مثلث برمودا، واسمه بالإنجليزية Bermuda Triangle، منطقة بحرية في الجزء الغربي من شمال المحيط الأطلسي. يرسمها الناس تقريباً بين ثلاث نقاط هي ميامي في ولاية فلوريدا وجزر برمودا وبورتوريكو، وتُنسب إليها اختفاءات سفن وطائرات وأشخاص. لكنها ليست تكويناً جغرافياً معترفاً به، فلا خرائط رسمية تحدد حدودها، ولا تعترف الجهات الأمريكية المختصة باسمها رسمياً، ولم يجد العلماء دليلاً على أن السفن تختفي فيها أكثر مما تختفي في أي بحر مزدحم آخر.

في الساعة الثانية وعشر دقائق من ظهر يوم 5 ديسمبر 1945 أقلعت خمس قاذفات طوربيد تابعة للبحرية الأمريكية من فورت لودرديل في تمرين ملاحي روتيني مدته ثلاث ساعات. لم تعد أي منها. وفي المساء نفسه اختفت طائرة الإنقاذ التي خرجت تبحث عنها، وعلى متنها ثلاثة عشر فرداً. صارت تلك الليلة أشهر فصول حكاية مثلث برمودا، وما زالت تُروى حتى اليوم كأنها دليل على أن في هذه المياه شيئاً لا يُفسَّر.

غير أن الحكاية الكاملة أوسع من ليلة واحدة. فيها ملاحظات دوّنها كريستوفر كولومبوس في رحلته الأولى، وسفينة حربية ابتلعها البحر في الحرب العالمية الأولى، وصحفيون وكتّاب رسموا المثلث على الورق قبل أن يصدّقه الناس، وأمين مكتبة جامعية أعاد فتح الملفات واحداً تلو الآخر. وفي نهايتها سؤال بسيط: لماذا نصدّق الأسطورة أسرع مما نقرأ تقرير الطقس؟

ما هو مثلث برمودا وفي أي محيط يقع؟

يقع مثلث برمودا في المحيط الأطلسي، وتحديداً في الجزء الغربي من شماله، قبالة الطرف الجنوبي الشرقي لولاية فلوريدا الأمريكية. وهو اسم شائع لمساحة من المحيط يُزعم أن سفناً وطائرات وأشخاصاً اختفوا فيها، ولا يدل على جزيرة أو مضيق أو منخفض في قاع البحر.

تعرّفه الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بهذه الصيغة الحذرة نفسها: منطقة «يُزعم» أن الاختفاءات وقعت فيها. وللمنطقة اسم آخر يتداوله الناس هو «مثلث الشيطان» (Devil's Triangle)، كما تذكر قاعدة EBSCO البحثية، التي تضع رؤوسه تقريباً في فلوريدا وبرمودا وبورتوريكو.

تكمن المفارقة في أن هذه المياه ليست نائية ولا مهجورة. فهي قريبة من موانئ الساحل الشرقي الأمريكي وجزر الكاريبي، وتعبرها سفن الشحن واليخوت وطائرات الركاب يومياً. وكثافة الحركة هذه مفتاح مهم لفهم اللغز، فكلما زاد عدد العابرين زاد عدد الحوادث بالضرورة، من غير أن يعني ذلك أن المكان أخطر من غيره.

كيف تجد مثلث برمودا على الخريطة؟

لن تجد مثلث برمودا مرسوماً على أي خريطة رسمية، لأن حدوده غير موجودة أصلاً. ولكي تراه بنفسك، افتح أي خريطة للأطلسي وارسم خطاً من ميامي إلى جزر برمودا، ثم إلى بورتوريكو، ثم عُد إلى ميامي. هذا هو الشكل الذي يتداوله معظم الكتّاب.

تؤكد NOAA أنه لا توجد خرائط رسمية ترسم حدود المثلث، وأن المجلس الأمريكي للأسماء الجغرافية (U.S. Board of Geographic Names) لا يعترف بالاسم. معنى ذلك أن «مثلث برمودا» ليس كياناً جغرافياً أو جيولوجياً مثل خليج المكسيك أو بحر سرجاسو، وإنما هو تسمية صنعها الناس وتداولوها.

