نعم، يوجد نجم أخضر واحد على الأقل، لكنه حالة نادرة جداً. اسمه WD J1330+6435، وهو «قزم أبيض» في مجرة درب التبانة يقع في اتجاه كوكبة التنين. ويقدّر الفلكيون أن لونه أخضر مائل إلى الصفرة لأن صوديوماً جاءه من حطام صخري سقط عليه، وهذا الصوديوم يمتص الضوء البرتقالي. أما بقية النجوم فلا تبدو خضراء أبداً، لأن كل نجم يصدر مزيجاً واسعاً من الألوان، والعين تجمع هذا المزيج فتراه أبيض.

يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 نشرت صحيفة النهار، نقلاً عن وكالة رويترز، أن علماء فلك رصدوا للمرة الأولى نجماً يبدو أخضر. وبعد يومين، الأحد 18 أكتوبر، نشرت صحيفة الخليج الإماراتية الخبر نفسه، ثم تناقلته مواقع عربية أخرى. اندهش كثيرون، فقد تعلّمنا في المدرسة أن النجوم حمراء أو صفراء أو بيضاء أو زرقاء، ولم يأتِ أحد على ذكر الأخضر.

الاكتشاف حقيقي، لكن «الأخضر» هنا يحتاج إلى شرح. لم يرَ أحد هذا النجم أخضر بعينه، ولا عبر عدسة تلسكوب. استنتج الباحثون لونه من تحليل ضوئه، ثم سألوا نموذجاً حاسوبياً سؤالاً واحداً: ماذا سترى العين البشرية لو وقفت قريباً منه؟ وفيما يلي شرح لما حدث، ولماذا تخلو السماء تقريباً من النجوم الخضراء، وكيف يعرف الفلكيون لون نجم لم يرَه أحد.

ما هو النجم الأخضر الذي أعلن عنه العلماء؟

النجم الأخضر قزم أبيض اسمه WD J1330+6435، ويقع على بعد أقل من 300 سنة ضوئية من الأرض في كوكبة التنين. ويصف الباحثون لونه بأنه «أخضر شارتروز»، أي أخضر تميل إليه الصفرة، وهذا اللون أقرب إلى ورقة شجر طرية منه إلى الزمرد.

القزم الأبيض هو ما يتبقى من نجم استنفد وقوده النووي، وهو جسم بالغ الكثافة. يضم عادةً نحو نصف كتلة الشمس مضغوطاً في حجم قريب من حجم الأرض. أما حرارة سطح هذا القزم تحديداً فتبلغ نحو 4000 درجة مئوية، وهي أقل كثيراً من حرارة سطح الشمس.

نُشرت الدراسة في مجلة RAS Techniques and Instruments التي تصدرها الجمعية الفلكية الملكية البريطانية (المجلد 5، 2026)، تحت عنوان «Any colour you like: the diverse chromaticities of white dwarfs»، أي «أي لون تريده: الألوان المتنوعة للأقزام البيضاء». قاد الدراسة عالم الفيزياء الفلكية مارك هولاندز من جامعة وارويك البريطانية، وشارك فيها بوريس غانزيكه وبيير-إيمانويل ترمبلاي وديتليف كوستر.

ولم يكن الأخضر هدف البحث في البداية. أراد الفريق أن يعرف اللون الحقيقي الذي ستراه العين لعدد كبير من الأقزام البيضاء القريبة، فوجد بينها مفاجآت كثيرة، وكان الأخضر أغربها.

لماذا نرى النجوم بيضاء أو حمراء أو زرقاء؟

حرارة سطح النجم هي التي تحدد لونه. النجوم الأبرد تبدو حمراء، والأسخن تبدو زرقاء، وما بينهما يبدو أصفر أو أبيض. وهذه هي القاعدة نفسها التي نراها حين نسخّن قطعة حديد: يحمرّ لونها أولاً، ثم يميل إلى البياض كلما زادت حرارتها.

تكفي نظرة إلى سماء الشتاء لملاحظة الفرق. حرارة سطح الشعرى اليمانية (سيريوس) نحو 9400 كلفن، ولذلك يميل ضوؤها إلى الزرقة الباردة. أما منكب الجوزاء في كوكبة الجبار فحرارته نحو 3400 كلفن، ولذلك يظهر بلون برتقالي محمرّ واضح حتى بالعين المجردة.

لكن النجم لا يصدر لوناً واحداً. كل نجم يشع مجموعة واسعة من الأطوال الموجية، ولو رسمنا شدة ضوئه عند كل طول موجي لظهر منحنى يشبه الجرس. وموضع قمة هذا الجرس هو ما يتغير مع الحرارة: في النجوم الحارة تقترب القمة من الأزرق، وفي النجوم الباردة تنزاح نحو الأحمر.

