقول الفرضية إن مادة الحجر تحمل بصمة انفجار نجمي من نوع خاص، يحدث حين يسحب قزم أبيض مادة من نجم مرافق له حتى ينفجر. نُشرت الدراسة في مجلة Icarus سنة 2022 (المجلد 382، المقال 115043)، وأعلنتها جامعة جوهانسبرغ في 17 مايو 2022. ومؤلفوها هم جان كرامرز وجورجي بيليانين وفويتشخ بشيبيوفيتش وهارتموت فينكلر وماركو أندريولي.

السيناريو المقترح يمر بعدة مراحل. انهار عملاق أحمر إلى قزم أبيض داخل سديم، ثم أخذ القزم يسحب مادة من نجم مرافق حتى انفجر مستعراً أعظم من النوع Ia. احتجز الغبار المحيط غازات الانفجار، ومن هذا الخليط تكوّن جسم أكبر هو «الجسم الأم» للحجر، على الأرجح في المناطق الباردة البعيدة من المجموعة الشمسية، أي سحابة أورط أو حزام كايبر.

الأرقام هي ما يدعم هذه القصة. تقول جامعة جوهانسبرغ إن نسب عدة عناصر إلى الحديد، منها السيليكون والكبريت والكالسيوم والتيتانيوم والفاناديوم والكروم والمنغنيز والنيكل، تقع في النطاقات المتوقعة لمستعر أعظم من النوع Ia. لكن ستة عناصر خرجت عن هذا النمط: الألومنيوم والفوسفور والكلور والبوتاسيوم والنحاس والزنك جاءت أعلى من المتوقع بعشر إلى مئة مرة. ويرجّح كرامرز أنها جاءت من العملاق الأحمر الأصلي قبل انهياره.

أهمية الفرضية، إن صحّت، تتجاوز الحجر نفسه. قال كرامرز إن حجر هيباتيا سيكون عندها «أول دليل ملموس على الأرض على انفجار مستعر أعظم من النوع Ia»، وهي انفجارات تحدث مرة أو مرتين تقريباً في كل مجرة كل قرن. وتذهب الدراسة أبعد من ذلك، فتقول إن الجسم الأم تصلّب في المراحل الأولى من تكوّن المجموعة الشمسية، ما يعني أن الغبار لم يمتزج تماماً في السديم الشمسي، وهو استنتاج يقول الباحثون أنفسهم إنه «يتعارض مع الرأي السائد».

لماذا يعارض علماء آخرون فرضية المستعر الأعظم؟

لأن الأدلة كلها تقريباً خرجت من فريق واحد، ولم تختبرها مختبرات مستقلة بعد. من أبرز الملاحظات النقدية أن جان كرامرز مؤلف مشارك في كل الأوراق المنشورة عن الحجر، وأنه لا توجد دراسات مستقلة أكدت هذه الادعاءات أو نفتها.

المشكلة الثانية هي التلوث الأرضي. ظل الحجر ملقى في الصحراء زمناً غير معروف، وتسربت معادن أرضية إلى شقوقه، وهذا ما دفع فريق جنوب أفريقيا إلى اختيار نقاط التحليل بعيداً عنها. لكن المنتقدين يرون أن مسألة التلوث لم تُحسم، وأن أي خطأ فيها قد يغيّر قراءة نسب العناصر من أساسها.

ثم هناك الشك في الأصل نفسه. قال الجيوكيميائي آلان روبن، الأمين المشارك لمجموعة النيازك في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (UCLA)، إن الحجر «غريب»، لكنه غير متأكد من أنه نيزك أصلاً. ويرتبط ذلك بعقبة إجرائية: تشترط الجمعية النيزكية التبرع بـ20% من الكتلة الأصلية أو 20 غراماً لمتحف أو أرشيف حتى يُعتمد النيزك، وهو شرط لم يتحقق في حالة هيباتيا.

النتيجة أن الحجر، حتى نوفمبر 2023 على الأقل، لم يُصنَّف رسمياً نيزكاً في النشرة النيزكية Meteoritical Bulletin. ووصفته الأدبيات العلمية بأوصاف متضاربة: نيزك، وحطام كمبرلايت أرضي، وأول نواة مذنّب تصل إلى الأرض. هذا التضارب يعني أن العلم لم يتفق بعد على إجابة، ولا يعني أن إحدى هذه الإجابات أُثبتت.

ما علاقة منطقة الحجر بالزجاج الأصفر في قلادة توت عنخ آمون؟

الحجر والقلادة خرجا من الحقل نفسه، حقل زجاج الصحراء الليبية. فالجعران الذي يتوسط إحدى صدريات توت عنخ آمون منحوت من هذا الزجاج الأصفر، وقد عثر عليها هوارد كارتر في المقبرة سنة 1922.

ظل الجعران يُعتقد لعقود أنه من حجر الكالسيدوني، حتى سنة 1998 حين تبيّن أنه من زجاج الصحراء. وتقول عالمة المصريات سليمة إكرام إن قطعة بهذا الحجم كانت نادرة جداً، وعوملت معاملة الأحجار الكريمة. ولم تكن هذه الصدريات للزينة فقط، فقد استُخدمت لأغراض دينية بقصد الحماية ومنح القوة الإلهية لصاحبها.

أما الزجاج نفسه فعمره نحو 29 مليون سنة، وتكوّن من انصهار الكوارتز في حرارة تتجاوز 3000 درجة فهرنهايت، أي نحو 1650 درجة مئوية. ودخل الحقل الأدبيات العلمية مع بعثة باتريك كلايتون سنة 1932. ووجد الجيولوجي آرون كافوسي من جامعة كيرتن حبيبات زركون تحولت عن معدن الريديت، وهو معدن لا يتكون إلا بارتطام نيزكي. ومع ذلك لم يعثر أحد حتى الآن على فوهة الارتطام.

