شاركت تحية كاريوكا في المسابقة الرسمية لمهرجان كان مرتين، وفي المرتين كانت ممثلة في فيلم مصري طويل: «البيت الكبير» سنة 1949، و«شباب امرأة» لصلاح أبو سيف سنة 1956، بحسب قاعدة البيانات الرسمية للمهرجان. لكن ما بقي في ذاكرة الناس من دورة 1956 أكبر من الفيلم نفسه: صورة الراقصة المصرية وهي تمشي أمام المصورين بالملاية اللف، وحكايات عن صدام مع نجمة هوليوودية ما زالت رواياتها متضاربة حتى اليوم.
بين أبريل ومايو 1956 كانت كان ساحة تتنافس فيها الوفود على عدسات المصورين وأعمدة الصحف. ووصل إليها وفد مصري صغير ومعه فيلم شكّ موزعه في نجاحه تجارياً، وبطلة عرفها الجمهور أولاً راقصةً في كازينو بديعة مصابني. وخلال أيام قليلة صارت تحية كاريوكا أكثر اسم عربي يتذكره من يكتبون عن الحضور العربي في المهرجان.
هذه الحكاية فصل من سيرة أطول نرويها في التقرير الرئيسي «تحية كاريوكا: الحكاية الكاملة من فرقة بديعة إلى «شباب امرأة» والسجن والأزواج والسنوات الأخيرة». وهنا نتوقف عند محطة كان وحدها: ماذا عرضت هناك، وماذا فعلت، وأي الروايات يصمد أمام التدقيق.
بأي أفلام شاركت تحية كاريوكا في مهرجان كان؟
شاركت بفيلمين، كلاهما في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة: «البيت الكبير» سنة 1949، و«شباب امرأة» سنة 1956. وصفحتها على الموقع الرسمي للمهرجان تسجلها ممثلةً في هذين العملين وحدهما.
جاءت المرة الأولى مبكرة جداً في عمر المهرجان. ففي 1949 دخل «البيت الكبير» المسابقة، ووقفت فيه تحية كاريوكا إلى جانب أمينة رزق وعماد حمدي، وهما من أبرز وجوه الشاشة المصرية وقتها. معنى ذلك أن اسمها دخل سجلات كان قبل سبع سنوات من الدور الذي سيلتصق بها لعقود.
المرة الثانية هي التي صنعت الحكاية. «شباب امرأة» فيلم مصري عُرض في مسابقة الأفلام الطويلة سنة 1956، أخرجه صلاح أبو سيف، وكتب السيناريو أمين غراب وصلاح أبو سيف. وفي قائمة أفلام تلك الدورة يظهر بعنوان إنجليزي هو The Leech، أي «العلقة»، إلى جانب عنوانه الأصلي Shabab emraa.
من كان مع تحية كاريوكا في «شباب امرأة»؟
تذكر صفحة المهرجان سبعة من أبطال الفيلم المشاركين في كان: شكري سرحان، وسراج منير، وفردوس محمد، وسليمان الجندي، وعبد الوارث عسر، وتحية كاريوكا، وشادية. وخلف الكاميرا كان صلاح أبو سيف، الذي سبق له أن نافس في كان بفيلم «الوحش» سنة 1954.
الأرقام المالية تقول شيئاً عن ميزان القوى داخل الفيلم. فقد نقلت صحيفة النهار عن مصدر قريب من صلاح أبو سيف أن أجر تحية كاريوكا كان 500 جنيه، وأن شكري سرحان حصل على 300 جنيه، بينما نالت شادية 2000 جنيه عن دور صغير. شادية كانت وقتها نجمة شباك، والفارق يعكس حساب السوق لا حجم الدور.
والسوق نفسها لم تكن مطمئنة. فبحسب الرواية ذاتها، شكّ الموزع في أن ينجح الفيلم تجارياً. فيلم عن أرملة متسلطة تستدرج شاباً ريفياً قادماً للدراسة في القاهرة لم يكن رهاناً مضموناً، ومع ذلك وجد طريقه إلى مسابقة كان في سنة عرضه نفسها.

متى انعقدت دورة كان 1956 ومن رأس لجنة التحكيم؟
انعقدت الدورة من 23 أبريل إلى 10 مايو 1956، ورأس لجنة التحكيم الفرنسي موريس ليمان. هذا هو الإطار الزمني الذي وصل فيه الوفد المصري إلى الريفييرا الفرنسية.
كانت المنافسة دولية واسعة، والوفود الكبرى جاءت بنجومها وماكيناتها الدعائية. وفي مثل هذا الزحام يصعب على فيلم من بلد ناشئ سينمائياً في نظر الصحافة الأوروبية أن يحجز مكاناً في الصفحات الأولى، مهما كانت قيمته الفنية.
