شوكان والصوفُ الدافئ
في ليلةٍ باردةٍ من ليالي الخريف، اكتشفَ قنفذٌ صغيرٌ أنّ الحبَّ يستطيع أن يجعلَ الأشواكَ ناعمةً كالغيم.
bedtime اسمعها قبل النوم · 4 دقائق
حدوتة قبل النوم: شوكان والصوفُ الدافئ
في بستانِ زيتونٍ صغيرٍ فوقَ التلّة، كان يعيشُ قنفذٌ صغيرٌ اسمُه شوكان. له أنفٌ أسودُ لامع، وعينانِ كحبّتَي زيتون، وظهرٌ مليءٌ بالأشواكِ الصغيرة.
وكانت صديقتُه أرنبةً بيضاءَ اسمُها زهرة. تسكنُ في جحرٍ دافئٍ تحتَ أقدمِ شجرةِ زيتونٍ في البستان. كانا يلعبانِ كلَّ يومٍ بينَ الحشائش، ويعُدّانِ الفراشاتِ معاً.
في ليلةٍ من ليالي الخريف، هبَّ نسيمٌ باردٌ خفيف. تساقطت أوراقٌ صفراءُ على الأرض. وسمعَ شوكان صوتاً صغيراً يقول: «بررر... أنا بردانة».
كانت زهرةُ ترتجفُ عندَ بابِ جحرها. قالت: «دخلَ الهواءُ الباردُ إلى بيتي يا شوكان، ولا أستطيعُ النوم».
اقتربَ شوكان ليحضنَها ويُدفئَها. لكنْ... آه! لمستْ أشواكُه أذنَها الطويلة. قفزت زهرةُ قليلاً وقالت بلطف: «أشواكُك تَشُكُّ يا صديقي». حزنَ شوكان، ونظرَ إلى ظهرِه وقال في نفسِه: «كيف أُدفئُ صديقتي، وأنا مليءٌ بالأشواك؟».
فكّرَ شوكان وفكّر. ثم جمعَ أوراقَ الشجرِ اليابسة، وغطّى بها زهرة. لكنَّ النسيمَ جاءَ فطيّرَ الأوراقَ بعيداً، فخشخشتْ وتدحرجتْ في البستان.
لم ييأسْ شوكان. مشى بخطواتٍ صغيرة حتى وصلَ إلى سياجِ الحظيرة، حيثُ تنامُ الجدةُ صوفة، النعجةُ العجوزُ ذاتُ الصوفِ الأبيضِ الكثيف. ورأى على أعوادِ السياجِ خصلاتٍ من الصوفِ الناعم، علِقتْ هناك حينَ مرّت النعاجُ في النهار.
همسَ شوكان: «يا جدّتي صوفة، هل آخذُ هذا الصوفَ لصديقتي البردانة؟». فتحت الجدةُ صوفة عينيها نصفَ فتحة، وابتسمت وقالت: «خذْه يا صغيري، فالصوفُ جُعِلَ ليُدفئ». ثم هزّت نفسَها هزّةً لطيفة، فسقطت خصلاتٌ أخرى كأنها غيومٌ صغيرة.
وهنا خطرت لشوكان فكرةٌ جميلة. تدحرجَ فوقَ الصوف، فتعلّقت الخصلاتُ بأشواكِه واحدةً بعدَ واحدة. صار ظهرُه أبيضَ منفوشاً كالقطن! ضحكت الجدةُ صوفة بصوتٍ خافت وقالت: «صرتَ نعجةً صغيرةً يا شوكان».
مشى شوكان عائداً، والصوفُ يتمايلُ فوقَ ظهرِه. وصلَ إلى زهرة وقال: «جرّبي الآن». اقتربت زهرةُ بهدوء، ووضعتْ رأسَها على ظهرِه... كان ناعماً ودافئاً، ولا شوكةَ تَشُكّ. قالت مبتسمة: «أنتَ أنعمُ من وسادة!».
دخلا معاً إلى الجحر. فرشَ شوكان بقيّةَ الصوفِ على الأرض، وتكوّرت زهرةُ بجانبِه. وفي الخارج، كان القمرُ يضيءُ أوراقَ الزيتون بلونٍ فضّيٍّ هادئ، والنسيمُ يغنّي أغنيةً ناعمة.
في الحظيرة، أغمضت الجدةُ صوفة عينيها وابتسمت. وفي الجحر، امتلأ المكانُ بالدفء، وتباطأت أنفاسُ زهرة شيئاً فشيئاً. همست: «شكراً يا شوكان...». وهمسَ هو: «تُصبحين على خيرٍ يا زهرة».
