خرجت تحية كاريوكا وسامية جمال من فرقة واحدة هي فرقة بديعة مصابني، ونافست كل منهما الأخرى على لقب أهم راقصة في مصر بأسلوبين متعاكسين. وتزوجتا الرجل نفسه، رشدي أباظة، لكن هذا كله لم يمنع الصداقة. في سنة 1973 سافرتا معاً لزيارة أستاذتهما المريضة في لبنان، وفي 1977 وقفتا جنباً إلى جنب تشرحان أصول الرقص الشرقي لهاويات أمريكيات. ومع ذلك لم يخلُ كلام تحية عن زميلتها من النقد اللاذع في مناسبات أخرى. علاقة فيها تنافس واحترام ومرارة في الوقت نفسه.

تصف جريدة «الجريدة» الكويتية سامية جمال بأنها «صديقة» تحية كاريوكا و«منافستها في الرقص» في كازينو بديعة مصابني. وفي العبارة القصيرة دي تتلخص حكاية امتدت أكثر من نصف قرن، من صالات القاهرة أيام الحرب العالمية الثانية حتى رحيل سامية في 1994 ثم تحية في 1999.

الحكاية تكمل ما رويناه في التقرير الرئيسي «تحية كاريوكا: الحكاية الكاملة من فرقة بديعة إلى «شباب امرأة» والسجن والأزواج والسنوات الأخيرة»، وتتوقف هنا عند امرأة واحدة في حياة تحية: الراقصة التي قارنها الجمهور بها طوال الوقت.

كيف بدأت العلاقة بين تحية كاريوكا وسامية جمال؟

بدأت العلاقة على مسرح بديعة مصابني. التحقت تحية بالفرقة أولاً، وجاءت سامية بعدها بسنوات، فكانت تحية النجمة وسامية التلميذة. وتتفق المصادر على أن أكثر ما يجمع بين الاثنتين أنهما تلميذتان لبديعة، وأن كلتيهما بدأت مشوارها في فرقتها.

تقول ويكيبيديا العربية إن بديعة مصابني ضمت تحية كاريوكا إلى فرقتها سنة 1935. وبعد خمس سنوات، في 1940، قدمت تحية في أحد عروض الفرقة رقصة «الكاريوكا»، فاشتهرت بها والتصق اسم الرقصة بها حتى صار لقبها. أما سامية جمال، واسمها الحقيقي زينب خليل إبراهيم محفوظ، فبدأت مع الفرقة سنة 1943 في الرقصات الجماعية التي كانت تسمى «التابلوهات»، أي واقفة في الصف الخلفي خلف النجمات.

التفصيلة الأهم هنا تذكرها ويكيبيديا الإنجليزية: تعلمت سامية الرقص في البداية على يد بديعة مصابني وعلى يد تحية كاريوكا نفسها، التي كانت وقتها نجمة الفرقة. ثم استقلت سامية وصارت راقصة منفردة لها أسلوبها. معنى ذلك أن المنافسة التي سيتحدث عنها الجمهور لاحقاً بدأت بين أستاذة وتلميذتها.

كانت تلك سنوات ازدهار صالات بديعة. فالكاتبة الإنجليزية أرتيميس كوبر، كما نقلت عنها «الجريدة»، تقول إن تحية وسامية اشتهرتا برقص البطن في القاهرة أيام الحرب العالمية الثانية، حين كانت صالات بديعة في عزها وكان الأجانب يتهافتون عليها. وصلت الاثنتان إلى الشهرة في السنوات نفسها وأمام الجمهور نفسه، فكان طبيعياً أن يقارن الناس بينهما.

فرقة بديعة مصابني حيث بدأت تحية كاريوكا وسامية جمال مشوارهما في الرقص
بديعة مصابني، الأستاذة التي خرجت من فرقتها تحية كاريوكا وسامية جمالالصورة: unknown — ويكيميديا كومنز (Public domain)

ما الفرق بين أسلوب تحية كاريوكا وسامية جمال في الرقص؟

الأسلوبان متعاكسان تقريباً. مزجت سامية جمال الرقص الشرقي بالرقص الغربي، أما تحية كاريوكا فعادت إلى الرقص الشرقي والمصري القديم وأحيته. وهذا الفرق هو أساس المقارنة بينهما حتى اليوم.

