رحلت سامية جمال يوم الخميس 1 ديسمبر 1994 في القاهرة عن 70 عاماً، بعد ستة أيام قضتها في غيبوبة بمستشفى مصر الدولي. سجّلت ويكيبيديا العربية سبب الوفاة «جلطة معوية». وقبل الرحيل عاشت سنوات هادئة بعيدة عن الكاميرا: اعتزلت السينما في أوائل السبعينيات، وانفصلت عن رشدي أباظة عام 1977، ثم عادت إلى الرقص فترة قصيرة في منتصف الثمانينيات لتسدد ديونها. بعدها حجّت واعتكفت في بيتها، إلى أن أنهكتها الأنيميا التي لازمتها سنوات طويلة.
انتهت بذلك مسيرة فنية قاربت نصف قرن، على حد وصف بوابة الأهرام. لكن الطريق إلى هذه النهاية لم يكن مستقيماً. خسرت سامية جمال زوجها ثم شريكها السابق، وغرقت شقتها، وتراكمت عليها الضرائب، فقبلت وقد تجاوزت الستين أن تقف على المسرح من جديد. وفي آخر أيامها أوصت بأن يخرج جثمانها من «سلم الخدم».
تكمل هذه السطور ما بدأناه في التقرير الرئيسي «سامية جمال: الحكاية الكاملة لـ«فراشة الشاشة» من الخدمة في البيوت إلى العالمية»، وتقف عند الفصل الأخير من حياة زينب خليل إبراهيم محفوظ، الاسم الحقيقي لـ«الفراشة».
متى اعتزلت سامية جمال التمثيل ولماذا ابتعدت عن الأضواء؟
اعتزلت سامية جمال التمثيل في أوائل السبعينيات، وكان آخر فيلمين لها «الشيطان والخريف» و«ساعة الصفر»، وكلاهما عُرض عام 1972 وشاركها البطولة رشدي أباظة. بعد ذلك لم يعد الجمهور يراها إلا في حوارات تلفزيونية متباعدة، بحسب جريدة الجريدة الكويتية.
يصعب فصل هذا الانسحاب عن عمرها في ذلك الوقت. كانت قد تجاوزت الأربعين، وجيل جديد من الراقصات يتصدر الشاشة والملاهي. اختارت أن تتوقف وهي في مكانها، فلم تقبل أدواراً ثانوية تستهلك اسمها. وبحسب الروايات المتاحة، لم تعلن السبب في بيان أو تصريح فاصل، فقد قل حضورها شيئاً فشيئاً حتى صار نادراً.
كان معروفاً عنها قبل ذلك أنها ترفض المال الذي لا يقابله عمل. يروي مصراوي أنها رفضت عرضاً من أحد أمراء الخليج بأن يهديها جناحاً خاصاً في فندق. وتفسر هذه الصرامة كثيراً مما جرى لاحقاً: حين ضاقت بها الحال لم تطلب العون من أحد، وعادت إلى الشغل الذي تعرفه.

كيف ودّعت سامية جمال رشدي أباظة؟
ودّعته متخفية. حين توفي رشدي أباظة عام 1980، أي بعد ثلاث سنوات من طلاقهما، ذهبت إلى جنازته بغطاء رأس وبرقع على وجهها ونظارة سوداء حتى لا يعرفها أحد، كما ذكرت اليوم السابع.
لم تكتفِ بذلك. بعد ثلاثة أيام من الدفن زارت قبره وحدها، ونقل موقع صدى البلد عنها قولها هناك: «كان نفسي تموت في حضني يا رشدي.. أنت اللي اخترت تموت بعيد عني». تلخص الجملة علاقة طويلة لم تنتهِ بالطلاق. وتختلف المصادر في سنة زواجهما، لكنها تتفق على أنه انتهى بالانفصال عام 1977.
بقي من هذا الزواج أثر في حياتها اليومية. لم تنجب سامية جمال، لكنها ربّت قسمت، ابنة رشدي أباظة، التي تزوجت فيما بعد الفنان أحمد دياب، بحسب مصراوي. وتذكر الجريدة أنها لم تفكر في الزواج بعد رشدي، فبقي آخر رجل في حياتها.

لماذا عادت سامية جمال إلى الرقص بعد الستين؟
عادت بسبب ضائقة مالية. تروي اليوم السابع أنها بعد الطلاق ووفاة رشدي أباظة وجدت نفسها مثقلة بالديون والضرائب، ثم انفجرت ماسورة مياه فأغرقت شقتها. وكانت في الوقت نفسه تعول شقيقتها وأبناء شقيقتها الخمسة.
