ماتت سعاد حسني يوم الخميس 21 يونيو 2001 في لندن عن 58 عاماً، بعدما سقطت من شرفة شقة في الطابق السادس ببناية «ستيوارت تاور» في حي مايدا فيل، وعُثر عليها على أرض العقار. ذكرت تقارير صحفية أن الشرطة البريطانية قالت وقتها إنها انتحرت، لكن أسرتها تمسكت برواية القتل، وطرح طبيبها احتمال الحادث. ولم تُحسم القضية حتى اليوم.

مرّ ربع قرن كامل على الواقعة في 21 يونيو 2026. وما زال الجدل قائماً حول سبب الوفاة، وما زالت الروايات الثلاث تتنافس: انتحار امرأة أنهكها المرض والغربة، أو دوار مفاجئ أسقطها، أو جريمة دبّرها أحد. وفي مارس 2013 أغلق قاضي تحقيق مصري الملف «لعدم كفاية الأدلة»، فلم يحسم الإغلاق شيئاً وبقيت الأسئلة كلها مفتوحة.

هنا نتتبع اللحظة الأخيرة، والسنوات التي سبقتها في باريس ولندن، وما قالته كل رواية وما ينقصها من دليل. أما سيرة السندريلا كلها، منذ «حسن ونعيمة» عام 1959 حتى الرحيل، فتجدها في التقرير الرئيسي «سعاد حسني: الحكاية الكاملة للسندريلا من بولاق إلى شرفة لندن».

كيف ماتت سعاد حسني في لندن؟

سقطت سعاد حسني من شرفة الطابق السادس في برج ستيوارت بحي مايدا فيل غربي لندن مساء 21 يونيو 2001، وماتت على الفور تقريباً. قال طبيبها في لندن الدكتور عصام عبد الصمد إن الوفاة وقعت في التاسعة وعشرين دقيقة مساءً.

أما الشقة نفسها فتختلف المصادر في وصفها. صحف مصرية تقول إنها شقة السندريلا، وصحف أخرى تقول إنها شقة صديقة كانت تقيم عندها. المؤكد أنها كانت تعيش فيها في شهورها الأخيرة. ونقل موقع مصراوي عن أحد أقاربها أنها اختارت هذا العقار تحديداً لأن تحته سينما كانت تنزل إليها وتشاهد فيها الأفلام كل يوم. وهذه تفصيلة تقول الكثير عن ممثلة ابتعدت عن الكاميرا ولم تبتعد عن الشاشة.

وقعت الوفاة يوم خميس، فتأخر التقرير الطبي بسبب عطلة نهاية الأسبوع، بحسب ما تذكره موسوعة ويكيبيديا. ثم سافر زوجها الأخير، السيناريست ماهر عواد، وشقيقها إلى لندن لإنهاء إجراءات نقل الجثمان، وأمر الرئيس حسني مبارك بتسريع عودته. ونقلت صحيفة «ذا ناشيونال» أن جنازتها في القاهرة حضرها أكثر من 10 آلاف شخص، ودُفنت في مدينة السادس من أكتوبر.

برج ستيوارت في حي مايدا فيل بلندن حيث ماتت سعاد حسني
برج ستيوارت في مايدا فيل، البناية التي سقطت منها سعاد حسني عام 2001الصورة: David Howard — ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 2.0)

لماذا كانت سعاد حسني تعيش في لندن؟

ذهبت سعاد حسني إلى لندن عام 1997 لتتعالج من آلام مزمنة في العمود الفقري، وبقيت هناك نحو أربع سنوات حتى ماتت. قبل ذلك انتقلت عام 1992 إلى باريس، بعدما انسحبت من الحياة العامة.

بدأت متاعب ظهرها قبل ذلك بسنوات، لكن المصادر لا تتفق على بدايتها. صحيفة «ذا ناشيونال» تربطها بإصابة أثناء تصوير فيلم «المتوحشة»، وتؤرخ ماسبيرو بدايتها بتاريخ لاحق. وكان آخر أفلامها «الراعي والنساء» عام 1991، ثم ابتعدت عن الأضواء بسبب الألم. وهكذا انتهت مسيرة بدأت عام 1959 مع المخرج هنري بركات، وتضمنت عشرات الأفلام.