هنا يلتقي اللغزان. يفترض بعض الباحثين أن هيباتيا قد يكون شظية من الجسم الذي اصطدم بالأرض وصهر رمال المنطقة إلى زجاج. لكن تركيبه الكيميائي يختلف عن تركيب الزجاج، فتبقى الصلة بينهما احتمالاً لم يُثبت، والجغرافيا المشتركة وحدها لا تكفي دليلاً عليه.

قلادة توت عنخ آمون بجعران من زجاج الصحراء الليبية من منطقة حجر هيباتيا
جعران قلادة توت عنخ آمون المنحوت من زجاج الصحراء الليبية الأصفررسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

أهم النقاط

  • عثر الجيولوجي المصري علي بركات على الحجر في ديسمبر 1996 بحقل زجاج الصحراء الليبية، جنوب غرب مصر.
  • وزنه الأصلي نحو 30 غراماً، ولم يبقَ منه معروفاً اليوم إلا نحو 4 غرامات بعد توزيعه على المختبرات.
  • أثبتت نظائر الأرغون سنة 2013 أنه لم يتكون على الأرض.
  • يحتوي على ألماس مجهري، وعلى فوسفيد نيكل لم يُعثر عليه في أي جسم آخر بالمجموعة الشمسية.
  • دراسة Icarus سنة 2022 ترجّح أنه يحمل بصمة مستعر أعظم من النوع Ia، لكن ستة عناصر جاءت أعلى من المتوقع بعشر إلى مئة مرة.
  • المنتقدون يشيرون إلى غياب دراسات مستقلة، وإلى أن مسألة التلوث الأرضي لم تُحسم.
  • حتى نوفمبر 2023 لم يُعتمد الحجر نيزكاً في النشرة النيزكية الرسمية.
  • من الحقل نفسه جاء الزجاج الأصفر الذي نُحت منه جعران قلادة توت عنخ آمون.

أسئلة شائعة

هل حجر هيباتيا نيزك؟

ليس رسمياً. أثبتت التحاليل أنه لم يتكون على الأرض، لكنه حتى نوفمبر 2023 لم يُصنَّف نيزكاً في النشرة النيزكية، ومن أسباب ذلك أن شرط التبرع بجزء من كتلته لمتحف أو أرشيف لم يتحقق.

أين يوجد حجر هيباتيا الآن؟

لم يعد قطعة واحدة. قُطّعت الحصاة الأصلية ووُزعت على مختبرات عدة في أكثر من بلد، ولم يبقَ من كتلتها المعروفة سوى نحو 4 غرامات.

ما المستعر الأعظم من النوع Ia ببساطة؟

انفجار نجمي يحدث حين يسحب قزم أبيض مادة من نجم مرافق حتى يصل إلى حد الانفجار. وهو حدث نادر نسبياً، إذ يقع مرة أو مرتين تقريباً في كل مجرة كل قرن.

هل يمكن زيارة منطقة زجاج الصحراء الليبية؟

تقع المنطقة في بحر الرمال الأعظم على بعد نحو 800 كيلومتر غرب وادي النيل، وهي بيئة صحراوية نائية. لا تُزار إلا في رحلات صحراوية منظمة بمرشدين وتصاريح من الجهات المصرية المختصة، ولا ينبغي التوجه إليها بشكل فردي.

من هي هيباتيا التي سُمّي الحجر باسمها؟

عالمة رياضيات من الإسكندرية في العصر القديم، اختار الباحثون اسمها تكريماً لها سنة 2013. والتسمية غير معتادة، فالنيازك تُسمّى عادة باسم المكان القريب من موقع سقوطها.

هل زجاج الصحراء الليبية من الفضاء؟

الزجاج نفسه أرضي، تكوّن من انصهار رمال الكوارتز قبل نحو 29 مليون سنة. لكن حبيبات الزركون المتحولة عن معدن الريديت تشير إلى أن ارتطاماً نيزكياً هو ما صهرها، مع أن فوهة الارتطام لم تُكتشف حتى الآن.

الخلاصة

مستقبل حجر هيباتيا العلمي يتوقف على أمر واحد بسيط: أن تحلل مختبرات لا علاقة لها بالفريق الأصلي ما تبقى منه، وتصل إلى النتائج نفسها أو تنفيها. فرضية المستعر الأعظم جذابة، لكنها ما زالت حتى اليوم تحليلاً صادراً عن فريق واحد، ولم تتحول إلى حقيقة مستقرة. ولو تأكدت يوماً، فستكون أول قطعة ملموسة على الأرض من انفجار نجمي من النوع Ia، وستفرض على العلماء إعادة النظر في الفكرة السائدة عن تجانس الغبار الذي تكونت منه المجموعة الشمسية. وللقارئ الذي يتابع القصة نصيحة عملية: عند قراءة أي عنوان يقول إن «العلماء حسموا أصل الحجر»، ابحث عن اسم الجهة التي أجرت الدراسة، وعن أي إعلان من الجمعية النيزكية بتصنيفه رسمياً، لأن هذين المؤشرين سيكشفان إن كان اللغز قد حُلّ فعلاً. وفي ديسمبر المقبل يتم الاكتشاف عامه الثلاثين، والحصاة التي التقطها علي بركات بعد صلاة الفجر لم تحصل بعد على تصنيف رسمي.