ولأن الحدود غير متفق عليها، تتفاوت تقديرات المساحة تفاوتاً كبيراً بين المراجع. موقع History.com يقدّم رقماً، وموسوعة ويكيبيديا تورد نطاقاً من التقديرات أوسع منه بكثير، وتشير إلى أن الكتّاب لم يتفقوا على الحدود ولا على رؤوس المثلث، حتى إن بعضهم مدّها إلى سواحل أيرلندا في الجهة الأخرى من المحيط. وحين تقرأ رقماً واحداً «دقيقاً» لمساحة المثلث، فتذكّر أنه تقدير لمنطقة لم يرسمها أحد رسمياً.

ولهذا التمطيط أثر عملي على الحكاية نفسها. فكلما اتسعت الحدود دخلت فيها حوادث أكثر، وكلما زادت الحوادث المنسوبة إلى المثلث بدا أخطر. وهذه واحدة من الملاحظات التي سيبني عليها المشككون لاحقاً.

متى بدأت حكاية مثلث برمودا؟

يعيد كثير من الكتّاب بداية الحكاية إلى عام 1492، إلى رحلة كريستوفر كولومبوس الأولى عبر الأطلسي. لم يتحدث كولومبوس عن مثلث ولا عن لعنة، لكنه دوّن ثلاث ملاحظات صارت فيما بعد مادة خاماً للأسطورة.

يروي موقع History.com أن كولومبوس سجّل رؤية كرة نارية سقطت في البحر، والأرجح أنها كانت نيزكاً. وبعد أسابيع رأى ضوءاً غريباً من بعيد، ولاحظ اضطراباً في قراءات البوصلة. هذه أمور قد تحدث لأي بحار يقضي أسابيع في عرض المحيط، وكولومبوس نفسه لم يعطها تفسيراً غيبياً.

ومع ذلك، حين بدأ كتّاب القرن العشرين يجمعون «أدلة» على غرابة المنطقة، وجدوا في دفتر كولومبوس بداية مثالية: مستكشف شهير، وأضواء في الليل، وبوصلة مضطربة. وتستحق ملاحظة البوصلة أن نتذكرها، لأن NOAA ستعود إليها بتفسير طبيعي بعد أكثر من خمسة قرون.

ماذا حدث للسفينة يو إس إس سايكلوبس عام 1918؟

في مارس 1918 اختفت سفينة الشحن «يو إس إس سايكلوبس» التابعة للبحرية الأمريكية بلا أثر، وعلى متنها أكثر من 300 شخص. لم يُعثر على حطام ولا جثث، ولم تصل منها أي استغاثة. وتُعد حتى اليوم من أكبر الخسائر البشرية في تاريخ البحرية الأمريكية في حادث لا صلة له بالقتال المباشر.

كانت السفينة بقيادة الكابتن جورج و. ورلي، وتحمل شحنة ثقيلة من خام المنجنيز، وهو معدن تحتاجه صناعة الصلب، وكانت الولايات المتحدة يومها في قلب الحرب العالمية الأولى. انطلقت من البرازيل وتوقفت في باربادوس، ثم اتجهت نحو بالتيمور على الساحل الشرقي الأمريكي. وبعد باربادوس انقطع خبرها.

تختلف الأرقام التفصيلية بين المصادر، حتى داخل الموقع الواحد. فصفحة History.com عن المثلث تتحدث عن «أكثر من 300 رجل» وتذكر وزناً للشحنة، بينما يورد مقالها المخصص للسفينة عدداً أدق للطاقم وعدداً آخر للضحايا نقلاً عن باحث، ووزناً مختلفاً قليلاً للخام. الثابت أن الخسارة تجاوزت ثلاثمئة إنسان، وأن الشحنة كانت آلاف الأطنان من المنجنيز.

