المشهد الذي يبحث عنه الناس بعبارة «احمد زكي بيجري باللباس» من فيلم «ولاد الإيه»، وهو فيلم جريمة وتشويق مصري عُرض سنة 1989، كتبه بسيوني عثمان وأخرجه شريف يحيى. فيه يجري أحمد زكي في دور «زكي الحمصاني» في الشارع شبه عارٍ، كما وصفه موقع صدى البلد، وتحولت لقطته بعد عشرات السنين إلى واحدة من أشهر الصور الساخرة على مواقع التواصل.

المفارقة واضحة: الفيلم جاد، يدور حول الفساد ومستندات تدين رجل أعمال، وينتهي بمقتل الشرير ورصاصة تصيب البطل إصابة خطيرة. ومع ذلك لم يبقَ من الفيلم في ذاكرة الجيل الجديد إلا رجل يركض بملابسه الداخلية، صار رمزاً لكل من يريد الهروب من موقف محرج.

تشرح السطور التالية كيف ظهر المشهد، وماذا يقول من شاركوا في الفيلم عن أصله، ولماذا خرج من الشاشة المصرية ليصل إلى الكوميديا الخليجية وعناوين أخبار عن ولاية كاليفورنيا. وهذا الموضوع جزء من ملف «أحمد زكي: الحكاية الكاملة لـ«النمر الأسود» من يتيم الزقازيق إلى إمبراطور السينما المصرية»، لمن يريد قراءة سيرة الممثل كاملة.

في أي فيلم ظهر أحمد زكي يجري باللباس؟

المشهد من فيلم «ولاد الإيه» الذي أُنتج سنة 1989، ولعب فيه أحمد زكي دور «زكي الحمصاني». أخرجه شريف يحيى عن قصة وسيناريو بسيوني عثمان، وأنتجته «الشركة العالمية للتليفزيون والسينما» التي يملكها المنتج حسين القلا.

ضم الفيلم أسماء كبيرة: صلاح ذو الفقار في دور الدكتور بهاء منصور، وميرفت أمين في دور ليلى، وهالة صدقي في دور إلهام، ومحمد الدفراوي في دور رجل الأعمال الفاسد راتب شديد، ووداد حمدي في دور زينب الحمصاني. تولى كمال كريم إدارة التصوير، ووضع محمد سلطان الموسيقى التصويرية، ونفذت عنايات السايس المونتاج.

ولا تتفق المصادر على تاريخ العرض الأول ولا على مدة الفيلم. أغلب المراجع السينمائية تضعه في سنة 1989، لكنها تعطي أياماً وشهوراً مختلفة، وتختلف كذلك في عدد دقائقه. والثابت أن الفيلم جاء في ذروة نشاط أحمد زكي في أواخر الثمانينيات، وهي الفترة التي ثبّتت مكانته بطلاً أول.

ما قصة فيلم «ولاد الإيه»؟ وهل هو كوميدي فعلاً؟

«ولاد الإيه» ليس فيلماً كوميدياً. هو فيلم جريمة وتشويق موضوعه الفساد، ومن يعرفه من الإيفيه وحده سيُفاجأ بنبرته الجادة.

تبدأ الحكاية بإلهام (هالة صدقي)، وهي تحمل مستندات تدين رجل الأعمال راتب شديد. يطاردها رجاله، فتستنجد بزكي الحمصاني الذي ينقذها بسيارته القديمة الصغيرة. وبحسب صدى البلد كانت السيارة من طراز فيات D600، وهو طراز طرحته الشركة سنة 1964 وكان وقتها أصغر سيارة في شوارع مصر وأشهرها. اختيار السيارة يرسم الشخصية: رجل بسيط بلا نفوذ يجد نفسه في مواجهة رأس مال فاسد.

وتذهب النهاية إلى منطقة قاتمة. بحسب ويكيبيديا يقتل شركاء راتب شديد الرجل وهو في طريقه إلى المحكمة، ويصل زكي إلى المحكمة ليسلّم المستندات إلى القاضي، فيصاب برصاصة إصابة خطيرة. لا تتناسب هذه الخاتمة مع الضحك الذي يثيره الإيفيه اليوم.

ويذكر موقع الدهليز أن القصة الأصلية مأخوذة من الفيلم الأمريكي «هانكي بانكي» (Hanky Panky)، وهو كوميديا تشويقية أخرجها سيدني بواتييه وعُرضت في 4 يونيو 1982، وقام ببطولتها جين وايلدر وجيلدا رادنر. يحكي الفيلم الأمريكي عن مهندس معماري يتورط في جريمة قتل ويهرب بعد اتهامه ظلماً. والتشابه في الخط العام واضح: رجل عادي يطارده الجميع بسبب سر لا يخصه.