اعتمدت تحية على الثبات والحركة المحسوبة والارتباط بالإيقاع الشرقي الأصيل. وفتحت سامية رقصها على الحركة الواسعة في المساحة وعلى تأثيرات الاستعراض الغربي، وهو ما جعلها قريبة من ذوق السينما في الأربعينيات والخمسينيات. وجاء الاعتراف الرسمي لسامية مبكراً: تقول ويكيبيديا الإنجليزية إن الملك فاروق أعلنها «الراقصة الوطنية لمصر» سنة 1949.

ولعبت الاثنتان دور الحبيبة أمام فريد الأطرش على الشاشة. وفي سؤال «من الأعظم؟» يكتب مايكل كولينز دَن في مدونة معهد الشرق الأوسط أن كثيرين يعتبرون تحية أعظم راقصة على الإطلاق، وأن سامية عند كثيرين هي الثانية، لكنه يلاحظ أن الاتفاق على ترتيبها أقل. أي أن تحية بقيت عند أغلب النقاد المعيار الذي تقاس عليه الأخريات، بما فيهن سامية.

لكن هذا الترتيب رأي نقاد لا حكم نهائي. فمن يفضّل الرقص المحافظ على الطابع المصري يميل إلى تحية، ومن يحب الاستعراض والحركة الحرة يجد في سامية ما لا يجده في غيرها. وجود مدرستين واضحتين بهذا الشكل هو ما جعل المقارنة بينهما ممتعة للجمهور ومزعجة أحياناً للراقصتين.

سامية جمال التي مزجت الرقص الشرقي بالاستعراض الغربي في مقارنة مع تحية كاريوكا
سامية جمال، صاحبة الأسلوب الذي مزج الرقص الشرقي بالغربيالصورة: Armand — ويكيميديا كومنز (Public domain)

هل كانت بين تحية كاريوكا وسامية جمال منافسة حقيقية؟

نعم، كانت هناك منافسة، لكنها لم تتحول إلى عداء معلن. وتكشف أقوال تحية نفسها على مدى السنوات عن مزيج من الإعجاب والنقد، تغيّر بحسب الوقت والمناسبة.

سنة 1963 أجرت الصحفية إيريس نظمي حواراً مع تحية لمجلة «آخر ساعة»، وعرضت عليها صورة لسامية جمال. نظرت تحية إلى الصورة وقالت: «إنها تعجبني». جملة قصيرة من راقصة كانت معروفة بلسانها الحاد، ولا تقولها عادة عن منافسة.

لكن تحية قالت كلاماً مختلفاً في لقاء تلفزيوني مع هالة سرحان، بحضور فيفي عبده ونجوى فؤاد. انتقدت رقص سامية بوضوح وقالت: «سامية جمال لم تكن راقصة، كانت تطلع شكلها تحبي تشوفيها»، وشبّهت نجوى فؤاد بها في أنها «استعراضية». وهذا النقد قائم على الفرق في المدرستين: فالاستعراض في نظر تحية شيء والرقص الشرقي شيء آخر.

وعلى الشاشة التقت الاثنتان في فيلم «حبيبي الأسمر» من إخراج حسن الصيفي، ومعهما يوسف وهبي وشكري سرحان ومحمود المليجي واستيفان روستي. الفيلم أبيض وأسود ومدته 104 دقائق، وتختلف المصادر في سنة إنتاجه بين أواخر 1957 و1958. ووجود الاسمين في فيلم واحد كان كافياً ليضعهما الجمهور في مقارنة مباشرة.

ما قصة رشدي أباظة بين تحية كاريوكا وسامية جمال؟

تزوجت الاثنتان من الممثل رشدي أباظة، كل واحدة في زمن مختلف. وهذا ما جعل المقارنة بينهما تتجاوز المسرح إلى حياتهما الشخصية.

انتهى زواج تحية برشدي بطريقة تشبهها. فبحسب «البوابة نيوز» ضبطته في ملهى بشارع الحمرا في لبنان مع الفرنسية آني بارينه، وطلبت الطلاق في الليلة نفسها. لم تؤجل القرار ولم تنتظر.