ورأس البعثة المصرية الأديب يحيى حقي، وكان يشغل منصب مدير مصلحة الفنون، وإلى جواره منتج الفيلم رمسيس نجيب. وسيعود اسماهما لاحقاً في القصة بوصفهما شاهدين على ما جرى، ولهما رواية تخالف كثيراً مما نشرته الصحف.

لماذا ظهرت تحية كاريوكا في كان بالملاية اللف؟
لأنها رأت أن الوفد المصري متجاهَل، فقررت أن تفرض حضوره بالصورة. تقول جريدة الاقتصادية إن كاريوكا لاحظت أن الصحافة تهمل الوفد المصري مقارنة بغيره من الوفود، ومنها الوفد الإسرائيلي، فخرجت أمام المصورين والصحفيين بالملاية اللف لتلفت الأنظار إلى الفيلم وإلى الوفد، فأحدثت ضجة كبيرة.
تضيف البوابة نيوز تفصيلة دالة: لم ترتدِ كاريوكا فستان سهرة، بل عادت إلى الفندق ورجعت بالملاية اللف والشبشب المورّد، بالهيئة نفسها التي ظهرت بها شخصية «شفاعات» في الفيلم. أي أنها جاءت بالشخصية من الشاشة إلى السجادة، وحوّلت الزي الشعبي المصري إلى إعلان حي عن الفيلم.
ولم يكن المظهر بسيطاً كما قد يوحي اسم الملاية. فبحسب مجلة سيدتي، حضرت في مايو 1956 بالملاية ومعها أساور ذهب كثيرة متراكبة، وعقد تشوكر مرصع بالألماس، وأقراط طويلة. خليط من زي الحارة وبريق المجوهرات صنع صورة لم يكن ممكناً أن يتجاهلها المصورون.
قيمة هذه اللقطة تُفهم اليوم بسهولة أكبر. فما تفعله فرق الدعاية الآن بخطط مدروسة على السجادة الحمراء، فعلته كاريوكا بحدس فطري وقطعة قماش سوداء، فجعلت من فيلم بلا ميزانية دعائية موضوعاً للحديث.

ماذا حدث بين تحية كاريوكا وسوزان هيوارد؟
الجواب الأمين: لا نعرف على وجه اليقين. الثابت أن صحفاً عربية وأجنبية روت قصة مشادة بين كاريوكا والنجمة الأمريكية سوزان هيوارد، وأن رئيس البعثة المصرية نفاها. وما بين الروايتين تختلف التفاصيل اختلافاً كبيراً.
أشهر الروايات تنشرها جريدة الاقتصادية: في عشاء جمع أبطال الفيلم بنجوم من المهرجان دار حديث عن القضية الفلسطينية، فتكلمت هيوارد عن العرب باستعلاء، فردّت كاريوكا بعنف وشتمتها بالفرنسية والإنجليزية، واضطرت هيوارد إلى مغادرة العشاء. وفي روايات أخرى، منها ما نشرته إيجيبت إندبندنت في 14 نوفمبر 2009 وما نشرته البوابة نيوز في 20 سبتمبر 2022، تتبدل التفاصيل: من كان المقصود بالضربة، ومن أصابته فعلاً، ومن تدخّل. ولأن المصادر لا تتفق على هذه النقاط، فالأسلم التوقف عند الفكرة العامة: غضب مصري من كلام اعتُبر مهيناً، ورد فعل حاد.
في المقابل، يعتمد تقرير استعادي في أخبار اليوم على عدد جريدة الأخبار الصادر في 4 يونيو 1956. وبحسبه، نقلت الصحف المصرية عن كاريوكا أنها شتمت هيوارد بعد أن رفضت الأخيرة حضور حفلة الفيلم المصري، لكن يحيى حقي نفى القصة، وقال إن هيوارد أخبرته بنفسها أنها تحب مصر. ونفى حقي كذلك أن تكون كاريوكا التقت بأحد النجوم الذين أُقحمت أسماؤهم في الحكاية، لأنه وصل إلى كان بعد سفرها. أما رمسيس نجيب فقال إنه كان معها وقت لقائها بهيوارد، واستغرب ما نُشر.
كيف نقرأ هذا التضارب؟ هذا تحليل لا حكم: نفي حقي جاء في سياق حرص رسمي على «سمعة مصر»، وهذا يجعله شهادة مهمة لكنها ليست محايدة تماماً. وفي المقابل، تكررت الرواية وتضخمت عبر عقود حتى صارت جزءاً من صورة كاريوكا المتمردة. والنصيحة لمن يقرأ عن الواقعة أن يتعامل معها كقصة متعددة الروايات، لا كحادثة موثقة بتفاصيلها.
هل فاز «شباب امرأة» بجائزة في مهرجان كان؟
لا. ذهبت السعفة الذهبية في دورة 1956 إلى «العالم الصامت» لجاك إيف كوستو ولوي مال، وهو فيلم عن عالم البحار. وخرج «شباب امرأة» من المسابقة دون السعفة.
