زين وفانوس القلوب — فانوس في سوق الغروب
auto_stories زين وفانوس القلوب الفصل الأول

فانوس في سوق الغروب

في مدينةٍ لا يفتح سوقها إلا حين تحمرّ السماء، كان هناك فانوسٌ قديم ينتظر منذ مئة عام… قلباً صادقاً واحداً.

menu_book اقرأ الفصل · 4 دقائق

headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق

الفصل الأول: فانوس في سوق الغروب

في مدينة «زهرة الرمال»، حيث تنام البيوت البيضاء على كتف واحة خضراء، وتتمايل النخيل كأنها تسمع موسيقى لا يسمعها أحد، كان هناك سوق صغير يسمّيه الناس «سوق الغروب»، لأنه لا يفتح أبوابه إلا حين تصبغ الشمس السماء بلون المشمش، وتفوح في أزقّته رائحة الهيل والخبز الساخن.

في مدينة زهرة الرمال، سوقٌ لا يفتح إلا مع الغروب. وفي آخر زقاقٍ فيه، دكانٌ يلمع كقطعة من النجوم. هنا يعيش زين، صانع الفوانيس الضحوك.
في مدينة زهرة الرمال، سوقٌ لا يفتح إلا مع الغروب. وفي آخر زقاقٍ فيه، دكانٌ يلمع كقطعة من النجوم. هنا يعيش زين، صانع الفوانيس الضحوك.

وفي آخر زقاق من هذا السوق، كان دكان زين صانع الفوانيس. دكان ضيّق، لكنه يلمع كأنه قطعة من النجوم سقطت على الأرض. فوانيس نحاسية، وأخرى من زجاج ملوّن بالأحمر والفيروزي والأصفر، تتدلّى من السقف وتنثر على الجدران نقوشاً صغيرة تتراقص كلما مرّ النسيم.

كان زين رجلاً ضحوكاً، شعره أسود مجعّد لا يطيعه أي مشط، وابتسامته أوسع من باب دكانه. ورث المهنة عن جده، وورث معها فانوساً نحاسياً قديماً معلّقاً فوق الطاولة، لم يشتعل يوماً مهما وضع فيه من زيت وفتيل.

وكان زين يقول لزبائنه وهو يغمز: «هذا الفانوس كسول مثل قطّ الجيران، ينام طوال النهار، وينتظر الشخص المناسب كي يستيقظ!» فيضحك الناس ويحسبونه يمزح، ويضحك هو معهم، لكنه في داخله كان يتمنى سرّاً أن يكون الكلام حقيقياً.

ورث زين عن جده فانوساً لم يشتعل أبداً. كان يقول ضاحكاً: إنه كسولٌ ينتظر الشخص المناسب!
ورث زين عن جده فانوساً لم يشتعل أبداً. كان يقول ضاحكاً: إنه كسولٌ ينتظر الشخص المناسب!

في ذلك المساء، بينما كان زين يلمّع فانوساً على شكل هلال، سمع صراخاً في أول الزقاق. حمار بائع البطيخ أفلت من صاحبه، وراح يركض بين البسطات وهو ينهق بأعلى صوته، والبطيخ يتدحرج خلفه كالكرات الخضراء الضخمة، والناس يقفزون يميناً ويساراً.

وفي طريقه تماماً وقفت فتاة ملتفّة بعباءة رمادية بسيطة، تتأمل سلّة من زهور الياسمين، ولا تنتبه لشيء مما يحدث حولها.

«احذري!» صاح زين.

حمارٌ هاربٌ، وبطيخٌ يتدحرج، وفتاةٌ لا ترى الخطر! قفز زين وسحبها في اللحظة الأخيرة تماماً.
حمارٌ هاربٌ، وبطيخٌ يتدحرج، وفتاةٌ لا ترى الخطر! قفز زين وسحبها في اللحظة الأخيرة تماماً.

قفز من دكانه، وسحبها من يدها في اللحظة الأخيرة، فمرّ الحمار بجوارهما كالريح. وتبعته بطيخة كبيرة… ارتطمت مباشرة بقدم زين.

«آآآخ! يبدو أن البطيخ هذا العام ثقيل الدم!» قال وهو يقفز على قدم واحدة.