تكفلت الدولة المصرية بالعلاج في البداية. فقد أعلن رئيس الوزراء كمال الجنزوري أن علاجها في لندن سيكون على نفقة الدولة، وقال الدكتور عصام عبد الصمد إن الحكومة أنفقت على علاجها أكثر من 80 ألف جنيه إسترليني. لكن حكومة عاطف عبيد أوقفت العلاج لاحقاً، اعتماداً على خطاب من المستشار الطبي بالسفارة المصرية يفيد بأن حالتها تحسنت. اعترضت سعاد على القرار برسالة، واعتبرت أن حالتها لم تتحسن كما قال الخطاب.

كيف كانت أيامها الأخيرة قبل الوفاة؟

كانت سعاد حسني، بحسب طبيبها، تخطط لحياة بعد لندن. كانت تنوي العودة إلى مصر في أغسطس 2001 والسفر إلى شرم الشيخ، وكانت أمامها ثلاثة سيناريوهات تختار بينها، أحدها فيلم كرتون يشارك فيه عمر الشريف.

يظهر في هذه الأيام أيضاً جانب أصعب. ففي حوار صوتي عام 1999 مع الكاتب محمود مطر، وصفت حالتها بأنها «شرخ إجهادي»، وقالت إن الكورتيزون زاد وزنها، وإنها ستخضع لجراحة أخرى في العمود الفقري، وإنها تتمنى أن تعود إلى مصر بصحة جيدة. الألم مستمر، والجسد تغيّر، والعودة مؤجلة إلى أن تتعافى.

ونقل الطبيب وصيتين أوصته بهما: ألا ينشر أي صورة لها من فترة لندن، وأن يزور قبرها كلما جاء إلى مصر. يقرأ أنصار رواية الانتحار الوصية الثانية على أنها إشارة إلى أن الموت كان في بالها. ويقرأ معارضوهم الوصية الأولى على أنها حرص امرأة على صورتها أمام جمهور كانت تنوي مواجهته من جديد. والوصيتان معاً لا تثبتان رواية بعينها.

هل انتحرت سعاد حسني أم سقطت في حادث؟

لا يملك أحد إجابة قاطعة. تذكر تقارير صحفية أن الشرطة البريطانية قالت وقتها إنها انتحرت، لكننا لم نصل إلى نص رسمي لتحقيق الطب الشرعي البريطاني يمكن الرجوع إليه.

أقوى من دافع عن رواية الانتحار هي صديقتها نادية يسري. في سبتمبر 2018 أكدت أن سعاد كانت تعاني «اكتئاباً شديداً» يرجّح أنها انتحرت، وأعلنت فيلماً بعنوان «وجوه» عن الفترة التي سبقت الوفاة، من إنتاج رجل الأعمال العراقي كاظم حسين. أرادت بالفيلم، كما قالت، أن تنفي عن نفسها شبهة التورط في الوفاة. والعوامل التي تسند هذه الرواية معروفة: ألم مزمن، وعلاج توقف تمويله، وغربة امتدت قرابة عشر سنوات بين باريس ولندن، ووزن زاد بسبب الأدوية لنجمة عاشت على صورتها.

على الطرف الآخر يقف طبيبها عصام عبد الصمد. استبعد الانتحار لأنها كانت تخطط للعودة إلى مصر. وتنقل عنه ويكيبيديا رواية ثالثة هي الحادث: كانت سعاد تتبع حمية قاسية لإنقاص الوزن، وربما أصابها هبوط مفاجئ بسببها فسقطت. هذه الرواية تفسر السقوط من غير أن تفترض نية الموت أو وجود قاتل، لكنها تظل احتمالاً طرحه طبيب، ولم يثبتها تحقيق منشور.

شرفة شقة مرتفعة في لندن ليلاً ترمز إلى لغز وفاة سعاد حسني
الشرفة التي تحولت إلى لغز: انتحار أم حادث أم جريمة؟رسم توضيحي بطابع حكاوي 360، وليس صورة حقيقية

من تتهم أسرة سعاد حسني بقتلها؟

تتهم شقيقتها جنجاه عبد المنعم حافظ أسماء ثقيلة في دولة مبارك. قدمت بلاغاً رسمياً ضد صفوت الشريف، وحبيب العادلي، ورأفت بدران، وصديقة سعاد نادية يسري.