في منتصف الثمانينيات أقنعها الفنان سمير صبري بأن تنضم إلى فرقته الاستعراضية بفقرة منفردة مدتها ربع ساعة. تذكر ويكيبيديا الإنجليزية أن العودة كانت عام 1984، بينما تكتفي المصادر العربية بعبارة «منتصف الثمانينيات». كانت قد تجاوزت الستين، وهو عمر اعتزلت قبله أغلب نجمات الرقص الشرقي في جيلها.
نجح العرض نجاحاً كبيراً. يذكر مصراوي أن جمهوراً من دول عدة كان يحضره، وأنه قُدّم في إنجلترا وأمريكا وإيطاليا، وأن التلفزيون الفرنسي جاء خصيصاً لتصويرها. وبعد ليلة الافتتاح قالت لسمير صبري: «ماقدرتش أنام قبل ما أشكرك».
من عائد هذه العودة سددت ديونها وضرائبها وأصلحت شقتها. وبعد نحو عام قالت لسمير صبري: «كفاية يا سمير». ويضيف مصراوي أن اعتزالها النهائي للرقص جاء بعد تكريمها في مهرجان تولوز بفرنسا، وقد جمعت مبلغاً يكفيها لتعيش بكرامة. لم تكن العودة إذن حنيناً إلى الأضواء. كانت خطة محددة الهدف، وانتهت حين تحقق الهدف.

كيف عاشت سامية جمال سنواتها الأخيرة؟
عاشت حياة هادئة أقرب إلى العزلة بعد الاعتزال الثاني. وصفتها بوابة العين بأنها «عاشت أيامها الأخيرة وحيدة»، وذكرت الجريدة أنها اعتادت التنزه في شوارع الزمالك القريبة من بيتها، ولم تفكر في زواج جديد.
تحول اهتمامها في تلك المرحلة إلى الدين. بحسب اليوم السابع أدت فريضة الحج، والتُقطت لها صورة بملابس الإحرام صارت آخر صورة معروفة لها وآخر ظهور علني. ثم لزمت بيتها تقرأ القرآن وتصلي، وكانت تحب منطقة السيدة نفيسة وتصلي في مسجدها.
لا يكفي وصف «الوحدة» وحده لفهم تلك السنوات. كانت امرأة جاوزت الستين، بلا أبناء، فقدت الرجل الذي أحبته، وتحملت مسؤولية أسرة شقيقتها. ومع ذلك تدل التفاصيل القليلة المتاحة على أن العزلة كانت في جانب كبير منها اختياراً: تمشي في الزمالك، وتزور السيدة نفيسة، وتبتعد عن الصحافة والحفلات.
ما المرض الذي أصاب سامية جمال قبل وفاتها؟
أصيبت بفقر الدم (الأنيميا). يروي مصراوي أن السبب كان حرصها الشديد على رشاقتها، فقد ظلت سنوات تقلل طعامها وتكتفي بالخضروات والزبادي. وتؤكد الجريدة أنها لم تعانِ أمراضاً خطيرة، وأن الأنيميا هي التي أنهكت صحتها وأدخلتها المستشفى مرات عدة.
اشتد المرض في سنتها الأخيرة. قبل وفاتها بنحو أربعة أشهر دخلت المستشفى بسبب هبوط حاد في نسبة الهيموجلوبين، واحتاجت إلى نقل دم. نصحها الأطباء بالفيتامينات وبالاهتمام بالتغذية، لكنها رفضت بحسب رواية مصراوي. ويبدو أن عادة غذائية بدأت من أجل خشبة المسرح بقيت معها بعد الاعتزال بسنوات طويلة.
ثم جاءت المضاعفة الأخطر: جلطة في الوريد المغذي للأمعاء تبعتها غرغرينا، فاضطر الأطباء إلى استئصال جزء من الأمعاء. بعد ذلك فقدت الوعي تدريجياً، وظلت في غيبوبة ستة أيام في مستشفى مصر الدولي حتى رحلت يوم الخميس 1 ديسمبر 1994. وتتفق هذه الرواية مع ما تذكره ويكيبيديا العربية عن «جلطة معوية» سبباً للوفاة.
بماذا أوصت سامية جمال قبل رحيلها؟
أوصت بأن يخرج جثمانها بهدوء من «سلم الخدم» في بيتها، كما نقلت اليوم السابع عن كتاب للكاتبة ناهد صلاح. لم ترد جنازة صاخبة ولا موكباً من الباب الرئيسي.