ولهذا السبب نرى ألوان النجوم باهتة في العادة. حين تكون قمة الجرس عند طرف الطيف يغلب لون ذلك الطرف، لكن بقية الألوان تبقى موجودة وتخفف حدّته، فنرى أزرق فاتحاً أو أحمر مائلاً إلى البرتقالي، ولا نرى ألواناً صافية مشبعة.

كوكبة الجبار ومنكب الجوزاء البرتقالي والشعرى اليمانية الزرقاء في سماء الشتاء
منكب الجوزاء يبدو برتقالياً والشعرى اليمانية زرقاء بسبب اختلاف حرارتهماالصورة: kronerda — ويكيميديا كومنز (CC BY 2.0)

لماذا لا نرى نجوماً خضراء بالعين المجردة؟

لا نرى نجوماً خضراء لأن النجم الذي تقع قمة إشعاعه عند الأخضر يصدر معه أيضاً كمية كبيرة من الأزرق والأحمر والأصفر، فتجمع العين هذه الألوان كلها وتراه أبيض. وأقرب مثال على ذلك الشمس.

تقع ذروة إشعاع الشمس عند الأطوال الموجية الخضراء. وقد يبدو هذا غريباً، لكنه منطقي: الأخضر في منتصف الطيف المرئي، والنجم متوسط الحرارة تقع قمة منحناه في المنتصف. ولأن الجرس عريض، فإن الألوان الأخرى تصل بكميات كبيرة أيضاً، ولا يبقى أمام الدماغ إلا أن يترجم الخليط إلى ضوء أبيض. أما الصفرة التي نراها في الشمس عند الشروق والغروب فمصدرها الغلاف الجوي للأرض الذي يشتت الأزرق، وليس الشمس نفسها.

ولكي يبدو نجم أخضر يجب أن يكون الأخضر أقوى بكثير من جيرانه في الطيف، وهذا لا يحدث في منحنى جرسي ناعم. الأخضر يقع دائماً بين الأزرق والأحمر، ولا يستطيع أن يتفوق عليهما معاً. ولذلك نحتاج إلى عامل خارجي «يقصّ» جزءاً من الطيف، وهذا ما حدث في النجم الجديد.

ولا توجد في السماء نجوم بنفسجية للسبب نفسه تقريباً. فالعين تلتقط الأزرق أفضل من البنفسجي، والنجم الذي يصدر ضوءاً بنفسجياً يصدر معه كمية كبيرة من الأزرق، فيبدو لنا أزرق أو أبيض.

هواة فلك يتأملون سماء الصحراء المليئة بنجوم بيضاء دون أي نجوم خضراء
العين المجردة تجمع ألوان ضوء النجم فتراه أبيض لا أخضررسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

ما الذي جعل النجم WD J1330+6435 يبدو أخضر؟

سبب اللون الأخضر هو الصوديوم. سقط على النجم حطام صخري من النظام الكوكبي الذي كان يدور حوله، فأضاف إلى غلافه الجوي الكالسيوم والليثيوم والصوديوم. وامتص الصوديوم الضوء البرتقالي، فبقي ما وصفه مارك هولاندز بأنه «توهج أخضر شبحي».

فالنجم لم يصبح أخضر لأنه يصدر ضوءاً أخضر إضافياً، وإنما لأن جزءاً من ضوئه البرتقالي حُجب عنا. حين يُنتزع البرتقالي من منتصف الطيف يختل التوازن الذي كان يجعل الخليط أبيض، فتميل الكفة إلى الأخضر المصفر. والمبدأ يشبه ما يحدث حين تنظر عبر نظارة ملونة، فالنظارة تحجب ألواناً بعينها وتغير ما تراه دون أن تضيف شيئاً.

وتبقى مسألة الكمية: كيف تستطيع ذرات صوديوم قليلة أن تحجب هذا القدر من الضوء؟ الجواب في كثافة القزم الأبيض. وفق ما نقلته النهار، تتعرض ذرات الصوديوم في الغلاف الكثيف لقصف متواصل من ذرات الهيليوم المحيطة بها، فتتغير مستويات طاقتها، ويتسع نطاق الضوء الذي تمتصه. ولهذا تكفي كمية صغيرة من الصوديوم لحجب جزء كبير من الضوء.

وفي القصة جانب آخر. الحطام الذي سقط على النجم كان ذات يوم جزءاً من كويكبات أو كواكب صخرية تدور حوله. فلون هذا النجم شاهد على عالم كوكبي تحطم وانتهى، والفلكيون يستطيعون من خلاله معرفة ما كانت تتكون منه تلك الأجسام الصخرية.