سيارة فيات 600 الصغيرة في شارع قاهري مثل سيارة زكي الحمصاني
فيات D600، السيارة الصغيرة التي أنقذ بها زكي الحمصاني إلهامرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

كيف وُلد مشهد الجري؟ وهل كان مكتوباً في السيناريو؟

الرواية المتداولة أن المشهد لم يكن في السيناريو، وأن أحمد زكي هو صاحب الفكرة. مصدر هذه الرواية مقطع فيديو قصير على يوتيوب منسوب إلى المنتج حسين القلا، ويقول عنوانه إن مشهد الجري عارياً في الشارع لم يكن مكتوباً وإن البطل اخترعه.

ويجب الحذر هنا. لم نعثر على المقابلة كاملة ولا على تاريخ تسجيلها، فالمعلومة تبقى رواية منسوبة إلى المنتج وليست واقعة موثقة بالتفصيل. لم يذكر أي مصدر متاح كيف صُوّر المشهد تقنياً، ولا في أي شارع، ولا عدد مرات إعادته، ومن يقدم لك أرقاماً من هذا النوع يخمّن.

لكن الرواية تتسق مع ما يُعرف عن أحمد زكي، الذي اشتهر بالاندماج الكامل في الشخصيات وبالارتجال وبالإضافة إلى ما يكتبه المؤلف. أن يقترح ممثل بهذه السمعة أن يركض في الشارع بلا ملابس ليجعل الهروب أكثر صدقاً أمر غير مستغرب من رجل حمل ألقاب «النمر الأسود» و«الإمبراطور» و«صائد الجوائز».

طاقم تصوير سينمائي في شارع قاهري ليلاً يصوّر مشهد جري
كواليس تصوير مشهد جري في شوارع القاهرة أواخر الثمانينياترسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

لماذا تحوّل المشهد إلى إيفيه على السوشيال ميديا؟

لأن الصورة تكفي وحدها. رجل يجري في الشارع بملابسه الداخلية وعلى وجهه ذعر حقيقي، ولا تحتاج اللقطة إلى شرح أو سياق أو حتى معرفة بالفيلم لتفهم أن صاحبها يهرب من شيء.

في 30 نوفمبر 2021 نشر صدى البلد أن صورة أحمد زكي من «ولاد الإيه» منتشرة على مواقع التواصل، وأن المستخدمين يستعملونها للتعبير الساخر عن الهروب من المواقف، رغم جدية الفيلم. وهذا هو منطق الميمز: تُنتزع اللقطة من حكايتها وتُعطى معنى جديداً. الهروب من اجتماع عائلي، من سؤال عن المرتب، من امتحان، من مكالمة مديرك يوم الإجازة، كلها مواقف تصلح لها صورة واحدة.

وهناك سبب آخر يتعلق بأحمد زكي نفسه. الجمهور يعرفه ممثلاً صارماً في أدوار ثقيلة، فرؤيته في هذا الوضع تحديداً تضاعف المفارقة. لو كان صاحب اللقطة ممثلاً كوميدياً لكانت نكتة عادية، أما مع بطل «زوجة رجل مهم» و«ناصر 56» فالصورة تحمل كسراً للتوقع، والضحك يأتي من هذا الكسر.

شاب يتصفح إيفيه احمد زكي بيجري باللباس على هاتفه في مقهى
إيفيه الجري تحوّل إلى صورة ساخرة يتبادلها الجيل الجديدرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

كيف عبر الإيفيه حدود مصر؟

وصل المشهد إلى الكوميديا الخليجية، وصار مرجعاً تستخدمه الصحافة المصرية حين تكتب عن أخبار مشابهة في الخارج. انتشاره لم يتوقف عند الضحك المحلي.

في سنة 2016 كتب الكاتب السعودي فيصل العامر في تغريدة أن مشهد هروب شخصية «راشد» في مسلسل الرسوم المتحركة «مسامير» مقتبس من مشهد أحمد زكي في «ولاد الإيه». نعتمد هنا على نص التغريدة كما ظهر في نتائج البحث، إذ لم تفتح صفحتها الأصلية. لكن مضمونها يوضح أن صناع الكوميديا في الخليج يعرفون المشهد ويستخدمونه، ويتوقعون أن يفهم جمهورهم الإحالة.

وفي الأربعاء 18 سبتمبر 2019 نشر صدى البلد خبراً عن رجل في ولاية كاليفورنيا الأمريكية جرى خلف حافلة مدرسية بلا ملابس، واختار له عنوان «على طريقة أحمد زكي». حين يستعير محرر صحفي اسم ممثل ليشرح خبراً أمريكياً لقرائه، فهذا يعني أن المشهد صار جزءاً من اللغة اليومية.

ماذا يحدث لو قلّدت المشهد في الشارع؟

قد يتحول التقليد من نكتة إلى مشكلة. هذا ما حدث في محافظة البحيرة في أغسطس 2021، حين خرج الإيفيه من الشاشة إلى الطريق العام.

في 13 أغسطس 2021 قلّد شاب اسمه أحمد الشناوي، وعمره 24 عاماً، مشهد أحمد زكي في «ولاد الإيه»، وجرى وجزء كبير من جسده مكشوف فوق الكوبري العلوي في دمنهور. قال الشاب إن الفيديو مدته أقل من 44 ثانية، وإن تصويره استغرق نحو 3 ساعات. لكن الفيديو قوبل بانتقادات واسعة، وطالب منتقدوه بالتحقيق معه.