أما زواج سامية من رشدي فاستمر سنوات طويلة. تذكر ويكيبيديا الإنجليزية أنه بدأ في أواخر الخمسينيات، وتذكر ويكيبيديا العربية سنة بداية مختلفة في جدولها الجانبي، لكن المصدرين يتفقان على أن الطلاق كان سنة 1977.

وفي لقاء تلفزيوني قديم سُئلت الاثنتان الأسئلة نفسها، فظهر الفرق بين الشخصيتين. عن أسعد زوجين في الوسط الفني قالت سامية: «أنا ورشدي أباظة طالما من غير حسد». أما تحية فاختارت فؤاد المهندس وفاتن حمامة، وعللت ذلك بأنهما «مش متزوجين». الأولى عبّرت عن حب، والثانية ردّت بسخرية تعكس تجربتها مع الزواج.

رشدي أباظة الذي تزوج تحية كاريوكا وسامية جمال
رشدي أباظة، الزوج المشترك في حكاية تحية كاريوكا وسامية جمالالصورة: Unknown authorUnknown author — ويكيميديا كومنز (Public domain)

كيف اجتمعت تحية كاريوكا وسامية جمال حول بديعة مصابني؟

جمعتهما بديعة مصابني في البداية، وجمعتهما في نهايتها أيضاً. ففي سنة 1973، قبل وفاة بديعة بسنة، سافرت تحية وسامية لزيارتها في مزرعتها في شتورة بالبقاع اللبناني، وكانت مريضة.

التفاصيل التي نقلتها جريدة «الدستور» عن الزيارة إنسانية جداً. لم تكتفِ النجمتان بالجلوس في ضيافة أستاذتهما، بل شاركتا في العمل اليومي للمزرعة: باعت تحية اللبنة للزبائن، وأطعمت سامية الدجاج. وانتهت الزيارة بالقبلات والأحضان.

وتصف «الدستور» تحية وسامية بأنهما الأقرب إلى قلب بديعة من كل النجوم الذين وقفوا على مسرحها. وهذا يفسر لماذا ذهبتا معاً: فالرابط بينهما لم يكن زمالة عابرة، بل انتماء مشترك إلى المدرسة نفسها والمرأة التي أخرجتهما إلى الضوء.

ماذا فعلت تحية كاريوكا وسامية جمال معاً في سنة 1977؟

في 1977 تعاونت الاثنتان علناً. استقبلتا معاً بعثة أمريكية من هاويات الرقص الشرقي، ثم أقنعت تحية سامية بالمشاركة في مسرحية جديدة، وسافرتا إلى أمريكا لإلقاء محاضرات عن الرقص الشرقي.

بحسب «اليوم السابع» استضافت تحية في مسرحها بعثة من 20 فتاة أمريكية من هاويات الرقص الشرقي، وكانت وقتها تقدم مسرحية «الباب العالي». وشاركت سامية في استقبالهن والحديث معهن عن أصول الرقص الشرقي. أي أن أصحاب المدرستين اللتين تقارنان دائماً وقفتا معاً لتقديم هذا الفن للأجانب.

ونقلاً عن مجلة «الموعد» بتاريخ 27 أكتوبر 1977، أقنعت تحية سامية بالمشاركة في مسرحيتها الجديدة «إيه العبارة»، وسافرت الاثنتان إلى أمريكا لإلقاء محاضرات عن الرقص الشرقي. لكن المصدر لا يذكر هل عُرضت المسرحية فعلاً، فالأدق أن نعتبرها مشروعاً أُعلن ولا نعرف مصيره.

كانت سامية وقتها قد ابتعدت عن الشاشة، إذ تقول ويكيبيديا الإنجليزية إنها اعتزلت السينما رسمياً سنة 1972، ثم عادت إلى المسرح لفترة قصيرة سنة 1984 بنصيحة من سمير صبري. وتوفيت في القاهرة يوم 1 ديسمبر 1994 بعد غيبوبة استمرت ستة أيام في مستشفى مصر الدولي. ولحقت بها تحية في القاهرة في سبتمبر 1999، والتاريخ الأشيع لوفاتها 20 سبتمبر وإن اختلفت المصادر في اليوم، وتركت أشهر أفلامها «شباب امرأة» (1956).