انفجرت الفتاة ضاحكة، ضحكة صافية كرنين الأجراس. أزاحت طرف العباءة عن وجهها، فظهر وجه مستدير مشرق، وعينان بنيتان واسعتان، وشعر أسود طويل متموّج ينسدل على كتفيها، وفوق أذنها زهرة ياسمين بيضاء صغيرة.

«شكراً لك… أنقذتني وأضحكتني في دقيقة واحدة. هذا كثير على شخص واحد!»

لكن بطيخةً كبيرة وجدت قدم زين المسكينة! فضحكت الفتاة ضحكةً صافيةً كرنين الأجراس. وقالت إن اسمها ياسمينا… فقط ياسمينا.
لكن بطيخةً كبيرة وجدت قدم زين المسكينة! فضحكت الفتاة ضحكةً صافيةً كرنين الأجراس. وقالت إن اسمها ياسمينا… فقط ياسمينا.

«أنا زين، صانع الفوانيس. وأنتِ؟»

ترددت لحظة، ثم قالت: «اسمي… ياسمينا. أبيع… أقصد أشتري الياسمين.»

ابتسم زين ولم يسأل أكثر. أخذها إلى دكانه لتستريح، وقدّم لها كوب ليمون بالنعناع، وجلس يفرك قدمه المسكينة.

الفانوس الجميل لا يُصنع ليتباهى، بل ليضيء طريقاً. نظرت إليه ياسمينا… كأنها وجدت ما تبحث عنه.
الفانوس الجميل لا يُصنع ليتباهى، بل ليضيء طريقاً. نظرت إليه ياسمينا… كأنها وجدت ما تبحث عنه.

تجوّلت ياسمينا بين الفوانيس بعينين لامعتين كطفلة في يوم العيد. «كيف تجعل الزجاج يرسم النجوم على الجدار هكذا؟»

«السر ليس في الزجاج،» قال زين وهو يرفع فانوساً صغيراً، «السر في أن تضع النور في المكان الذي يحتاجه. الفانوس الجميل لا يُصنع ليتباهى، بل ليُضيء طريق أحدٍ تائه.»

نظرت إليه طويلاً، كأنها سمعت شيئاً كانت تبحث عنه منذ زمن بعيد، ولم تجده بين كل من عرفتهم.

ثم أشارت إلى الفانوس القديم. «وهذا؟ لماذا هو مطفأ؟»

دُم… دُم… دُم! طبول السلطان تهزّ الساحة. من يُرِد الأميرة، فليأتِ بثلاث عجائب! ماءٌ يغنّي، ونورٌ لا يحرق، ووردةٌ في الصحراء.
دُم… دُم… دُم! طبول السلطان تهزّ الساحة. من يُرِد الأميرة، فليأتِ بثلاث عجائب! ماءٌ يغنّي، ونورٌ لا يحرق، ووردةٌ في الصحراء.

«هذا فانوس جدي. كان يقول إنه لا يضيء إلا لقلب صادق في رحلة صادقة. وأنا كما ترين، رحلتي الوحيدة من البيت إلى الدكان، ومن الدكان إلى البيت!»

ضحكا معاً، ونسيت ياسمينا للحظة أن هناك قصراً كاملاً يبحث عنها الآن.

فجأة، دوّت الطبول في الساحة الكبيرة: دُم… دُم… دُم! ركض الناس، وركض زين وياسمينا معهم. على درج النافورة وقف المنادي السلطاني بعمامته الحمراء، وفتح لفافة طويلة… طويلة… حتى تدحرجت على الدرج كله.

قال زين: أنا؟ الأميرة لن تراني أبداً. همست: ربما رأتك أكثر مما تظن. ثم تركت في كفّه زهرة ياسمين… واختفت.
قال زين: أنا؟ الأميرة لن تراني أبداً. همست: ربما رأتك أكثر مما تظن. ثم تركت في كفّه زهرة ياسمين… واختفت.

«يا أهل زهرة الرمال! يعلن مولانا السلطان أن من أراد يد الأميرة ياسمينا، فعليه أن يأتي بثلاث عجائب: ماءٍ يغنّي من بئر الصدى، ونورٍ لا يحرق من مدينة الزجاج، ووردةٍ تتفتّح في قلب الصحراء العطشى. والرحلة تبدأ مع فجر الغد!»