قالت جنجاه في بلاغها إن سعاد كانت تنوي كتابة مذكرات تكشف كيف جنّدها صفوت الشريف لصالح جهاز أمني، وإن ستة شرائط سجلت فيها روايتها صودرت. ودعمتها صديقة أخرى هي اعتماد خورشيد، التي قالت إن سعاد ذكرت في مقابلة تلفزيونية مسجلة قبل وفاتها بقليل أن صفوت الشريف هددها. ورغم أن هذه الاتهامات خطيرة، لم يقدم أصحابها دليلاً تقبله جهة تحقيق.

لم تتراجع جنجاه بعد إغلاق التحقيق. نشرت في ديسمبر 2016 كتاباً من 655 صفحة بعنوان «سعاد: أسرار الجريمة الخفية» يتبنى رواية القتل. وفي يناير 2017، وهي تروّج للكتاب، كررت علناً أن صفوت الشريف وراء مقتل شقيقتها، ولم يتضمن الخبر المنشور دليلاً جديداً. ثم وصل الخلاف إلى المحاكم: رفعت نادية يسري دعوى سب وقذف، وقالت إن الكتاب وصفها بالقاتلة وحمّلها مسؤولية الوفاة. ويوم الخميس 21 ديسمبر 2017 برّأت محكمة جنح العمرانية جنجاه من التهمة. وهذه البراءة تخص دعوى السب والقذف، ولا تُعد حكماً بأن رواية القتل صحيحة.

ماذا قال القضاء المصري، ولماذا بقي اللغز بلا حل؟

أغلق القضاء المصري التحقيق دون أن يحسم سبب الوفاة. في مارس 2013، بعد تحقيقات استمرت أكثر من عام، أوقف قاضي التحقيق محمود علاء الدين التحقيق «لعدم كفاية الأدلة»، وقال إنه لم يجد دليلاً على ادعاءات الأسرة، ولا على وجود تنظيم سري داخل وزارة الداخلية. ولم يجد كذلك ما يثبت رواية التهديد التي نقلتها اعتماد خورشيد.

لكن قرار الإغلاق ينفي ثبوت الاتهام، ولا يقول ماذا حدث في التاسعة وعشرين دقيقة من مساء ذلك الخميس. كما أن الواقعة حدثت على أرض بريطانية، والتحقيق الأصلي أجرته الشرطة هناك، ونصوصه الرسمية ليست متاحة للجمهور العربي بالقدر الذي يسمح بمراجعتها. فبقيت كل رواية تعتمد على شهادات أقارب وأصدقاء بينهم خصومات معروفة، وعلى أشياء لم يرها أحد، مثل الشرائط المصادرة والمذكرات التي لم تُكتب.

ويأتي سياق آخر ليقوي الشكوك عند كثيرين. فقد ذكّرت الأهرام أونلاين بمصريين آخرين سقطوا من شرفات في لندن: رجل الأعمال أشرف مروان في يونيو 2007، والليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهد السادات في منتصف السبعينيات. لا يثبت هذا التشابه وجود صلة بين الحالات، لكنه يفسر لماذا يرفض جزء من الجمهور تصديق رواية الانتحار بسهولة.

في الملف أربع نقاط محددة لم يجب عنها أحد علناً حتى اليوم. التفاصيل الكاملة لتقرير الطب الشرعي البريطاني لم تُنشر. والشرائط الستة، إن كانت موجودة فعلاً، لم يقل أحد أين هي. ولم يكشف أحد كذلك من كان في الشقة أو قربها في تلك الساعة. ويبقى بعد ذلك السؤال الأصعب: ما الذي غيّر خطط امرأة كانت تختار بين ثلاثة سيناريوهات وتحجز لنفسها عودة في أغسطس؟

دار القضاء العالي في القاهرة حيث أُغلق ملف وفاة سعاد حسني
القضاء المصري أغلق ملف وفاة السندريلا عام 2013 لعدم كفاية الأدلةالصورة: Bastique — ويكيميديا كومنز (CC BY 3.0)