أهم النقاط

  • الاثنتان تلميذتان لبديعة مصابني: ضمت بديعة تحية إلى فرقتها سنة 1935، وبدأت سامية في الرقصات الجماعية سنة 1943.
  • تعلمت سامية جمال في بدايتها على يد تحية كاريوكا نفسها، فالمنافسة بدأت بين أستاذة وتلميذتها.
  • أسلوبان متعاكسان: سامية مزجت الشرقي بالغربي، وتحية أحيت الرقص المصري الأصيل.
  • تزوجت الاثنتان من رشدي أباظة، وطلبت تحية الطلاق في الليلة التي ضبطته فيها في ملهى بشارع الحمرا في لبنان.
  • تحية قالت عن سامية «إنها تعجبني» سنة 1963، ثم انتقدتها لاحقاً على الهواء ووصفت رقصها بالاستعراض.
  • في 1973 زارتا معاً بديعة المريضة في شتورة، وفي 1977 استقبلتا معاً 20 هاوية أمريكية وسافرتا إلى أمريكا للمحاضرة عن الرقص الشرقي.
  • رحلت سامية في 1 ديسمبر 1994، وتحية في سبتمبر 1999.

أسئلة شائعة

من الأكبر سناً: تحية كاريوكا أم سامية جمال؟

تحية كاريوكا هي الأكبر. تختلف المصادر في سنة ميلادها بين 1915 و1920، أما سامية جمال فتجمع المصادر على أنها وُلدت سنة 1924 وإن اختلفت في اليوم والمكان.

ما الاسم الحقيقي لسامية جمال؟

اسمها الحقيقي زينب خليل إبراهيم محفوظ. واشتهرت باسم سامية جمال بعد أن صارت راقصة منفردة خرجت من فرقة بديعة مصابني.

لماذا سُميت تحية كاريوكا بهذا الاسم؟

جاء اللقب من رقصة «الكاريوكا» التي قدمتها سنة 1940 في أحد عروض فرقة بديعة مصابني. اشتهرت بالرقصة فالتصق اسمها بها.

هل مثّلت تحية كاريوكا وسامية جمال في فيلم واحد؟

نعم، في فيلم «حبيبي الأسمر» من إخراج حسن الصيفي، ومعهما يوسف وهبي وشكري سرحان ومحمود المليجي واستيفان روستي. الفيلم أبيض وأسود ومدته 104 دقائق، وتؤرخه أغلب المصادر بسنة 1958 وبعضها بسنة 1957.

هل كانت تحية كاريوكا وسامية جمال على خلاف بسبب رشدي أباظة؟

لا تذكر المصادر الموثوقة خلافاً معلناً بينهما بسبب رشدي أباظة. فقد تزوجته كل منهما في زمن مختلف، واستمرت صداقتهما حتى بعد طلاق سامية منه سنة 1977، وهي السنة نفسها التي تعاونتا فيها.

متى توفيت سامية جمال وتحية كاريوكا؟

توفيت سامية جمال في القاهرة يوم 1 ديسمبر 1994 بعد غيبوبة دامت ستة أيام. وتوفيت تحية كاريوكا في القاهرة في سبتمبر 1999، والتاريخ الأشيع 20 سبتمبر.

الخلاصة

من يقرأ حكاية تحية كاريوكا وسامية جمال على أنها صراع بين نجمتين يفوته نصفها. فالمنافسة كانت حقيقية، ولسان تحية لم يرحم زميلتها في بعض اللقاءات، لكن الاثنتين عادتا إلى بعضهما في اللحظات المهمة: عند سرير الأستاذة المريضة في شتورة، وأمام هاويات جئن من أمريكا ليتعلمن أصول الرقص. وإن أردت أن تفهم الفرق بينهما بنفسك فلا تكتفِ بأحكام النقاد. شاهد «حبيبي الأسمر» الذي يجمعهما، ثم شاهد رقصة لتحية ورقصة لسامية أمام فريد الأطرش، وستلاحظ بسهولة الفرق بين الرقص المصري المحافظ والاستعراض المنفتح على الغرب. ويوم الثلاثاء 1 ديسمبر 2026 تمر 32 سنة على رحيل سامية جمال، وهي مناسبة جيدة لمشاهدة أعمال الاثنتين ومقارنتها.