هاج الناس وماجوا. وفي مقدمة الحشد، رفع الأمير نُعمان، ابن حاكم الجزيرة المجاورة، سيفه المرصّع وصاح: «العجائب الثلاث لي، والأميرة لي!» فصفّق له أتباعه، وكادت جواهره تصفّق معهم من كثرة ما تلمع.

همس زين: «مسكينة هذه الأميرة. ستتزوج رجلاً يحب سيفه أكثر مما يحب أي أحد.»

التفتت إليه ياسمينا بسرعة. «وأنت؟ ألن تشارك؟»

في الشرفة العالية وقفت فتاةٌ بثوبٍ أزرق. عرفها قلبه قبل عينيه… إنها الأميرة ياسمينا!
في الشرفة العالية وقفت فتاةٌ بثوبٍ أزرق. عرفها قلبه قبل عينيه… إنها الأميرة ياسمينا!

«أنا؟ صانع فوانيس فقير، قدمه مكسورة بسبب بطيخة؟ الأميرة لم ترني، ولن تراني أبداً.»

«ربما…» قالت بصوت خافت، «ربما رأتك أكثر مما تظن.»

قبل أن يفهم قصدها، اقترب حراس القصر يتلفتون بين الناس. شدّت ياسمينا عباءتها، ونزعت زهرة الياسمين من شعرها ووضعتها في كفّ زين. «إن ذهبت في الرحلة… احملها معك.» ثم ذابت بين الزحام كأنها لم تكن.

سقطت الزهرة تحت فانوس الجدّ تماماً… طق… طق… ثم تسلّل من الزجاج خيطٌ من نور! فانوسٌ مطفأ منذ مئة عام… استيقظ الليلة!
سقطت الزهرة تحت فانوس الجدّ تماماً… طق… طق… ثم تسلّل من الزجاج خيطٌ من نور! فانوسٌ مطفأ منذ مئة عام… استيقظ الليلة!

عاد زين إلى دكانه وقلبه يدقّ كطبول المنادي. جلس يحدّق في الزهرة البيضاء. «أنا؟ وعجائب؟ وصحراء؟ وأميرة؟» ضحك من نفسه، ثم توقّف عن الضحك فجأة، حين تذكّر عينيها وهي تقول: «ربما رأتك».

رفع رأسه نحو القصر البعيد، فرأى في الشرفة العالية فتاة بثوب أزرق مطرّز بالذهب، تنظر نحو السوق. كانت بعيدة جداً، لكنه عرفها من طريقة وقوفها، ومن قلبه الذي قفز في صدره. ياسمينا… الأميرة ياسمينا!

سقطت الزهرة من يده على الطاولة، تحت الفانوس القديم تماماً. وفي تلك اللحظة، سمع زين طقطقة خفيفة… وتسلّل من زجاج الفانوس المطفأ منذ مئة عام خيطٌ رفيع من نور ذهبي دافئ.

ارتفع النور الذهبي حتى ملأ الدكان، وارتسمت على الجدار خريطة صحراء متوهجة، وفي أولها بئرٌ تلمع كالقمر. ثم همس صوتٌ عجوز يشبه صوت جده تماماً: «يا زين… الرحلة الصادقة بدأت الليلة. لكن احذر، فبئر الصدى لا تُعيد إلا ما يخفيه قلبك.»

أبطال الحكاية

أبطال زين وفانوس القلوب: زين، ياسمينا
ياسمينا

ياسمينا

البطلة: أميرة زهرة الرمال، تهرب متنكّرة إلى السوق لترى الناس على حقيقتهم

ذكية ومرحة وضحكتها صافية كالأجراس، فضولية وتحب الحرية، رقيقة لكنها عنيدة في الحق، تبحث عن قلب صادق لا عن ذهب وسيوف

زين

زين

البطل: صانع فوانيس فقير في سوق الغروب، يخوض رحلة العجائب الثلاث ليفوز بقلب الأميرة

ضحوك وخفيف الظل، طيّب القلب وشجاع حين يحتاجه أحد، متواضع يشك في نفسه أحياناً، ماهر بيديه ويؤمن أن النور يُصنع ليضيء طريق الآخرين لا ليتباهى