ينقل History.com عن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون قوله: «وحدهما الله والبحر يعرفان ما حدث للسفينة العظيمة». ويضيف أن اثنتين من السفن الشقيقة لسايكلوبس اختفتا عام 1941 على المسار نفسه تقريباً. ومثل هذه التفاصيل تمنح الأسطورة وقوداً قوياً، فثلاث سفن من الطراز نفسه تختفي على طريق واحد. لكنها تطرح أيضاً سؤالاً هندسياً لا غيبياً: هل كان في تصميم هذه السفن أو في طريقة تحميلها ما يجعلها أضعف أمام البحر الهائج؟

السفينة يو إس إس سايكلوبس التي اختفت في مثلث برمودا عام 1918
سفينة الفحم الحربية سايكلوبس قبل اختفائها عام 1918الصورة: Photograph was taken by the New York Navy Yard. — ويكيميديا كومنز (Public domain)

ماذا حدث للرحلة 19 عام 1945؟

الرحلة 19 تشكيل من خمس قاذفات طوربيد تابعة للبحرية الأمريكية، اختفت يوم 5 ديسمبر 1945 أثناء تمرين ملاحي فوق المحيط قبالة فلوريدا. واختفت معها في الليلة نفسها طائرة إنقاذ خرجت للبحث عنها. وانتهى التحقيق الرسمي إلى أن السبب «غير معروف».

بحسب History.com أقلعت الطائرات الخمس، وهي من طراز TBM Avenger، نحو الساعة 2:10 ظهراً من محطة فورت لودرديل الجوية البحرية، في تمرين مدته ثلاث ساعات. وكان قائدها الملازم تشارلز سي. تايلور، وعمره 27 عاماً.

بعد ساعات بدأت الرسائل اللاسلكية تكشف ارتباكاً متزايداً. أبلغ تايلور بأن بوصلتيه تعطّلتا، وبأنه يظن نفسه فوق جزر فلوريدا كيز، أي إلى الجنوب الغربي من المنطقة التي كان يُفترض أن يحلّق فوقها. ثم قال إن الطائرات ستهبط في البحر معاً حين ينخفض وقود إحداها عن عشرة غالونات. وبعد ذلك لم يُسمع سوى التشويش.

نحو الساعة 7:30 مساءً أقلعت طائرة إنقاذ برمائية من طراز PBM Mariner وعلى متنها 13 فرداً، واختفت بعد نحو عشرين دقيقة. والاعتقاد الشائع أنها انفجرت، فقد أبلغت سفينة تجارية عن كرة نارية وبقعة زيت على سطح الماء. وفي الأيام التالية شاركت أكثر من 300 سفينة وطائرة في البحث، وغطّت أكثر من 300 ألف ميل مربع على مدى خمسة أيام، من غير العثور على جثث أو حطام. وأرجع مجلس التحقيق في البحرية الخسارة إلى «أسباب غير معروفة». وفي عام 1991 عُثر على حطام طائرات قرب فورت لودرديل، ثم تبيّن أنه لطائرات بحرية أخرى لا للرحلة 19.

قاذفات طوربيد من طراز أفنجر تشبه طائرات الرحلة 19 فوق مثلث برمودا
قاذفات أفنجر من الطراز نفسه الذي اختفى في الرحلة 19 عام 1945الصورة: U.S. Navy — ويكيميديا كومنز (Public domain)

كيف تكوّن مثلث برمودا ومن أطلق عليه اسمه؟

لم يتكوّن مثلث برمودا في قاع البحر، وإنما تكوّن على صفحات الجرائد والمجلات. فلا صدع جيولوجياً ولا ظاهرة طبيعية تحدد شكله، وقد احتاج إلى نحو خمسة عشر عاماً من الكتابة، بين 1950 و1965، حتى صار له اسم وحدود يعرفها الناس.

تقول ويكيبيديا إن أقدم مقال معروف عن اختفاءات غير عادية في منطقة برمودا كتبه إدوارد فان وينكل جونز من صحيفة ميامي هيرالد، ووزّعته وكالة أسوشيتد برس، فنُشر في الصحف الأمريكية يوم 17 سبتمبر 1950. وبعد عامين، في عدد أكتوبر 1952 من مجلة Fate المتخصصة في الغرائب، نشر جورج ساند مقالاً بعنوان «لغز بحري عند بابنا الخلفي»، وكان أول من رسم المنطقة المثلثة بشكلها المعروف اليوم.

أما الاسم نفسه فصاغه الكاتب فنسنت غاديس في مقال بعنوان «مثلث برمودا القاتل» نشرته مجلة Argosy في عدد فبراير 1964. ثم وسّع الفكرة في كتابه Invisible Horizons عام 1965، وحدّد المثلث فيه بثلاث مدن: ميامي، وسان خوان عاصمة بورتوريكو، وبرمودا.