هل اللون الأخضر حقيقي أم خدعة بصرية؟

اللون حقيقي من الناحية الفيزيائية، فالضوء الذي يغادر النجم فيه هذا التوزيع فعلاً. لكن أحداً لم يشاهده أخضر بعينه ولا بتلسكوب. حلل الفريق طيف ضوء كل نجم، ثم أدخله في نموذج حاسوبي يحاكي طريقة رؤية الإنسان للألوان، ليقدّر اللون الذي ستراه العين.

ولهذا الفرق أهمية. القزم الأبيض جسم صغير وخافت، ولا يمكن رؤيته بالعين المجردة من الأرض. وحتى عبر التلسكوب لا تميّز العين البشرية ألوان النقاط الضوئية الخافتة جيداً، لأن الخلايا المسؤولة عن رؤية الألوان في الشبكية تحتاج إلى ضوء قوي. فالسؤال الذي أجاب عنه العلماء هو: ما اللون الذي سنراه لو كنا قريبين بما يكفي؟ وليس: ما اللون الذي يظهر في التلسكوب؟

ويلخص هولاندز الفكرة بقوله: «تخيّل أنك تقف على كوكب وتنظر إلى أعلى فترى نجماً أخضر، الأمر يبدو كأنه من الخيال العلمي». ومعنى ذلك أن الأخضر لون يراه من يقف قريباً من النجم، وليس لوناً يظهر في سماء الأرض.

ولم يكن الأخضر وحده المفاجأة. فقد وجدت الدراسة نفسها القزم الأبيض WD J1011+2845، الذي قد يكون أكثر نجم احمراراً سُجّل حتى الآن، ولونه وردي سلموني، ويبعد نحو 48 سنة ضوئية في كوكبة الأسد الأصغر. وسبب احمراره مختلف: منطقة حمل حراري عميقة تنقل الكربون من باطنه إلى سطحه، فتدفع جزيئات الكربون معظم ضوئه إلى أطوال موجية تتجاوز 600 نانومتر.

كيف يقيس الفلكيون لون النجم؟

يقيس الفلكيون لون النجم بمرشحات لونية، يمرر كل منها نطاقاً محدداً من الأطوال الموجية. يُسجَّل لمعان النجم في كل نطاق على حدة، ثم تُقارَن القراءات، ومن هذه المقارنة يستنتجون حرارة النجم.

وأداتهم الأساسية في ذلك «مؤشر اللون»، وهو الفرق بين قدر النجم (أي لمعانه) في مرشحين مختلفين. أشهر هذه المؤشرات B−V، وهو قدر النجم في المرشح الأزرق مطروحاً منه قدره في المرشح الأخضر الذي يسمى «المرئي». وكلما صغرت قيمته كان النجم أكثر زرقة وحرارة. قد يبدو هذا معكوساً، والسبب أن مقياس القدر الفلكي مقلوب: القدر الأصغر يعني لمعاناً أكبر. فسيريوس يظهر أكثر لمعاناً في المرشح الأزرق، ومنكب الجوزاء يظهر أكثر لمعاناً في المرشح الأحمر.

لكن المرشحات العريضة لا تكفي لتقدير اللون الذي تراه العين بدقة، لأنها تجمع نطاقاً واسعاً في رقم واحد. ولذلك اعتمد فريق وارويك على الطيف الكامل: يُحلَّل ضوء النجم إلى مكوناته، وتُقاس شدته عند كل طول موجي، ثم يُمرَّر هذا الطيف عبر نموذج لحساسية العين البشرية. والنتيجة رقم يمكن تحويله إلى لون على الشاشة.

وبهذه الطريقة فحص الباحثون 151 قزماً أبيض تقع ضمن 20 فرسخاً فلكياً من الأرض (نحو 65 سنة ضوئية). ظهر لون غير مألوف في 5 منها فقط، اثنان أصفران وثلاثة وردية. أما النجوم الـ146 الباقية فكان وسيط درجة حرارة لونها نحو 6800 كلفن، وهي حرارة تراها العين بيضاء. ويقدّر الباحثون أن نحو قزم أبيض واحد من كل 30 في الكون قد يظهر بلون غير متوقع.