الدرس العملي واضح لمن يصنع محتوى على تيك توك أو ريلز. ما يُضحك على الشاشة داخل فيلم مرخّص يختلف عما يحدث في شارع حقيقي فيه مارة وأسر وسيارات. إن أردت إعادة تمثيل المشهد فافعل ذلك في مكان خاص أو مغلق، وبملابس رياضية تؤدي الغرض البصري نفسه، وابتعد عن الكباري والطرق السريعة لأن الجري وسط المرور خطر في ذاته. ويبقى استخدام الصورة الأصلية ميماً في التعليقات أسلم وأكثر انتشاراً من محاولة إعادة إنتاجها بجسدك.

أهم النقاط

  • مشهد «احمد زكي بيجري باللباس» من فيلم «ولاد الإيه» (1989)، ودوره فيه «زكي الحمصاني».
  • الفيلم من إخراج شريف يحيى وتأليف بسيوني عثمان وإنتاج حسين القلا، ومعه صلاح ذو الفقار وميرفت أمين وهالة صدقي ومحمد الدفراوي.
  • تختلف المصادر في تاريخ العرض الأول ومدة الفيلم، والمتفق عليه أنه عُرض سنة 1989.
  • الفيلم جاد عن الفساد وينتهي بإصابة البطل برصاصة، والمشهد وحده هو الذي صار كوميدياً على السوشيال ميديا.
  • مقطع منسوب للمنتج حسين القلا يقول إن أحمد زكي اخترع المشهد ولم يكن في السيناريو، والمقابلة الكاملة غير متاحة.
  • بحسب موقع الدهليز، القصة مأخوذة من الفيلم الأمريكي «هانكي بانكي» (1982) لسيدني بواتييه.
  • شاب في دمنهور قلّد المشهد على كوبري علوي في 13 أغسطس 2021 وواجه انتقادات ومطالبات بالتحقيق معه.

أسئلة شائعة

ما اسم شخصية أحمد زكي في فيلم ولاد الإيه؟

لعب أحمد زكي دور «زكي الحمصاني»، وهو رجل بسيط يملك سيارة فيات D600 صغيرة. يتورط في مطاردة بعدما يساعد إلهام التي تحمل مستندات تدين رجل أعمال فاسد.

من أخرج فيلم ولاد الإيه؟

أخرجه شريف يحيى عن قصة وسيناريو بسيوني عثمان. وأنتجته الشركة العالمية للتليفزيون والسينما التي يملكها المنتج حسين القلا.

هل فيلم ولاد الإيه مقتبس من فيلم أجنبي؟

يذكر موقع الدهليز أن قصته مأخوذة من الفيلم الأمريكي «هانكي بانكي» الذي أخرجه سيدني بواتييه وعُرض في 4 يونيو 1982. يحكي الفيلمان عن رجل عادي يطارَد بعد تورطه في قضية لا ذنب له فيها.

كم تقييم فيلم ولاد الإيه؟

يحمل الفيلم تقييم 6.5 من 10 على موقع السينما.كوم، بناءً على 61 صوتاً. شهرة مشهد الجري تفوق شهرة الفيلم نفسه عند الجمهور الأصغر سناً.

متى توفي أحمد زكي وكم كان عمره؟

توفي أحمد زكي في 27 مارس 2005 في مدينة 6 أكتوبر بعد إصابته بسرطان الرئة، وكان عمره 58 عاماً. وُلد في الزقازيق في 18 نوفمبر 1946.

هل عملت هالة صدقي مع أحمد زكي بعد ولاد الإيه؟

نعم، عادت هالة صدقي للعمل معه في فيلم «الهروب» سنة 1991. وفي «ولاد الإيه» كانت هي إلهام، الشخصية التي تحرّك المطاردة كلها.

الخلاصة

بعد أكثر من 37 عاماً على «ولاد الإيه»، نسي أغلب الجمهور قصة الفيلم ومستنداته ورصاصته الأخيرة، وبقيت لقطة واحدة قد لا تكون مكتوبة في السيناريو أصلاً. هذا ما يفعله الإنترنت بالأفلام القديمة: يأخذ منها ثانية واحدة ويعيد تشغيلها بلا توقف. وفي المقابل تعيد الميمز الناس إلى الأصل، فمن يضحك على الصورة اليوم قد يبحث عن الفيلم غداً ويكتشف أن «زكي الحمصاني» يدفع ثمن شجاعته في النهاية. إن كان المشهد هو كل ما تعرفه عن أحمد زكي، فشاهد الفيلم كاملاً، ثم اقرأ ملف «أحمد زكي: الحكاية الكاملة لـ«النمر الأسود» من يتيم الزقازيق إلى إمبراطور السينما المصرية»، وستعرف لماذا تضحك صورة لهذا الممثل تحديداً ملايين الناس، ولماذا لا تصلح أي صورة أخرى مكانها.