ونامَ الصديقان، ونامَ البستان، ونامت التلّةُ كلُّها في أمان. والآن يا صغيري... ضعْ رأسَك على وسادتِك الناعمة كما فعلت زهرة. وأغمضْ عينيكَ بهدوء... ونَمْ في دفءٍ وأمان.
في ليلة من ليالي الخريف الساقعة، قنفذ صغير اكتشف إن الحب ممكن يخلّي الشوك ناعم زي السحاب.
في جنينة زيتون صغيرة فوق التلّ، كان عايش قنفذ صغير اسمه شوكان. مناخيره سودا ولامعة، وعينيه زي حبّتين زيتون، وضهره مليان شوك صغير.
وكانت صاحبته أرنوبة بيضا اسمها زهرة. ساكنة في جحر دافي تحت أقدم شجرة زيتون في الجنينة. كانوا كل يوم يلعبوا سوا وسط الحشيش، ويعدّوا الفراشات مع بعض.
في ليلة من ليالي الخريف، هبّ نسيم خفيف وساقع. ووقع ورق أصفر على الأرض. وسمع شوكان صوت صغير بيقول: «بررر... أنا بردانة».
كانت زهرة بتترعش عند باب جحرها. قالت: «الهوا الساقع دخل بيتي يا شوكان، ومش عارفة أنام».
قرّب شوكان عشان يحضنها ويدفّيها. بس... آه! شوكه لمس ودنها الطويلة. نطّت زهرة نطّة صغيرة وقالت بالراحة: «شوكك بيشُكّ يا صاحبي». زعل شوكان، وبصّ على ضهره وقال في سرّه: «هدفّي صاحبتي إزاي، وأنا كلّي شوك كده؟».
فكّر شوكان وفكّر. وبعدين لمّ ورق الشجر الناشف، وغطّى بيه زهرة. بس النسيم جه وطيّر الورق بعيد، فخشخش واتدحرج في الجنينة.
شوكان ما يئسش. مشي بخطوات صغيرة لحد ما وصل لسور الحظيرة، مكان ما بتنام الجدة صوفة، النعجة العجوزة اللي صوفها أبيض وكتير. وشاف على عيدان السور خُصَل صوف ناعمة، اتعلّقت هناك لما النعاج عدّت الصبح.
وشوشها شوكان وقال: «يا جدّتي صوفة، ينفع آخد الصوف ده لصاحبتي البردانة؟». فتحت الجدة صوفة عينيها نُص فتحة، وابتسمت وقالت: «خده يا حبيبي، ما هو الصوف معمول عشان يدفّي». وبعدين هزّت نفسها هزّة خفيفة، فوقعت خُصَل تانية كأنها سحابات صغيرة.
وهنا جت لشوكان فكرة حلوة. اتدحرج فوق الصوف، فالخُصَل اتعلّقت في شوكه واحدة ورا واحدة. وبقى ضهره أبيض ومنفوش زي القطن! ضحكت الجدة صوفة بصوت واطي وقالت: «بقيت نعجة صغيرة يا شوكان».
رجع شوكان ماشي، والصوف بيتمايل فوق ضهره. وصل لزهرة وقال: «جرّبي دلوقتي». قرّبت زهرة بالراحة، وحطّت راسها على ضهره... كان ناعم ودافي، ولا فيه شوكة بتشُكّ. قالت وهي مبتسمة: «إنت أنعم من المخدّة!».
دخلوا الجحر سوا. فرش شوكان باقي الصوف على الأرض، واتكوّرت زهرة جنبه. وبرّه، كان القمر منوّر ورق الزيتون بلون فضّي هادي، والنسيم بيغنّي غنوة ناعمة.
في الحظيرة، غمّضت الجدة صوفة عينيها وابتسمت. وفي الجحر، المكان اتملى دفا، وأنفاس زهرة بقت تهدى شوية بشوية. وشوشت: «شكراً يا شوكان...». ووشوشها هو: «تصبحي على خير يا زهرة».
ونام الصاحبين، ونامت الجنينة، ونام التلّ كله في أمان. ودلوقتي يا حبيبي... حُط راسك على مخدّتك الناعمة زي ما عملت زهرة. وغمّض عينيك بالراحة... ونام في دفا وأمان.
💛 مغزى الحدوتة
حين نحبُّ أصدقاءنا، نجدُ دائماً طريقةً لطيفةً لنُسعدَهم ونُدفئَ قلوبَهم.
تصبح على خير 🌙
أبطال الحكاية