تلسكوب فلكي مزود بمطياف لتحليل ضوء النجوم وقياس ألوانها داخل مرصد
يحلل الفلكيون ضوء النجم بالمطياف لاستنتاج لونه الحقيقيرسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

أهم النقاط

  • WD J1330+6435 أول نجم يُقدَّر أنه يبدو أخضر، وهو قزم أبيض في كوكبة التنين أعلنت عنه الصحف العربية في منتصف أكتوبر 2026.
  • لونه «أخضر شارتروز» يميل إلى الصفرة، وحرارة سطحه نحو 4000 درجة مئوية.
  • مصدر اللون صوديوم جاء من حطام كوكبي سقط على النجم وامتص الضوء البرتقالي من طيفه.
  • اللون حقيقي فيزيائياً، لكنه حُسب من الطيف بنموذج لرؤية الإنسان، ولم يره أحد مباشرة.
  • الشمس تبلغ ذروة إشعاعها عند الأخضر، ومع ذلك نراها بيضاء لأنها تصدر بقية الألوان بكميات كبيرة.
  • يعتمد الفلكيون على مؤشر اللون B−V: كلما صغرت قيمته كان النجم أسخن وأكثر زرقة.
  • من بين 151 قزماً أبيض قريباً، ظهر لون غير مألوف في 5 فقط، والتقدير العام قزم واحد من كل 30.

أسئلة شائعة

هل يمكن رؤية النجم الأخضر بتلسكوب منزلي؟

لا. القزم الأبيض جسم خافت جداً، والعين لا تميّز ألوان النقاط الضوئية الخافتة حتى عبر التلسكوب. حتى العلماء حسبوا لونه حساباً من تحليل طيفه، ولم يشاهدوه بأعينهم.

ما هو القزم الأبيض؟

القزم الأبيض هو ما يتبقى من نجم استنفد وقوده النووي. يضم عادةً نحو نصف كتلة الشمس في حجم قريب من حجم الأرض، ولذلك فإن كثافته هائلة.

هل الشمس خضراء فعلاً؟

تقع ذروة إشعاع الشمس عند الأطوال الموجية الخضراء، لكنها تصدر معها كميات كبيرة من الأزرق والأحمر والأصفر. والعين تجمع هذا الخليط فتراه أبيض، ولذلك لا تبدو الشمس خضراء.

ما أكثر نجم احمراراً تم رصده؟

كشفت الدراسة نفسها عن القزم الأبيض WD J1011+2845، وقد يكون أكثر نجم احمراراً سُجّل حتى الآن. لونه وردي سلموني، ويبعد نحو 48 سنة ضوئية في كوكبة الأسد الأصغر، وسبب احمراره الكربون الذي يصعد من باطنه إلى سطحه.

ما الألوان الأخرى التي يمكن أن تظهر بها الأقزام البيضاء؟

وفق الدراسة، قد يبدو القزم الأبيض وردياً أو بنفسجياً إذا كان غلافه غنياً بالكربون، وأصفر إذا ابتلع مواد من كويكبات ومذنبات محطمة. وقد يظهر بلون سماوي فاتح حين تتصادم جزيئات الهيدروجين مع ذرات الهيليوم تحت ضغط مرتفع.

من اكتشف النجم الأخضر وأين نُشرت الدراسة؟

قاد الدراسة مارك هولاندز من جامعة وارويك البريطانية، مع بوريس غانزيكه وبيير-إيمانويل ترمبلاي وديتليف كوستر. ونُشرت في مجلة RAS Techniques and Instruments التابعة للجمعية الفلكية الملكية البريطانية، في المجلد 5 لعام 2026.

الخلاصة

اكتشاف WD J1330+6435 لا يغير القاعدة التي تقول إن النجوم لا تكون خضراء، وإنما يحدد الشرط الذي تنكسر فيه: يجب أن يحجب عنصر ما جزءاً بعينه من الطيف. وتبيّن الدراسة أن لون القزم الأبيض يكشف ما في داخله وما سقط عليه. الأصفر يدل على كويكبات ابتلعها النجم، والوردي على كربون صعد من باطنه، والأخضر على صوديوم مصدره كوكب صخري تحطم. ولهذا يُتوقع أن يتحول قياس الألوان الذي يحاكي العين البشرية إلى أداة لفرز الأقزام البيضاء والبحث عن بقايا الأنظمة الكوكبية حولها. أما من يريد أن يرى ألوان النجوم بنفسه، فليبتعد عن أضواء المدينة في ليلة صافية من ليالي الشتاء القادم، ويقارن زرقة الشعرى اليمانية باحمرار منكب الجوزاء. الفرق الذي سيلاحظه بينهما فرق في الحرارة يبلغ آلاف الدرجات. ولن يرى نجماً أخضر، لأن النجم الأخضر الوحيد المعروف خافت جداً، ولونه لا يظهر إلا لمن يقف قريباً منه.