فانوس في سوق الغروب
في مدينةٍ لا يفتح سوقها إلا حين تحمرّ السماء، كان هناك فانوسٌ قديم ينتظر منذ مئة عام… قلباً صادقاً واحداً.
headphones استمع للحكاية كاملة · 7 دقائق
الفصل الأول: فانوس في سوق الغروب
في مدينة «زهرة الرمال»، حيث تنام البيوت البيضاء على كتف واحة خضراء، وتتمايل النخيل كأنها تسمع موسيقى لا يسمعها أحد، كان هناك سوق صغير يسمّيه الناس «سوق الغروب»، لأنه لا يفتح أبوابه إلا حين تصبغ الشمس السماء بلون المشمش، وتفوح في أزقّته رائحة الهيل والخبز الساخن.
وفي آخر زقاق من هذا السوق، كان دكان زين صانع الفوانيس. دكان ضيّق، لكنه يلمع كأنه قطعة من النجوم سقطت على الأرض. فوانيس نحاسية، وأخرى من زجاج ملوّن بالأحمر والفيروزي والأصفر، تتدلّى من السقف وتنثر على الجدران نقوشاً صغيرة تتراقص كلما مرّ النسيم.
كان زين رجلاً ضحوكاً، شعره أسود مجعّد لا يطيعه أي مشط، وابتسامته أوسع من باب دكانه. ورث المهنة عن جده، وورث معها فانوساً نحاسياً قديماً معلّقاً فوق الطاولة، لم يشتعل يوماً مهما وضع فيه من زيت وفتيل.
وكان زين يقول لزبائنه وهو يغمز: «هذا الفانوس كسول مثل قطّ الجيران، ينام طوال النهار، وينتظر الشخص المناسب كي يستيقظ!» فيضحك الناس ويحسبونه يمزح، ويضحك هو معهم، لكنه في داخله كان يتمنى سرّاً أن يكون الكلام حقيقياً.
في ذلك المساء، بينما كان زين يلمّع فانوساً على شكل هلال، سمع صراخاً في أول الزقاق. حمار بائع البطيخ أفلت من صاحبه، وراح يركض بين البسطات وهو ينهق بأعلى صوته، والبطيخ يتدحرج خلفه كالكرات الخضراء الضخمة، والناس يقفزون يميناً ويساراً.
وفي طريقه تماماً وقفت فتاة ملتفّة بعباءة رمادية بسيطة، تتأمل سلّة من زهور الياسمين، ولا تنتبه لشيء مما يحدث حولها.
«احذري!» صاح زين.
قفز من دكانه، وسحبها من يدها في اللحظة الأخيرة، فمرّ الحمار بجوارهما كالريح. وتبعته بطيخة كبيرة… ارتطمت مباشرة بقدم زين.
«آآآخ! يبدو أن البطيخ هذا العام ثقيل الدم!» قال وهو يقفز على قدم واحدة.
انفجرت الفتاة ضاحكة، ضحكة صافية كرنين الأجراس. أزاحت طرف العباءة عن وجهها، فظهر وجه مستدير مشرق، وعينان بنيتان واسعتان، وشعر أسود طويل متموّج ينسدل على كتفيها، وفوق أذنها زهرة ياسمين بيضاء صغيرة.
«شكراً لك… أنقذتني وأضحكتني في دقيقة واحدة. هذا كثير على شخص واحد!»
«أنا زين، صانع الفوانيس. وأنتِ؟»
ترددت لحظة، ثم قالت: «اسمي… ياسمينا. أبيع… أقصد أشتري الياسمين.»
ابتسم زين ولم يسأل أكثر. أخذها إلى دكانه لتستريح، وقدّم لها كوب ليمون بالنعناع، وجلس يفرك قدمه المسكينة.
تجوّلت ياسمينا بين الفوانيس بعينين لامعتين كطفلة في يوم العيد. «كيف تجعل الزجاج يرسم النجوم على الجدار هكذا؟»
«السر ليس في الزجاج،» قال زين وهو يرفع فانوساً صغيراً، «السر في أن تضع النور في المكان الذي يحتاجه. الفانوس الجميل لا يُصنع ليتباهى، بل ليُضيء طريق أحدٍ تائه.»
نظرت إليه طويلاً، كأنها سمعت شيئاً كانت تبحث عنه منذ زمن بعيد، ولم تجده بين كل من عرفتهم.
ثم أشارت إلى الفانوس القديم. «وهذا؟ لماذا هو مطفأ؟»
«هذا فانوس جدي. كان يقول إنه لا يضيء إلا لقلب صادق في رحلة صادقة. وأنا كما ترين، رحلتي الوحيدة من البيت إلى الدكان، ومن الدكان إلى البيت!»
ضحكا معاً، ونسيت ياسمينا للحظة أن هناك قصراً كاملاً يبحث عنها الآن.
فجأة، دوّت الطبول في الساحة الكبيرة: دُم… دُم… دُم! ركض الناس، وركض زين وياسمينا معهم. على درج النافورة وقف المنادي السلطاني بعمامته الحمراء، وفتح لفافة طويلة… طويلة… حتى تدحرجت على الدرج كله.