قبل وفاتها بنحو شهرين اشترت مدفناً. ووضع المقاول عليه لافتة كُتب عليها «مدفن الفنانة سامية جمال»، فاعترضت وقالت إن الموت لا يفرّق بين فنان وغيره، وطلبت تغيير اللافتة. تكشف الواقعتان، السلم واللافتة، عن امرأة تستعد لموتها بوعي كامل وتريد أن تغادر بلا ألقاب.
ولمن قرأ بداية حكايتها، تبدو وصية «سلم الخدم» كأنها عودة إلى نقطة البداية. فالفتاة التي بدأت حياتها، كما يروي التقرير الرئيسي، بالخدمة في البيوت قبل أن تصبح نجمة عالمية، أرادت أن تخرج في النهاية من الباب الذي يستخدمه الخدم. هذه قراءة لا تقطع بها المصادر، لكن من الصعب ألا تخطر على بال القارئ.
أهم النقاط
- توفيت سامية جمال يوم الخميس 1 ديسمبر 1994 في القاهرة عن 70 عاماً، بعد غيبوبة دامت ستة أيام في مستشفى مصر الدولي.
- سجّلت ويكيبيديا العربية سبب الوفاة «جلطة معوية»، وبدأت الأزمة بأنيميا ناتجة عن نظام غذائي قاسٍ حافظت عليه سنوات من أجل الرشاقة.
- آخر أفلامها «الشيطان والخريف» و«ساعة الصفر» عام 1972، وكلاهما مع رشدي أباظة.
- حضرت جنازة رشدي أباظة عام 1980 متخفية ببرقع ونظارة سوداء، ثم زارت قبره وحدها بعد ثلاثة أيام.
- عادت إلى الرقص في منتصف الثمانينيات، بعد الستين، بفقرة مدتها ربع ساعة في فرقة سمير صبري، لتسدد ديونها وتصلح شقتها التي غرقت.
- حجّت واعتكفت في بيتها، وأوصت بخروج جثمانها من «سلم الخدم»، ورفضت أن يُكتب لقب «الفنانة» على مدفنها.
أسئلة شائعة
كم كان عمر سامية جمال عند وفاتها؟
كان عمرها 70 عاماً بحسب ويكيبيديا العربية. وتتفق المصادر على أنها وُلدت عام 1924، لكنها تختلف في يوم الميلاد ومكانه.
ما الاسم الحقيقي لسامية جمال؟
اسمها الحقيقي زينب خليل إبراهيم محفوظ، وتتفق المصادر على ذلك. أما «سامية جمال» فهو الاسم الفني الذي عرفها به الجمهور العربي والعالمي.
هل أنجبت سامية جمال أطفالاً؟
لم تنجب. لكنها ربّت قسمت، ابنة رشدي أباظة، التي تزوجت لاحقاً الفنان أحمد دياب، وكانت تعول أيضاً شقيقتها وأبناء شقيقتها الخمسة.
هل تزوجت سامية جمال بعد رشدي أباظة؟
لا. بحسب جريدة الجريدة الكويتية لم تفكر في الزواج مرة أخرى بعد انفصالهما عام 1977، وكانت تتنزه في شوارع الزمالك القريبة من بيتها.
متى ذكرى وفاة سامية جمال هذا العام؟
توافق الذكرى الثانية والثلاثون لرحيلها يوم الثلاثاء 1 ديسمبر 2026. رحلت في اليوم نفسه من عام 1994، وكان يوم خميس.
ما آخر ظهور لسامية جمال؟
بحسب اليوم السابع، كانت صورتها بملابس الإحرام أثناء أداء فريضة الحج آخر صورة وآخر ظهور لها. بعدها اعتكفت في بيتها للصلاة وقراءة القرآن.
الخلاصة
في سنواتها الأخيرة لم تعش سامية جمال على أمجاد الماضي ولا على عطايا الآخرين. حين احتاجت المال عادت إلى المسرح وهي فوق الستين، وحين اكتفت قالت «كفاية»، وحين اقترب الموت رتبت مدفنها بنفسها ورفضت أن يُكتب عليه لقب. أما الجانب المؤلم في القصة فيستحق أن ننتبه له: ما أضعف جسدها في النهاية كان أنيميا ناتجة عن حمية صارمة استمرت سنوات ورفضت التخلي عنها، ولم يكن مرضاً نادراً. في ذكرى رحيلها الثانية والثلاثين، يوم الثلاثاء 1 ديسمبر 2026، من المتوقع أن تعيد القنوات عرض أفلامها كالمعتاد. ومن يريد أن يفهم «الفراشة» كاملة يمكنه أن يبدأ بآخر فيلمين لها مع رشدي أباظة عام 1972، ثم يعود إلى البداية في التقرير الرئيسي عن حكايتها من الخدمة في البيوت إلى العالمية.