كان لهذا الاسم أثر يفوق ما تفعله التفاصيل. فقبل غاديس كانت سايكلوبس والرحلة 19 وغيرهما حوادث متفرقة، لكل منها ظروفها وتحقيقها. وبعده صارت كلها «ملفاً واحداً» عنوانه منطقة ملعونة. والاسم الجذاب يسهّل على القارئ أن يربط بين حوادث لا رابط بينها سوى أنها وقعت في مساحة واسعة رُسمت حدودها بعد وقوعها.

لماذا انتشرت أسطورة مثلث برمودا في العالم؟

انتشرت الأسطورة عالمياً في سبعينيات القرن العشرين بفضل كتاب ناجح جداً وفيلم هوليوودي شهير. ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الكتب والأفلام الوثائقية عن العودة إليها.

في عام 1974 نشر تشارلز برليتز، حفيد مؤسس مدارس برليتز للغات، كتاباً عن المثلث صار من الأكثر مبيعاً، كما تذكر EBSCO. ولم يكتفِ برليتز بسرد الحوادث، بل نسبها إلى قارة أطلانتس المفقودة، وهي أسطورة قديمة عن حضارة غارقة لا يوجد دليل أثري على وجودها. ونقل الكتاب المثلث من مجلات الغرائب إلى رفوف المكتبات العامة.

بعد ثلاث سنوات دخلت السينما على الخط. فيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (1977) صوّر الرحلة 19 كأن صحوناً طائرة اختطفتها، كما يذكر History.com. ومشاهد كهذه تبقى في ذاكرة الجمهور أطول بكثير من أي تقرير رسمي يقول «أسباب غير معروفة».

والاهتمام ما زال حياً. ففي مارس 2022 عثر فريق غوص يصوّر سلسلة History الوثائقية «The Bermuda Triangle: Into Cursed Waters» على قطعة كبيرة من حطام مكوك الفضاء تشالنجر قبالة الساحل الشرقي لفلوريدا، وأكدت وكالة ناسا ذلك في نوفمبر 2022، بحسب موقع Space.com. لكن الموقع يقع خارج المثلث، إلى الشمال الغربي منه، وتشالنجر نفسه لم «يختفِ» بل انفجر عام 1986 أمام الكاميرات. ومع ذلك حمل الاكتشاف اسم المثلث في عناوين الأخبار، وهذا دليل جديد على قوة العلامة التجارية التي صنعها غاديس قبل ستة عقود.

هل مثلث برمودا خطير فعلاً؟

لا يوجد دليل على أن مثلث برمودا أخطر من غيره. هذا ما تقوله NOAA صراحة: الاختفاءات الغامضة لا تحدث فيه أكثر مما تحدث في أي منطقة محيطية كبيرة كثيفة الملاحة. وتضيف أن البحرية وخفر السواحل الأمريكيين لا يعترفان بأي تفسير خارق للكوارث البحرية.

جاءت أقوى ضربة للأسطورة من رجل لم يكن بحاراً ولا عالم محيطات. ففي عام 1975 نشر لاري كوشه، أمين المكتبة في جامعة ولاية أريزونا، كتاب «لغز مثلث برمودا... محلولاً». عاد كوشه إلى السجلات الأصلية والصحف وتقارير الطقس، وخلص إلى أن روايات كثيرة قامت على معلومات خاطئة وبحث متسرّع، وأن الاختفاءات في المنطقة ليست أكثر نسبياً منها في أماكن أخرى، وأن كثيراً منها وقع أثناء عواصف أغفلها الكتّاب الذين نقلوها. وبعض الحوادث المنسوبة إلى المثلث، بحسب ما خلص إليه، وقع بعيداً عنه أصلاً.

وللمال رأيه أيضاً. فبحسب History.com لا تعتبر شركة لويدز أوف لندن، أشهر أسواق التأمين البحري في العالم، أن المثلث منطقة خطرة بشكل خاص. وشركات التأمين تعيش على حساب المخاطر بدقة، ولو كانت السفن تختفي هناك أكثر من غيرها لظهر ذلك في أقساطها. ويقول خفر السواحل الأمريكي إن مراجعة حوادث كثيرة لم تكشف إلا أسباباً مادية، وإنه «لم يُحدَّد أي عامل خارق قط».