«يا أهل زهرة الرمال! يعلن مولانا السلطان أن من أراد يد الأميرة ياسمينا، فعليه أن يأتي بثلاث عجائب: ماءٍ يغنّي من بئر الصدى، ونورٍ لا يحرق من مدينة الزجاج، ووردةٍ تتفتّح في قلب الصحراء العطشى. والرحلة تبدأ مع فجر الغد!»
هاج الناس وماجوا. وفي مقدمة الحشد، رفع الأمير نُعمان، ابن حاكم الجزيرة المجاورة، سيفه المرصّع وصاح: «العجائب الثلاث لي، والأميرة لي!» فصفّق له أتباعه، وكادت جواهره تصفّق معهم من كثرة ما تلمع.
همس زين: «مسكينة هذه الأميرة. ستتزوج رجلاً يحب سيفه أكثر مما يحب أي أحد.»
التفتت إليه ياسمينا بسرعة. «وأنت؟ ألن تشارك؟»
«أنا؟ صانع فوانيس فقير، قدمه مكسورة بسبب بطيخة؟ الأميرة لم ترني، ولن تراني أبداً.»
«ربما…» قالت بصوت خافت، «ربما رأتك أكثر مما تظن.»
قبل أن يفهم قصدها، اقترب حراس القصر يتلفتون بين الناس. شدّت ياسمينا عباءتها، ونزعت زهرة الياسمين من شعرها ووضعتها في كفّ زين. «إن ذهبت في الرحلة… احملها معك.» ثم ذابت بين الزحام كأنها لم تكن.
عاد زين إلى دكانه وقلبه يدقّ كطبول المنادي. جلس يحدّق في الزهرة البيضاء. «أنا؟ وعجائب؟ وصحراء؟ وأميرة؟» ضحك من نفسه، ثم توقّف عن الضحك فجأة، حين تذكّر عينيها وهي تقول: «ربما رأتك».
رفع رأسه نحو القصر البعيد، فرأى في الشرفة العالية فتاة بثوب أزرق مطرّز بالذهب، تنظر نحو السوق. كانت بعيدة جداً، لكنه عرفها من طريقة وقوفها، ومن قلبه الذي قفز في صدره. ياسمينا… الأميرة ياسمينا!
سقطت الزهرة من يده على الطاولة، تحت الفانوس القديم تماماً. وفي تلك اللحظة، سمع زين طقطقة خفيفة… وتسلّل من زجاج الفانوس المطفأ منذ مئة عام خيطٌ رفيع من نور ذهبي دافئ.
في مدينة سوقها ما بيفتحش غير لما السما تحمرّ، كان فيه فانوس قديم مستني بقاله مية سنة… قلب واحد صادق.
في مدينة اسمها «زهرة الرمال»، البيوت البيضا فيها نايمة على كتف واحة خضرا، والنخل بيتمايل كأنه سامع مزيكا محدش سامعها غيره. كان فيها سوق صغير الناس بتسميه «سوق المغرب». ليه؟ عشان ما بيفتحش أبوابه غير لما الشمس تلوّن السما بلون المشمش، وريحة الحبهان والعيش السخن تملا حواريه.
وفي آخر حارة في السوق ده، كان فيه دكان زين صانع الفوانيس. دكان ضيق، بس بيلمع كأنه حتة من النجوم وقعت على الأرض. فوانيس نحاس، وفوانيس إزاز ملوّن أحمر وفيروزي وأصفر، متعلقة في السقف، وبترمي على الحيطان نقوش صغيرة بترقص كل ما النسمة تعدّي.
زين كان راجل بشوش وضحوك. شعره أسود مجعّد، ولا مشط في الدنيا يقدر عليه. وضحكته أوسع من باب الدكان. ورث الصنعة عن جده، وورث معاها فانوس نحاس قديم متعلق فوق الترابيزة. الفانوس ده عمره ما ولّع، مهما حط فيه زيت وفتيلة.
وكان زين يقول للزباين وهو بيغمز: «الفانوس ده كسلان زي قطة الجيران، نايم طول النهار، ومستني الشخص المناسب عشان يصحى!» الناس تضحك وتفتكره بيهزر، وهو يضحك معاهم. بس من جواه، كان بيتمنى في سره إن الكلام يطلع بجد.
في الليلة دي، وزين بيلمّع فانوس على شكل هلال، سمع زعيق في أول الحارة. حمار بياع البطيخ فلت من صاحبه، وفضل يجري بين الفرشات وهو بينهق بأعلى صوته. والبطيخ بيتدحرج وراه زي كور خضرا كبيرة، والناس بتنط يمين وشمال.
وفي طريقه بالظبط، كانت واقفة بنت لافّة نفسها في عباية رمادي بسيطة. بتتفرج على سبت فيه ورد ياسمين، ومش واخدة بالها من أي حاجة بتحصل حواليها.
«حاسبي!» زين زعق.