لكن مقياس النجاح لم يكن الجائزة. فالفيلم الذي شك موزعه في نجاحه صنّف لاحقاً في المرتبة السادسة في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، كما تذكر صحيفة النهار. ودور «شفاعات» صار من أكثر أدوار كاريوكا رسوخاً، وانتقل من فيلم إلى رمز.
وتبقى هناك واقعة تكشف مزاجها في تلك الأيام. فبحسب البوابة نيوز، انسحب الوفد الألماني من المهرجان احتجاجاً على سوء المعاملة، ففكرت كاريوكا في سحب الوفد المصري تضامناً معه، لكن يحيى حقي رفض. والمشهد يلخص الثنائية داخل البعثة: فنانة تتصرف بالغريزة والكرامة، ورئيس وفد يحسب الحسابات الدبلوماسية.
وتعتبر جريدة الاقتصادية ما جرى لكاريوكا في كان 1956 أشهر ما يُذكر عن الوجود العربي في المهرجان. وهذا وحده يقول الكثير: الراقصة التي بدأت باسم «تحية محمد» في فرقة بديعة صارت عنواناً لحضور العرب في أهم مهرجان سينمائي في العالم.
أهم النقاط
- شاركت تحية كاريوكا في مسابقة كان الرسمية مرتين: «البيت الكبير» عام 1949 و«شباب امرأة» عام 1956.
- دورة 1956 انعقدت من 23 أبريل إلى 10 مايو، برئاسة موريس ليمان للجنة التحكيم، والسعفة ذهبت إلى «العالم الصامت».
- ظهرت بالملاية اللف والشبشب المورّد بهيئة «شفاعات» لتلفت الأنظار إلى وفد رأت أنه متجاهَل.
- قصة المشادة مع سوزان هيوارد تُروى بصيغ متضاربة، ونفاها يحيى حقي رئيس البعثة.
- أجرها في الفيلم 500 جنيه بحسب مصدر قريب من صلاح أبو سيف، أقل من أجر شادية البالغ 2000 جنيه.
- خرج الفيلم بلا جائزة، لكنه جاء سادساً في قائمة أفضل 100 فيلم مصري.
أسئلة شائعة
ما الاسم الحقيقي لتحية كاريوكا؟
اسمها الأصلي بدوية محمد علي النيداني كريم، ووُلدت في الإسماعيلية. والمصادر تختلف في سنة ميلادها، وتوفيت في القاهرة في 20 سبتمبر 1999.
لماذا سُميت تحية كاريوكا بهذا الاسم؟
ضمتها بديعة مصابني صاحبة كازينو أوبرا إلى فرقتها باسم «تحية محمد». ثم عُرفت باسم «كاريوكا» بعدما تعلمت رقصة سامبا برازيلية تحمل هذا الاسم.
من رأس البعثة المصرية في كان 1956؟
رأسها الأديب يحيى حقي، وكان وقتها مدير مصلحة الفنون. وكان معه منتج الفيلم رمسيس نجيب.
ما الاسم الإنجليزي لفيلم «شباب امرأة»؟
يظهر في قائمة أفلام مسابقة كان 1956 بعنوان The Leech، أي «العلقة». ويُذكر إلى جانبه عنوانه الأصلي Shabab emraa.
هل شارك صلاح أبو سيف في كان قبل «شباب امرأة»؟
نعم، شارك في المسابقة بفيلم «الوحش» سنة 1954. وبذلك صار له فيلمان في مسابقة كان.
كم مرة تزوجت تحية كاريوكا؟
المصادر لا تتفق على عدد مرات زواجها، وإن كانت كلها تتحدث عن عدد كبير يتجاوز العشر. وتفاصيل حياتها الزوجية موجودة في التقرير الرئيسي عن سيرتها.
الخلاصة
من يبحث عن تحية كاريوكا في سجلات مهرجان كان سيجد سطرين رسميين: فيلم عام 1949 وفيلم عام 1956، دون جوائز. والمكانة التي حصلتها هناك لا تأتي من هذين السطرين، بل من قرار سريع اتخذته حين رأت وفد بلدها على الهامش: أن تأتي بشخصية «شفاعات» إلى السجادة الحمراء. والدرس الأوضح للقارئ اليوم أن تفصل بين طبقتين في حكايتها. الأولى موثقة، وهي المشاركتان وطاقم الفيلم ومواعيد الدورة ونتيجتها. والثانية مروية، مثل المشادة مع سوزان هيوارد، ورواياتها متضاربة ونفاها رئيس البعثة. وكلما عاد اسمها إلى الأخبار مع كل دورة جديدة من كان، تستحق الطبقة الأولى أن تُروى بدقة، والثانية أن تُروى بتحفظ. وللقصة الكاملة من فرقة بديعة إلى السنوات الأخيرة، يكمل التقرير الرئيسي عن تحية كاريوكا ما بدأناه هنا.