وحتى موقف NOAA ثابت منذ سنوات. فالوكالة تذكر أن نص صفحتها عن مثلث برمودا نُشر يوم 4 يناير 2010 ولم يُعدَّل منذ ذلك الحين، مع أن الصفحة تحمل تاريخ آخر تحديث 23 سبتمبر 2026. معنى ذلك أنه لم يظهر خلال أكثر من ستة عشر عاماً ما يدفع الوكالة إلى تغيير رأيها.

ما التفسير العلمي لحوادث مثلث برمودا؟

التفسير العلمي ليس سراً واحداً، وإنما مزيج من الطقس العنيف والتيارات القوية والمياه الضحلة وكثافة الملاحة والخطأ البشري. هذه عوامل معروفة، وكل منها كافٍ لإغراق سفينة أو إسقاط طائرة في ظروف معينة.

تعدد NOAA أربعة عوامل طبيعية. أولها أن معظم العواصف الاستوائية والأعاصير التي تتكون في الأطلسي تمر بهذه المنطقة. وثانيها تيار الخليج (Gulf Stream)، وهو تيار بحري دافئ وسريع قد يسبب تغيرات سريعة وعنيفة أحياناً في الطقس، ويستطيع أن يحمل الحطام بعيداً عن موقع الحادث. وثالثها كثرة جزر الكاريبي، التي تصنع مياهاً ضحلة تهدد الملاحة. ورابعها أن هناك بعض الأدلة على أن البوصلة في المنطقة تشير أحياناً إلى الشمال الجغرافي بدلاً من الشمال المغناطيسي، وهذا قد يربك ملاحاً لا يعرف ذلك، وربما يفسر ما لاحظه كولومبوس قبل خمسة قرون.

وهناك تفسيرات أخرى مقترحة يعددها History.com، مثل الشذوذ المغناطيسي والأعاصير المائية، وهي دوامات تشبه الإعصار القمعي فوق سطح البحر، وانبعاثات غاز الميثان من قاع المحيط. هذه فرضيات قيد النقاش وليست نتائج مثبتة. وفي الجهة المقابلة يعدد الموقع نفسه التفسيرات الخارقة الشائعة: الكائنات الفضائية وأطلانتس ووحوش البحر والثقوب الزمنية. وخلاصته أنه لا توجد على الأرجح نظرية واحدة تحل اللغز، وهذا منطقي، لأن الحوادث نفسها مختلفة في زمانها وظروفها.

إذا طبقنا هذه العوامل على الرحلة 19 تتضح صورة محتملة، وهي تحليل لا حكم رسمي: قائد يعتقد أنه في مكان غير مكانه، وبوصلتان لا يثق بهما، وطقس يتدهور فوق المحيط مع اقتراب الليل، ووقود ينفد. أما طائرة الإنقاذ فالكرة النارية وبقعة الزيت اللتان رآهما بحارة سفينة تجارية تشيران إلى انفجار. لا شيء من هذا يحتاج إلى قوة غامضة. وإن كنت تخطط لرحلة بحرية أو جوية في المنطقة، فالخطر الحقيقي اسمه الطقس: موسم الأعاصير في الأطلسي ينتهي رسمياً يوم الاثنين 30 نوفمبر 2026، وحتى ذلك التاريخ تابع نشرات الأرصاد قبل الإبحار، واحرص على أجهزة ملاحة احتياطية، ولا تعتمد على البوصلة المغناطيسية وحدها.