نط من الدكان، وشدّها من إيدها في آخر لحظة، فالحمار عدّى جنبهم زي الريح. ووراه بطيخة كبيرة… خبطت على طول في رجل زين.
«آآآه! شكله البطيخ السنة دي تقيل الدم!» قالها وهو بينطّ على رجل واحدة.
البنت فطست من الضحك، ضحكة صافية زي رنة الأجراس. شالت طرف العباية من على وشها، فبان وش مدوّر منوّر، وعينين بني واسعين، وشعر أسود طويل مموّج نازل على كتافها. وفوق ودنها وردة ياسمين بيضا صغيرة.
«متشكرة أوي… أنقذتني وضحكتني في دقيقة واحدة. ده كتير على شخص واحد!»
«أنا زين، صانع الفوانيس. وإنتي؟»
اترددت شوية، وبعدين قالت: «اسمي… ياسمينا. ببيع… قصدي بشتري الياسمين.»
زين ابتسم وما سألش تاني. خدها على الدكان عشان ترتاح، وقدّم لها كوباية لمون بالنعناع، وقعد يدعك رجله الغلبانة.
ياسمينا لفّت بين الفوانيس وعينيها بتلمع زي عيلة صغيرة يوم العيد. «إزاي بتخلّي الإزاز يرسم نجوم على الحيطة كده؟»
قال زين وهو بيرفع فانوس صغير: «السر مش في الإزاز. السر إنك تحط النور في المكان اللي محتاجه. الفانوس الحلو ما بيتعملش عشان يتمنظر، بيتعمل عشان ينوّر طريق حد تايه.»
بصّت له كتير، كأنها سمعت حاجة كانت بتدوّر عليها من زمان أوي، وما لقيتهاش عند حد من كل اللي عرفتهم.
وبعدين شاورت على الفانوس القديم. «وده؟ مطفي ليه؟»
«ده فانوس جدي. كان بيقول إنه ما بينوّرش غير لقلب صادق في رحلة صادقة. وأنا زي ما إنتي شايفة، رحلتي الوحيدة من البيت للدكان، ومن الدكان للبيت!»
ضحكوا هما الاتنين، وياسمينا نسيت للحظة إن فيه قصر بحاله بيدوّر عليها دلوقتي.
وفجأة، الطبول دقّت في الساحة الكبيرة: دُم… دُم… دُم! الناس جريت، وزين وياسمينا جريوا معاهم. على سلم النافورة وقف منادي السلطان بعمّته الحمرا، وفتح لفافة طويلة… طويلة… لحد ما اتدحرجت على السلم كله.
«يا أهل زهرة الرمال! مولانا السلطان بيعلن إن اللي عايز يتجوز الأميرة ياسمينا، لازم يجيب تلات عجايب: مية بتغني من بير الصدى، ونور ما بيحرقش من مدينة الإزاز، ووردة بتفتّح في قلب الصحرا العطشانة. والرحلة تبدأ مع فجر بكرة!»
الناس هاجت وماجت. وفي أول الزحمة، الأمير نُعمان، ابن حاكم الجزيرة اللي جنبهم، رفع سيفه المرصّع وزعق: «العجايب التلاتة بتوعي، والأميرة بتاعتي!» أتباعه سقفوا له، وجواهره كانت هتسقف معاهم من كتر ما بتلمع.
زين وشوش: «يا عيني على الأميرة دي. هتتجوز راجل بيحب سيفه أكتر من أي حد.»
ياسمينا لفّت له بسرعة. «وإنت؟ مش هتشارك؟»
«أنا؟ صانع فوانيس غلبان، ورجله مكسورة بسبب بطيخة؟ الأميرة ما شافتنيش، ومش هتشوفني أبداً.»
قالت بصوت واطي: «يمكن… يمكن شافتك أكتر ما إنت فاكر.»
وقبل ما يفهم قصدها، حرس القصر قرّبوا وهما بيبصّوا في وشوش الناس. ياسمينا شدّت العباية، وشالت وردة الياسمين من شعرها وحطّتها في كف زين. «لو رحت الرحلة… خدها معاك.» وبعدين داخت في الزحمة كأنها ما كانتش موجودة.
زين رجع الدكان وقلبه بيدق زي طبول المنادي. قعد يبص في الوردة البيضا. «أنا؟ وعجايب؟ وصحرا؟ وأميرة؟» ضحك على نفسه، وبعدين بطّل ضحك فجأة، لما افتكر عينيها وهي بتقول: «يمكن شافتك».
رفع راسه ناحية القصر البعيد، فشاف في البلكونة العالية بنت لابسة فستان أزرق مطرّز بالدهب، باصّة ناحية السوق. كانت بعيدة أوي، بس عرفها من وقفتها، ومن قلبه اللي نط في صدره. ياسمينا… الأميرة ياسمينا!
الوردة وقعت من إيده على الترابيزة، تحت الفانوس القديم بالظبط. وفي اللحظة دي، زين سمع طقطقة خفيفة… وخرج من إزاز الفانوس اللي مطفي من مية سنة خيط رفيع من نور دهبي دافي.
أبطال الحكاية