أهم النقاط

  • توفيت سعاد حسني يوم الخميس 21 يونيو 2001 في لندن عن 58 عاماً، بعد سقوطها من الطابق السادس في برج ستيوارت بحي مايدا فيل.
  • قال طبيبها عصام عبد الصمد إن الوفاة وقعت في التاسعة وعشرين دقيقة مساءً.
  • ذكرت تقارير صحفية أن الشرطة البريطانية قالت إنها انتحرت، لكن نص التحقيق الرسمي غير متاح.
  • رأى الطبيب أن الانتحار مستبعد لأنها كانت تنوي العودة إلى مصر في أغسطس 2001، وطرح احتمال هبوط سببته حمية قاسية.
  • اتهمت شقيقتها جنجاه صفوت الشريف وحبيب العادلي ورأفت بدران ونادية يسري، وقالت إن ستة شرائط مسجلة صودرت.
  • في مارس 2013 أوقف قاضي التحقيق محمود علاء الدين التحقيق «لعدم كفاية الأدلة».
  • برّأت محكمة جنح العمرانية جنجاه من تهمة سب وقذف نادية يسري يوم 21 ديسمبر 2017، ولم تفصل المحكمة في سبب الوفاة.

أسئلة شائعة

كم كان عمر سعاد حسني عند وفاتها؟

كان عمرها 58 عاماً. وُلدت في القاهرة يوم 26 يناير 1943، وتوفيت في لندن يوم 21 يونيو 2001.

أين دُفنت سعاد حسني؟

نُقل جثمانها من لندن إلى القاهرة بعد تأخر التقرير الطبي بسبب عطلة نهاية الأسبوع، ودُفنت في مدينة السادس من أكتوبر. وحضر جنازتها أكثر من 10 آلاف شخص بحسب صحيفة «ذا ناشيونال».

ما آخر فيلم مثّلته سعاد حسني؟

آخر أفلامها «الراعي والنساء» عام 1991. ابتعدت بعده عن الأضواء بسبب آلام العمود الفقري، ثم انتقلت إلى باريس عام 1992 وإلى لندن عام 1997.

من هي نادية يسري وما علاقتها بوفاة سعاد حسني؟

نادية يسري صديقة سعاد حسني في سنواتها الأخيرة، واتهمتها جنجاه شقيقة سعاد في بلاغ رسمي بالتورط في الوفاة. تنفي نادية يسري الاتهام وتقول إن سعاد كانت تعاني اكتئاباً شديداً يرجّح الانتحار.

ما اسم كتاب شقيقة سعاد حسني عن وفاتها؟

الكتاب اسمه «سعاد: أسرار الجريمة الخفية»، وصدر في ديسمبر 2016 في 655 صفحة. تتبنى فيه جنجاه عبد المنعم رواية أن شقيقتها قُتلت ولم تنتحر.

هل أُعيد فتح التحقيق في وفاة سعاد حسني بعد 2013؟

لا توجد في المصادر المتاحة معلومات عن إعادة فتح التحقيق رسمياً بعد قرار وقفه في مارس 2013. ما جاء بعد ذلك كان كتاباً وتصريحات ودعوى سب وقذف، ولم تظهر أدلة جديدة أمام جهة تحقيق.

الخلاصة

بعد 25 عاماً لا يوجد أي مستند منشور يحسم كيف ماتت سعاد حسني. هناك تقارير صحفية تنقل عن الشرطة البريطانية أنها انتحرت، وطبيب يرجح الحادث، وأسرة تتهم أسماء كبيرة دون دليل قبله القضاء. لذلك عندما تقرأ عنواناً يقول إن لغز وفاتها «انكشف أخيراً»، اسأل أولاً عن المستند. كل رواية جديدة لا تأتي بنص تحقيق الطب الشرعي البريطاني أو بالشرائط الستة أو بشاهد حاضر في تلك الليلة هي تكرار لما قيل من قبل. ومن المتوقع أن يعود الجدل مع ذكرى ميلادها في 26 يناير 2027، وهو يوم ثلاثاء، ومع ذكرى رحيلها في 21 يونيو من كل عام. ولمن يريد أن يعرف مَن كانت قبل أن يتحول اسمها إلى قضية، تبدأ حكايتها في بولاق ويرويها التقرير الرئيسي «سعاد حسني: الحكاية الكاملة للسندريلا من بولاق إلى شرفة لندن».