أهم النقاط

  • مثلث برمودا (Bermuda Triangle) منطقة في غرب شمال المحيط الأطلسي، رؤوسها التقريبية ميامي وبرمودا وبورتوريكو، ويسمى أيضاً «مثلث الشيطان».
  • لا خرائط رسمية تحدد حدوده، والمجلس الأمريكي للأسماء الجغرافية لا يعترف باسمه، لذلك تختلف تقديرات مساحته اختلافاً كبيراً بين المصادر.
  • أشهر حادثتين: اختفاء السفينة سايكلوبس في مارس 1918 وعلى متنها أكثر من 300 شخص، واختفاء الرحلة 19 وطائرة الإنقاذ يوم 5 ديسمبر 1945.
  • تكوّن المثلث على الورق: مقال في الصحف الأمريكية يوم 17 سبتمبر 1950، ثم رسم الشكل في مجلة Fate عام 1952، ثم الاسم الذي صاغه فنسنت غاديس في فبراير 1964.
  • كتاب تشارلز برليتز (1974) وفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (1977) نشرا الأسطورة عالمياً.
  • في 1975 أعاد لاري كوشه فحص الحوادث، فوجد أخطاء في الروايات وعواصف أغفلها الكتّاب.
  • NOAA وخفر السواحل ولويدز أوف لندن: المنطقة ليست أخطر من أي بحر مزدحم آخر، والتفسير يكمن في الأعاصير وتيار الخليج والمياه الضحلة والخطأ البشري.

أسئلة شائعة

لماذا يُسمّى مثلث برمودا «مثلث الشيطان»؟

«مثلث الشيطان» (Devil's Triangle) اسم شعبي بديل، كما تذكر EBSCO، ويعكس الصورة المخيفة التي رسمتها الكتب والمجلات للمنطقة. لا أصل علمياً له، وهو مثل الاسم الأصلي تسمية غير رسمية.

هل تعبر السفن والطائرات مثلث برمودا اليوم؟

نعم، فهي منطقة كثيفة الملاحة تمر بها سفن الشحن واليخوت وطائرات الركاب يومياً بين الولايات المتحدة والكاريبي. وتقول NOAA إن معدل الحوادث فيها لا يزيد على معدلها في أي منطقة محيطية مزدحمة مماثلة.

هل عُثر على حطام الرحلة 19؟

لا، فلم يجد البحث الذي شاركت فيه أكثر من 300 سفينة وطائرة على مدى خمسة أيام أي جثث أو حطام. أما الحطام الذي عُثر عليه قرب فورت لودرديل عام 1991 فتبيّن أنه لطائرات بحرية أخرى.

هل ترفع شركات التأمين أسعارها على السفن التي تعبر مثلث برمودا؟

بحسب History.com، لا تعتبر شركة لويدز أوف لندن للتأمين البحري المثلث منطقة خطرة بشكل خاص. وهذا مؤشر عملي مهم، لأن شركات التأمين تبني أسعارها على الإحصاءات الفعلية للحوادث.

ما علاقة قارة أطلانتس بمثلث برمودا؟

ربط تشارلز برليتز في كتابه الشهير عام 1974 بين الاختفاءات وأطلانتس، القارة الأسطورية التي يقال إنها غرقت. لا يوجد أي دليل علمي على وجود أطلانتس، فضلاً عن وجودها في هذه المنطقة.

هل حطام مكوك تشالنجر موجود داخل مثلث برمودا؟

لا، فقطعة الحطام التي عثر عليها فريق وثائقي في مارس 2022 وأكدتها ناسا في نوفمبر 2022 تقع قبالة الساحل الشرقي لفلوريدا، إلى الشمال الغربي من المثلث وخارج حدوده المتداولة.

الخلاصة

مثلث برمودا اليوم حالة دراسية في كيف تولد الأساطير الحديثة أكثر منه لغزاً بحرياً. يكفي اسم جذاب، وحدود مطاطة، وحوادث حقيقية مأساوية تُنتزع من سياقها، وكتاب ناجح، ومشهد سينمائي لا يُنسى، فتتكون منطقة «ملعونة» لم ترسمها أي جهة رسمية. والدرس لمن يقرأ عن أي لغز مشابه بسيط: اسأل عن تاريخ الحادثة، وعن حالة الطقس يومها، وعن المصدر الأول للرواية، وهل يقع المكان فعلاً داخل الحدود المزعومة. ومن يبحر أو يطير فوق هذه المياه فخطره الحقيقي مدوّن في نشرات الأرصاد، خصوصاً حتى نهاية موسم الأعاصير يوم الاثنين 30 نوفمبر 2026. أما ما يحدث بعد ذلك فيمكن توقعه: ستظهر حلقة وثائقية جديدة، أو اكتشاف يحمل اسم المثلث في عنوانه، وستعود الحكاية للانتشار، بينما يبقى موقف NOAA المكتوب منذ 2010 على حاله.